الأربعاء، 1 مايو، 2013

معنى الزاوية الخاصة في الأعمال السياسية



معنى الزاوية الخاصة في الأعمال السياسية

النظرة إلى الأحداث السياسية من زاوية خاصة تعني أن تسيطر تلك الزاوية الخاصة في النظرة إلى الحوادث والأعمال السياسية، فلولا وجود الزاوية الخاصة في النظرة لكانت الأعمال السياسية لا معنى لها، ولا فائدة تُرجى منها، ولا قيمة فيها يُهدف إلى تحقيقها.
والزاوية الخاصة في النظرة قد تتعلق بعمل عام، وقد تتعلق بعمل خاص، فإذا ركَّزت الدولة في نظرتها على دولة كبرى عدوة لها، وحصرت أعمالها السياسية والحربية فيها كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش، حيث ركز عليها في حروبه وفي أعماله السياسية، واكتفى من الآخرين بالتفرج أو بالوقوف على الحياد، إذا ركَّزت الدولة في نظرتها على ذلك كانت الزاوية الخاصة للنظرة تتعلق بعمل عام.
وأما إذا تم التركيز على هدف معين وتم جعله الزاوية الخاصة في النظرة كان العمل خاصاً، وذلك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش عندما صالحها في الحديبية، وتفرغ لسحق يهود خيبر بعد أن علم بوجود حلف بينهما، فهو بذلك قد حدَّد زاوية العمل فكانت الزاوية الخاصة التي انطلق منها في نظرته عملاً خاصاً.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كلا العملين قد انتقل من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى الأخص منه، حيث كانت الزاوية الخاصة في النظرة السياسية بالنسبة إليه ابتداء هي حمل الدعوة الإسلامية وهي هدف عام، ثم لما ركّز على محاربة قريش ثم تخصيص الزاوية في هدف أخص، وبعد أن تفرغ لسحق يهود خيبر ومهادنة قريش انتقل إلى هدف أكثر تخصيصاً. وهكذا ممكن أن تتغير الزاوية الخاصة من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى الأخص منه.
ومثال آخر في الانتقال من العام إلى الخاص أو من الخاص إلى الأخص منه في النظرة السياسية ما حصل مع الدول الأوروبية بعد مؤتمر مدريد في القرن السادس عشر الميلادي، وذلك بعد ظهور علامات الضعف في الدولة العثمانية، حيث اتخذت الدول الأوروبية من نهب أملاك الدولة العثمانية زاوية خاصة لها في التعامل مع الدولة العثمانية ومع بعضها البعض، ولم تتخذ من هدف القضاء على الدولة العثمانية زاوية خاصة، مع أنها بحثت في الأمرين معاً وقررت الثاني وهو النهب وليس القضاء، ودخلت في صراع سياسي واستعماري مرير استمر قروناً ضد بعضها البعض وضد الدولة العثمانية، حتى انتهى الأمر بها إلى نجاحها في إزالة الدولة العثمانية وتقاسم ممتلكاتها. وهكذا كانت الزاوية الخاصة للدول الأوروبية في ذلك الوقت هي نهب أملاك الدولة العثمانية، وهي الزاوية التي تمكنت من جميع أعمالها السياسية، وسيطرت على كل تصرفاتها.
وكذلك ما حصل مع أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية حيث اعتبرت أن العالم شركة بين الدول العظمى، وأن لها أكثر الأسهم فيها، وأنها هي من يجب أن تتولى إدارة الشركة، فكانت هذه هي الزاوية الخاصة التي نظرت أمريكا من خلالها إلى العالم، وصارت أعمالها تتكيف وفقاً لهذه الزاوية، وهو ما جعلها تتحالف مع روسيا ضد حلفائها الأوروبيين وذلك بعد أن تم في العام 1961م الاتفاق في فينا والذي عُقد بين الرئيس الأمريكي جون كنيدي والرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف، حيث تنكرت بعده للأوروبيين خصوصاً لكل من بريطانيا وفرنسا.
ثم غيرّت أمريكا الزاوية الخاصة في نظرتها مرة ثانية وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991م، وتنكرت للجميع، وانسحبت من اتفاقية كيوتو، ورفضت اتفاقيات زرع الألغام الأرضية، ورفضت الدخول في محكمة الجرائم الدولية، وأصبحت الزاوية الخاصة التي تنظر من خلالها إلى العالم تقوم على أساس عدم وجود أنداد لها تتحالف معهم على قدم المساواة، فمالت إلى التفرد، وأصبحت تتعامل مع سائر الدول العظمى الأخرى بأسلوب الهيمنة والتفوق.
هذه هي الكيفية التي تسير على أساسها النظرة من زاوية خاصة إلى الأحداث السياسية التي تجري في العالم، وهي الكيفية التي تستخدمها كل الدول التي تملك قرارها السيادي في غالبية الاعمال السياسية.
ومن هنا كان ينبغي على الامة القيام بالأعمال السياسية من زاوية خاصة لأن ذلك هو من أهم واجباتها.
ومن ناحية ثانية فإن العقيدة الإسلامية التي تعتنقها شعوب الأمة الإسلامية لا بد أن تتحول إلى قيادة فكرية سياسية تقوم عليها جميع المكونات التي تتألف منها الأمة، والعالم اليوم الذي يفتقد لقيادة سياسية إسلامية عقائدية يتخبط في دياجير الفوضى، ويكتنفه الظلم السياسي، والشقاء الاقتصادي، والاستعمار بكل أشكاله وصوره.
ولا شك أن البشرية اليوم تئن تحت كوابيس الإذلال والتعاسة والعبودية، ولا تملك قوة في الأرض إخراجها من تلك الكوابيس غير القوة الاسلامية المبدئية. فالأمة الإسلامية التي تملك تلك العقيدة السياسية الدينامية الجبارة هي وحدها القادرة على إنقاذ العالم من حالة التردي التي يحياها، لذلك لا يجوز أن تنشغل الأمة أو تتلهى بمشاكلها المصطنعة في تحرير نفسها بوصفها شعوباً وقوميات صغيرة وتتجاهل حقيقة كونها خير أمة أخرجت للناس، وكونها المسؤولة الطبيعية عن سائر الأمم الأخرى. فلا يكفي من الأمة العمل على تحرير شعوبها من سطوة الاستعمار، ولا يُكتفي منها أن تعمل على إنهاض مجتمعاتها في كل مجالات الحياة، بل لا بد لها علاوة على ذلك أن تُفكر في حمل الدعوة ونشر رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء.
فالأصل أن تتحمل الأمة الاسلامية مسؤولياتها تجاه الامم والشعوب الأخرى، ولا يوجد أدنى شك بأنها قادرة على تحمل ذلك، لانها أمة أصيلة، والأصالة جزء لا يتجزأ من طبيعة المسلمين، فلا يمكن أن تتغير طبيعتها مهما لحقها من عسف وفقر واضطهاد . وما على الأمة الإسلامية اليوم إلا أن تتحرك وتقوم بالأعمال السياسية الحقيقية المنبثقة عن القاعدة الفكرية الإسلامية المتمثلة بعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، تلك العقيدة التي من شأنها إذا ما بُنيت عليها دولة أن تدك سلاطين الطفر وعروش الطغيان، وأن تقوم بها من زاوية خاصة.
إن الأمة الإسلامية وقد خبِرت الصراع مع الكفار لمئات السنين، وتعلم أن الله سبحانه وتعالى قد فرض عليها أن تقاتل عدوها حتى ولو كانت قوته ضعفي قوتها، لقوله تعالى : "  الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ"، وتعلم هذه الأمة أن قوى الكفر قد تجمعت في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وقد تتجمع في المستقبل ضدهم أيضاً، لذلك فليس عجيباً أن تقف الأمة الإسلامية وحدها في وجه دول العالم بأسرها، وليس غريباً أن تواجه المؤامرات المستمرة للقضاء على وجودها، وهذا أمر طبيعي وموجود منذ بدء الصدع بالدعوة.
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما بلغه أن هناك مفاوضات تجري بين قريش ويهود خيبر لمحو الإسلام من الوجود صمَّم على الذهاب إلى مكة للقيام بالعمرة ولمقابلة قريش ومهادنتها ومصالحتها، ثم بعد أن أمن شر قريش رجع إلى خيبر فحارب اليهود وقضى على كيانهم، وكان ذلك من أعظم أعماله السياسية من زاوية خاصة. فالرسول صلى الله عليه وسلم قد علَّمنا كيف نكون حاسمين دائماً ضد قوى الكفر التي تُناصبنا العداء، وتريد القضاء على كياننا وعقيدتنا ووجودنا السياسي، وقد جمع عليه الصلاة والسلام الأنصار قبيل فتح مكة ذات مرة وقال لهم: "إن قريشاً قد وبَّشت أوباشها فاحصدوهم حصداً، وسحق إحدى كفيه بالأخرى". وهذا يدل على مدى الحسم والقسوة التي ينبغي التزامها ضد الاعداء الخطرين.
فالحسم والحذر يجب أن يكونا من أهم أسس علاقاتنا مع الكفار المعاهدين، فإن استقامة الدولة الإسلامية مع دول الكفر المعاهدة مرتبطة باستقامة العدو لنا، وبالتزامه بالعهود المبرمة معنا، لكي نستقيم معه مصداقاً لقوله تعالى  : " فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ"، وأما إن خيف منهم خيانة، وظهرت لنا علاماتها، فإننا نطبق عليهم وقتها قوله تعالى:" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء".
وهكذا فالأعمال السياسية والحربية من زاوية خاصة بالنسبة للمسلمين لا تعتبر إرثاً معرفياً تاريخياً وحسب، بل هي دراسة واختبارات تشكل أفكاراً من عقائد الأمة ، وأحكاماً من شريعتها، إذ هي متغلغلة في حنايا نفوس المسلمين، ومتأصلة في تكوينهم، وتسري في دمائهم.
إن علينا أن نعلم أن الاستعمار لا يعني نهب الخيرات وسرقة الثروات من بلداننا الإسلامية وإن كان هو الجاري، بل المقصود من الاستعمار - بعد أن تمكن من السيطرة على دولنا - أن يحول دون أن يعود المسلمين خير أمة أخرجت للناس تحمل الرسالة إلى العالم أجمع مرة ثانية. فالموضوع إذاً ليس الاستعمار وحسب، بل هو تحطيم هذه الأمة تحطيماً تاماً، وشل حركتها، ومحوها من الوجود، بوصفها أمة إسلامية تعمل على هداية الأمم الأخرى.
لقد حدَّث التاريخ عن الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت حين غزا مصر واحتلها أنه جمع كبار ضباطه وأركان جيشه في غرفة واسعة، فيها سجادة كبيرة، ووضع في وسطها قبعة، وقال لضباطه :" من منكم يأتيني بالقبعة؟؟"،  فمشى أحد ضباطه على السجادة لإحضار القبعة، فقال له لا تطأ على السجادة، فحاول آخر أن يأخذ القبعة بعصا طويلة، فقال له: هاتها بيدك. فلما فشل عدة ضباط بإحضارها بعدة طرق قال لهم نابليون:" نطوي السجادة ونتناول القبعة"، ثم التفت إليهم وقال: "إن هذه القبعة مثل الخلافة، وهذه السجادة مثل البلاد الإسلامية، فلا يمكن أخذ القبعة باليد إلا بطي السجادة، ولا يمكن إزالة الخلافة إلا بأخذها بلداً بلداً كطي السجادة، ثم يمكن بعد ذلك إزالة الخلافة بكل يسر، وها نحن قد أخذنا مصر، ثم نأخذ بلاد الشام، وهكذا حتى نزيل الخلافة"، وهذا هو بالضبط ما حصل، فلقد تم طي البلاد الإسلامية وتقطيعها، حتى انتهى الأمر بإسقاط الخلافة العثمانية الاسلامية، وبعد ذلك تحولت الأمة الإسلامية إلى دويلات وقوميات متناحرة متباغضة تابعة لدول الكفر الغربية الكبرى لا وزن لها ولا حول ولا قوة.
لقد أصبح معروفاً لدى غالبية الأمة أنه من البديهيات القول إن أنظمة الحكم القائمة اليوم كلها عدوة للإسلام وللمسلمين، وهي أنظمة كافرة تتربص بالعالم الإسلامي وبوحدته الدوائر. وإن الأمة الإسلامية هي أمة واحدة، ولها عقيدة واحدة، ويجب أن تحكم بدولة واحدة هي دولة الخلافة، من قبل حاكم واحد هو الخليفة. ولذلك كان على الأمة بكل شعوبها أن تقوم بأعمال سياسية تسبق وترافق وتصاحب الأعمال السياسية لدولة الخلافة، وذلك للتمهيد لعودة اقتعاد الأمة الإسلامية مكانتها التي تليق بها بين الامم، وحتى تعود كما يجب أن تكون ذات قوة وعزة وهيبة وكرامة يحسب لها الكفار ألف حساب.
وخلاصة القول أنه لا بد أن تتركز الأعمال السياسية حول حمل الدعوة ونشر رسالة الإسلام إلى العالم، وهي الزاوية الأصلية التي يجب الانطلاق منها في العمل السياسي، وهي عينها التي انطلقت منها جميع أعمال الرسول السياسية التي قام بها قبل وبعد الهجرة.
وباستعراض بعضاً من هذه الأعمال السياسية التي قد تغني عن خوض غمار الحروب نجدها كلها تنطلق من تلك الزاوية الخاصة، وهذه خمسة عشر عملاً سياسياً قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم تظهر فيها الزاوية الخاصة بشكل واضح:
1)  عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل وطلبه للنصرة.
2)  أخذ بيعة العقبة الثانية وهي بيعة القوة والمنعة والاستعداد للحرب.
3) إرسال عبد الله بن جحش يتنطس أخبار مكة.
4)  محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم الاستيلاء على تجارة قريش والتي تسببت في موقعة بدر.
5)  إرسال نعيم بن مسعود لتثبيط القبائل وإثارة الشكوك في نفوس الكفار أثناء حصار الأحزاب للمدينة في موقعة الخندق.
6)  الإصرار على الذهاب لأداء العمرة وما نتج عنه من إبرام صلح الحديبية مع قريش الذي أدّى إلى كسر التحالف السياسي العدواني بين كفار مكة ويهود خيبر.
7)  تحكيم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة.
8)  إرسال الدعاة إلى القبائل.
9)  إرسال الرسل إلى الملوك.
10)  جلب العباس لأبي سفيان قبيل فتح مكة واطلاعه على كتائب الجيش الاسلامي لتيئيسه وتخويفه لقريش من القتال والمواجهة.
11)  عقد المعاهدات مع القبائل.
12)  استقبال الوفود من جزيرة العرب.
13)  مباهلة نصارى نجران.
14)  إجلاء يهود بني النضير.
15)  تعيين حاكم اليمن من قبل فارس حاكماً لها من قبله بعد إسلامه.
هذه النماذج من الأعمال السياسية التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم توضح لنا كيف أن مثل هذه الأعمال كانت تنطلق من زاوية رعاية شؤون المسلمين وإدارة مصالحهم على وجه يؤدي إلى تحقيق النصر والظفر والغلبة على الكفار، ويمكن المسلمين من تطبيق أحكام الشرع على الرعية وحمل الدعوة إلى العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق