السبت، 1 أكتوبر، 2016

كيف ستعمل دولة الخلافة بعد إعلانها ؟


كيف ستعمل دولة الخلافة بعد إعلانها ؟

إنّ الحديث عن دولة الخلافة وأجهزتها، وعن رعايتها لشؤون الناس، وعن علاقاتها الخارجية، إنّ الحديث عن ذلك من ناحية نظرية شيئ، ومُباشرتها الحقيقية لأعمال الرعاية اليومية، واتصالاتها الفعلية بالكيانات الخارجية شيئ آخر، فبالرغم من أهميّة الحديث عن طبيعة الدولة، وشرح المفاهيم والمقاييس المتعلّقة بنظام الحكم في الإسلام، وتحميل الناس تلك الأفكار، وإيجاد رأي عام عنها بين الناس، بالرغم من أهمية ذلك كلّه، إلاّ أنّ ما هو أهمّ وأصعب منه هو ترجمة تلك الأفكار إلى واقعٍ حيٍ وعملي.
فحمل الدعوة للإسلام، وإن كان من أعظم الواجبات المطلوب القيام بها من قبل جميع المكلّفين، إلاّ أنّ تجسيد هذا الواجب من حيث التطبيق والتنفيذ، يحتاج إلى قُدُرات خاصّة لا تتوفر إلا لدى أناسٍ مخصوصين، يملكون المؤهلات التي تُمكّنهم من القيام بهذه الأعمال السياسية التنفيذية اليومية لدولة الخلافة.
وهؤلاء الرجال الذين تُلقى على عواتقهم مسؤولية تشغيل أجهزة الدولة، وإدارة أعمالها بُعَيْد الإعلان عن قيامها هم رجال الدولة الحقيقيون الذين يمتازون بقُدرات فائقة، ومهارات عالية.
فبعد تنصيب الخليفة، وإلقائه الخطاب الأول الذي يُعلن فيه قيام دولة الخلافة، وبعد أنْ يُحدّد نهجها، ويشرح واقعها، ويرسم معالمها، بعد ذلك يشْرع بتشكيل الأجهزة، وتوزيع الصلاحيات، وتقسيم المهام، وإنشاء الإدارات والدوائر، واختيار المُعاونين، ووضعهم على رأس المؤسّسات، وتكليفهم بإدارة مصالح الدولة، طبْقاً للدستور، ووفقاً للأحكام الشرعية المُتبنّاة، بحسب رأيه واجتهاده، وعندها تبدأ المحرّكات بالعمل، وتشرع الأجهزة بالتّحرّك، وتدبّ فيها الحياة.
* يقوم بيت المال بوضع يده على جميع الأموال الموجودة في البنوك وفي مؤسّسات الدولة السابقة، ويوقف كل الأعمال الربوية في الحال، ويُجمّد جميع المعاملات البنكية الداخلية والخارجية، ويحفظ للأفراد حقوقهم المالية، ويحصُر أموال الملكية العامّة ومُلْكية الدولة، ثمّ يبدأ باستخدام المال الموجود في الخزينة لتمويل أعمال ونفقات الدولة، خاصةً المتعلّقة بدفع رواتب الموظفين والجنود، وفي نفس الوقت يشرع بالتحضير لإخراج عُملة الدولة الإسلاميّة المُغطّاة بالذهب والفضّة، وإعداد فئات النقد الإسلامي المصكوكة والنائبة، في الوقت الذي يستمر فيه العمل باستعمال العملات الورقية الموجودة ريثما ينتهي بيت المال من إصدار النقد الجديد.
* تتولّى مصلحة الإعلام بث الأخبار وتوجيه الخطاب الإعلامي للأمّة من مُنطلق إظهار عظمة الإسلام، وإبرازهيبة دولة الخلافة، وتجييش أبناء المسلمين، وتشجيعهم على الالتحاق بالأعمال الجهادية التي تُحيي فيهم ذكريات انتصارات الإسلام في بدر والقادسية وتستر واليرموك وغيرها، بِهدف تحضير نفسيات المسلمين المُتعطّشة للغزو والجهاد والاستشهاد، ومن أجل تحرير بلاد المسلمين المُغتصبة كفلسطين والشيشان وكشمير وغيرها، فضلاً عن فتح سائر البلاد، ونشر الإسلام في ربوع المعمورة.
* وأمّا على مستوى القضاء فيقوم قاضي القضاة بإعادة هيكلة المحاكم بعد إلغاء المحاكم النظامية والمدنية القائمة، وحصرها في محاكم الخصومات والمظالم والحسبة، ويقوم بتوجيه وتدريب القضاة لتسريع عملهم، وحفظ حقوقهم، وردع الجُناة، وإيجاد الطمأنينة والعدل بين الناس.
* فيما تقوم دائرة الأمن الداخلي بتوفير القوى الشرطية اللازمة للحُكّام والقضاة لضمان تطبيق الأحكام الناجزة، وتنفيذ القرارات الصادرة، والسهر على حماية الأمن العام.
* أمّا مصلحة التعليم فتقوم فور تشكّلها بإيقاف العملية التعليمية التي كانت قائمة في الدولة البائدة، وتتولّى إعداد النظام التعليمي الإسلامي المُعدّ مسبقاً، وتشرع من فورها  في طباعة الكتب المدرسية، وفي إعداد الكرّاسات الجامعيّة، وفي تدريب وتوجيه المُعلّمين، واستئناف عملية التعليم وفقاً لمنهاج دولة الخلافة في أسرع وقت ممكن.
تلكم هي أهم الأعمال الداخلية التي تقوم بها دولة الخلافة بُعيْد قيامها، أمّا الأعمال الخارجيّة فأهمّها أعمال دائرة الحربية التي يتولّاها أمير الجهاد، وأعمال دائرة الشؤون الخارجيّة، وأعمال دائرة الصناعة.
* يقوم أميرالجهاد بترتيب قيادات الجيش، وتقسيمه إلى ألوية وفرق وكتائب، وتعيين الأمراء والقادة المناسبين، وإعادة تثقيفهم بالثقافة الإسلامية المُركّزة، وتوفيرالحماية المُطلقة لجميع أصقاع الدولة، وحفظ الحدود، والتحضير لخوض المعارك، وتحديد أولويات فتح الجبهات، ووضع الخطط والاستراتيجيات، واستيعاب أعداد كبيرة من الجنود والمُتطوّعين، وإدخال أحدث الأسلحة والتقنيات،واستخدام أفضل وسائل التدريب للمُقاتلين.
* أمّا دائرة الشؤون الخارجيّة فتتولّى تدبير الشؤون الخارجية للدولة، فتقوم بتصنيف مراتب الدول بحسب عدائها للدولة الاسلامية، ودرجة خطورتها عليها، فتضع مسودات متنوعة للاتفاقيات المقترحة، ولشكل العلاقات مع تلك الدول، وتقوم بتدريب الدبلوماسيين، واختيار السفراء المراد تعيينهم، وتجمع المعلومات عن سفراء الدول غير الإسلامية قبل اعتمادهم عندنا، وتُقدّم الخطط المُقترحة للتعامل مع الدول المعادية والمعاهدة، وتجمع المعلومات الاستخبارية – بما تملك من إمكانات - عن تلك الدول، وتضعها بين يدي الخليفة ليستعين بها في اتخاذه للقرارات اللازمة.
* أمّا دائرة الصناعة فتقوم بإرساء أسس جديدة للتصنيع الحربي بحيث يعتمد على الصناعة المُتطوّرة تكنولوجياً، وعلى الصناعة الثقيلة، فتحشد لها كبار الخبراء والمُتخصّصين، ويتم تخصيص ميزانية كافية لها لتتمكّن من جعل دولة الخلافة تعتمد على نفسها في صناعة السلاح الفتّاك، وفي إعداد القوّة العسكرية الضاربة التي من شأنها أنْ تُرهب الأعداء، وتبُثّ الرعب في قلوبهم.
وهكذا تعمل أجهزة دولة الخلافة المُتعدّدة كخليّة نحل نشطة ومُتكاملة، لتحقيق أهدافها المرسومة، وأهمّها تطبيق أحكام الشرع الإسلامي في كل مناحي الحياة، ونشر الدعوة، ورد العدوان، وإبراز قوة دولة الخلافة، وتثبيت أواصر وحدتها، وإظهارهيبتها، والتفاف الجماهير حولها، وجعل عظمة الإسلام أساساً لعنفوانها وتساميها، وإعادة الفتوحات، وإحياء أمجادها.
 تقوم الدولة بكل أعمالها تلك بدعمٍ وإسنادٍ كاملين من التكتل الحزبي المبدئي الذي يُشكّل أعضاؤه بمجموعهم وسطاً سياسيّاً فاعلاً ومميّزاً ومُهيمناً على الخطاب السياسي في الدولة، فلا يبقى بجانبه أي وسط آخر، وخصوصاً في بداية قيام الدولة، فيكون بمثابة الرافعة السياسية الحقيقية للدولة، ويعمل كرديف حقيقي لها يُعينها في شق طريقها للتوسع والتجذّر، وللإرتقاء والتقدم.
أحمد الخطواني       5 / 9 /  2016 

السبت، 3 سبتمبر، 2016

الوسط السياسي الفعّال


الوسط السياسي الفعّال

الوسط السياسي في أي بلد هو بمثابة مركز الثقل الحقيقي فيه، فهو الذي يُثبّت النظام السياسي ويمنحه الإستقرار، أو يُخلخله ويسلبه الأمن والأمان، وبمعنى آخر فهو الذي يحفظ الدولة ويصونها، أو يُعرّضها للإنهيار والزوال. 
كيف لا وهو وسط الرجال الذين يتتبعون الأخبار السياسية والأعمال السياسية والأحداث السياسية، ويُعطون رأيهم فيها، فيرعون شؤون الناس، ويسوسونهم، وفقاً لآرائهم ووجهات نظرهم.
فكل ما يقع من أحداث، وما يستجدّ من قضايا، وما يجري من أعمال سياسية، يكون لهؤلاء الرجال دخلٌ فيها، سواء أكانوا سياسيين من الحكّام الذين يتولون تنفيذ الأحكام، أو كانوا سياسيين ليسوا من الحكام، ولكنّهم يؤثّرون في قرارات الحكّام.
ومن هنا كان الوسط السياسي من الأهميّة بمكان بحيث يرتقي إلى المستوى الذي يتحمّل فيه مسؤولية بناء الدول وهدْمها، ويعمل على إيجاد الإستقرار في أنظمة الحكم، أو يكون مصدراً لتخلخلها.
وقد ابتُلينا في بلداننا الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية بأوساط سياسية عميلة تابعة، ومُنتفعة مُتواطئة، وجبانة مُهادنة، جاءت مع استيلاء الدول الاستعمارية على مقاليد الأمور في بلداننا بعد زوال الخلافة العثمانية، فوجدت الأنظمة الحاكمة المأجورة، والأحزاب المعارضة الخانعة والذليلة، ووجدت نخبٌ وصولية مختلفة، كما وجدت وسائط إعلامية مُلوّثة، وأقلامٌ مسمومة، تتحرّك بالمال السياسي القذر، فتؤثّر في الرأي العام بما يتناسب مع الأفكار العلمانية التي بُنيت على قاعدة الفصل بين الدين والسياسة.
لقد نتج عن وجود مثل هذه الأوساط المضبوعة بالثقافة الغربية انحطاط فكري عام، أصاب المسلمين بشللٍ سياسي، وتردٍ فكري، أفقد الأمّة القدرة على العمل السياسي المنتج، وجعلها تتراجع في كل مجالات الحياة.
ومع مرور السنين، تجذّرت هذه الأوساط السياسية في حياة الناس، وتشكّلت في أحزاب فاسدة مضلّلة، وظنّ النّاس أنّها واقع لا يتغيّر، فنتج عن طول بقائها بين ظهراني الأمّة نوعٌ من التدجين للأجيال المتلاحقة من الوسط السياسي في البلاد الاسلامية، وبما يتساوق مع بقاء الأنظمة الحاكمة المأجورة في السلطة، وكأنّها قدرٌ لا يتغيّر، وكذلك تمّ ترويض الشخصيات المستقلّة المؤثّرة، والتي هي في الأصل جزءٌ من الأوساط السياسية في المجتمع، لجعلها تتعامل مع تلك الأنظمة البائسة، باعتبارها واقعاً سياسياً لا مجال لتغييره، أو الإنقلاب عليه.
وبهذا الأسلوب السياسي الإستعماري الخبيث، تمّ تسويق فكرة أنّ الحكومة والمعارضة يُكمّلان بعضهما البعض، وأضيف إليهما ما يُسمّى بمنظّمات المجتمع المدني، بوصفها جميعاً أجزاءً من النظام العام، أو باعتبارها مكوّنات وعناصر تُشكّل الإطار الكلي لهياكل الدولة ومنظوماتها المختلفة.
وانخرطت في هذه اللعبة السياسية كل الحركات الوطنية، وغالبية الحركات الإسلامية إلاّ من رحم ربي، وكانت النتيجة أنْ تأخّرت أعمال التغيير المجتمعي الحقيقي، وتعطّلت مناهج التغيير الجذري لعقود، ومن كان يملك الرؤية الشاملة للتغيير كحزب التحرير أصبح يُكافح ضد كل الإتّجاهات، ويُناضل في جميع المجالات، ويُواجه كل التيّارات السياسية التي قبلت بمناهج التغيير الجزئية، فكان حمله كبيراً، وطريقه محاطُ بالصخور من كل جانب.
وبسبب إجماع الحركات الوطنية، ومعظم الحركات الإسلامية على عدم التعرض لموضوع إسقاط الأنظمة، والإكتفاء بالأعمال السياسية الترقيعية، وبسبب اعتراف هذه النخب السياسية بالإلتزام بالدساتير، والحفاظ على الدولة القائمة، واقتصار عملها على التغيير الترقيعي، وعدم المساس بوجود الأنظمة من حيث هي، كانت النتيجة أنْ تغوّلت القيادات الحاكمة، بعد أنْ وجدت من يُرقّع عيوبها،  ويُطيل عمرها، ولا يعمل على إسقاطها، فتمادت في غيّها، وزاد بطشها وتنكيلها بالناس، واستشرى الفساد في جميع جوانبها.
وعندما اندلعت الثورات مُبشّرةً بظهور أوساط سياسية جديدة، تُطالب بهدم الأنظمة القائمة، وإحلال غيرها على أنقاضها، اهتزّت تلك الأوساط البالية بشدّة، لا سيما بعد سقوط بعض الرؤوس، فاختلّ أداؤها، وتزلزلت أركانها، فاستنجدت بأسيادها، فهرعت الدول الكافرة بقضّها وقضيضها لإنقاذ عملائها، وللحفاظ على نفوذها، فأشعلت حروباً أهلية، وأثارت القلاقل والنزعات الطائفية، وأعادت إنتاج الأنظمة المُتداعية بهياكل جديدة، وأوساط سياسية جديدة، وحاولت بها إطفاء نيران الثورات الملتهبة، وتسكين غضب الدهماء، بكل ما امتلكت من وسائل خبيثة، وأدوات مُتيسّرة، فاستعانت بالبعثات الأممية، وبالمبعوثين الدوليين، وعقدت المؤتمرات، وأدارت المفاوضات، وأصدرت القرارات، وربطت مستقبل البلدان الثائرة بالدول الكبرى، وكأنّها دولاً وصيةًّ على الأنظمة السياسية في البلاد الإسلامية.
وسعت الدول الإستعمارية بذلك إلى تحويل أعمال الثوار السياسية الداعية إلى التغيير الجذري إلى أعمال سياسية تدعو للتغيير الجزئي، وقبِلت بنشاط الأحزاب الإسلامية التي التزمت بالرابطة الوطنية، وتبنّت الفكر العلماني، ونبذت أحكام الشريعة كحزب النهضة، ودعمت دور النقابات، والاتحادات، والجمعيات، ومنظمات المجتمع المدني، لإفشال الثورة كما حصل في تونس، وسلّطت الطغم العسكرية على الثوّار كما حصل في مصر، وأشعلت حروباً طائفية وجهوية كما حصل في سورية واليمن وليبيا، مُحاوِلةً بذلك كله إجهاض الثورات، وحرفها عن أهدافها، باستخدام تلك الأوساط السياسية البائسة.
لقد كانت مُشاركة تلك الأوساط، وتأثيرها في العمل السياسي، وعلاقتها المشبوهة بعناصر ومُكوّنات الدولة العميلة سبباً رئيسياً في إرهاق المجتمعات، وسدّاً للطريق أمام الوسط السياسي الحقيقي الصاعد الذي يتبنّى طريقة التغيير الجذري.
أرادت الدول الإستعمارية الإستمرار في ضبط العمل السياسي في بلادنا الإسلاميّة بطرائق مُشابهة لما هو موجود عندها، فهي ترى أنّه إنْ كان لا بُدّ من وجود أحزاب ونُخب وأوساط مُعادية للنظام، فلتكن جزءاً من المُعارضة المنضبطة التي لا تعمل على إسقاط الأنظمة، وتكتفي بدور المعارضة الشكلي، ومرجعيتها في ذلك ما جرى بعد الثورة الفرنسية سنة 1789 حيث تشكّلت أول جمعية وطنية ( برلمان ) بعد الثورة، فجلس النبلاء ورجال الكنيسة على يمين منصة المجلس، وجلس المُنادون بتغيير النظام الملكي على اليسار، ووجد بعد ذلك مفهوم اليمين واليسار، وأصبح اليمين مع الزمن يُمثّل الأحزاب التي تحمل الفكر الرأسمالي المحافظ والليبرالي، وأصبح اليسار يُمثّل الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الرأسمالية، ومن يُنادي بتدخّل الدولة في الإقتصاد، ثمّ تمّ اختراع أحزاب الوسط التي قد تميل في فكرها قليلاً إلى اليمين فتُسمّى يمين الوسط، أو تميل في فكرها قليلاً إلى اليسار فتُسمّى يسار الوسط، وأحياناً تضيق الهوّة بين تلك الأحزاب فلا يُعرف يمينها من يسارها، ويُصبح الجميع خادماً للدولة ونظامها.
فهذا النوع من الأوساط السياسية هو الذي تُريده لنا الدول الغربية الإستعمارية، حتى لا تتعرّض الكيانات المصطنعة التي أوجدتها  في بلداننا إلى الخطر، ولكي تبقى دولنا تابعة للمستعمرين إلى ما لا نهاية.
 لذلك كان لا بُدّ من الإعتناء ببناء الوسط السياسي عندنا بشكلٍ لافت، فكان لا بُدّ من التركيز أولاً على أنْ تكون العقيدة الإسلامية بوصفها عقيدةً سياسية أساساً لهذا الوسط، لأنّ اعتماد أي أساس آخر كالمصالح الآنيّة، أو الروابط الوطنية والطائفية، يؤدي به حتماً إلى السقوط في أحضان الكفار المستعمرين، كما سقطت الأوساط المذكورة.
وبعد ذلك يتمّ تركيز بناء الوسط السياسي السليم، وتجهيزه ليتسلّم الحكم، وليُدير دفّة الدولة، فلا يقبل بالأخذ بفكرة المشاركة في السلطة، والقبول ببقاء النظام القائم، لذلك يجب أنْ يُصاغ صياغةً جديدة تختلف عن صياغة الأوساط السياسية التقليدية التي دمّرت البلاد وأفسدت العباد، وأهم ما في هذه الصياغة إدراكه أنّه وسط سياسي إحلالي، أي وسط سياسي عليه أنْ يحلّ محل الوسط السياسي السابق إحلالاً  كاملاً، فلا مجال بالنسبة إليه للتشارك مع النُخب العميلة، والمضبوعة بالثقافة الغربية، والمتواطئة مع الأنظمة المأجورة.
وبناء هذا الوسط السياسي الإحلالي يتطلّب من أعضائه جميعاً طرح الأفكار السياسية عن الإسلام على المجتمع بإستمرار، وبلا توقف، لأنّ أي توقف عن الطرح قد يُمكّن أتباع الأوساط السياسية التقليدية العتيقة من ملء الفراغ.
والإستمرار في ضخ الأفكار يُثمر في المجتمعات حتماً، وبسرعة، لذلك كان لا بُدّ من ملاحظة أهمّية طرح الأفكار على الناس باستمرار، وضخّها بقوة، لأنّه كلّما كان الطرح قوياً، ومستمراً،  كلما كانت النتائج إيجابية، وكلّما كان الحصاد كبيراً.
ويُراعى في بث الأفكار ربطها دوماً بالعقيدة الإسلامية، بوصفها القوة الدافعة والمُحفّزة للعمل، ولكونها المحرّكة للمشاعر، ويُراعى من ناحيةٍ ثانية أنْ تكون الأفكار سياسيّة، أي أنْ تكون فيها صفة تتبع الأخبار السياسية والأعمال السياسية والأحداث السياسية، وأنْ يُظهر رجال الوسط السياسي هذا رأيهم  المتميّز فيها بوضوح، فيُدْرك الناس أنّ هؤلاء الرجال يسْعون بصدق لرعاية شؤونهم بكل جدٍ واجتهاد، ويعملون بتفانٍ وإخلاص على خدمة الناس، ويقومون بتنزيل المعالجات الصائبة على الوقائع المتجدّدة من منظورٍ إسلامي عملي، ويربطون ذلك كلّه بوجوب إقامة دولة الخلافة الإسلاميّة، والتي بوجودها فقط تُترجم تلك المعالجات إلى واقعٍ عملي، تتجسّد فيه الحياة الإسلامية الحقيقية، وبذلك يتمّ لفت نظر الناس، وإشعارهم، بقدرتهم السياسية الفائقة على طرح الحلول الإسلامية لمشاكلهم، بطريقة عملية ناجحة.
وهذا العمل السياسي يستلزم تحسّس المصالح الحيوية لدى الناس، وتبنيها، وإظهار الآراء السديدة التي تُعالجها، وهو إنْ تمّ على هذا الوجه، فلا شك أنّه يكون عملاً كبيراً، لا يستطيع أنْ يقومَ به الوسط السياسي إلا بتوجيه وإشراف من الحزب المبدئي عليه بشكلٍ كامل، وهو ما يجعله سهلا وميسوراً، فإذا ما خاض الوسط الساسي هذا المعترك بهذه الكيفية فسينال ثقة المجتمع على الأرجح، وسيتمكّن مع التتابع والإستمرار من محاصرة الأوساط السياسية البالية، وتهميشها، والحلول مكانها، ومن ثمّ فستُقام الخلافة الإسلامية - عندما يشاء الله سبحانه وتعالى - بسلاسة وإحكام.

 أحمد الخطواني                21 / 8 / 2016 

ما هي أهم الأعمال الصالحة المطلوبة من المسلم أنْ يقوم بها في هذه الأيام؟



ما هي أهم الأعمال الصالحة المطلوبة من المسلم أنْ يقوم بها في هذه الأيام؟

 ثلاثون عملاً من الأعمال الصالحة أنصح نفسي وإيّاكم للعمل بها في هذه الأيام المُباركة قسّمتها إلى ثلاث مجموعات وهي:

أولاً: العبادات والناحية الروحية

1 – التهليل ( لا إله إلا الله ) والتكبير( الله أكبر ) والتحميد ( لله الحمد ).
2 – الذكر والتسبيح ( أذكار الصباح والمساء وأذكار أعقاب الصلوات).
3 – الدعاء للذات ولأناس مخصوصين ( كالوالدين والأصحاب ) ولعموم المسلمين.
4 – الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم.
5 – أداء جميع الصلوات في المساجد بقدر المستطاع، وأداء ما يتيسّر من الصلوات النوافل.
6 – صيام يوم عرفة وهو أفضل أيام الصوم على الإطلاق بعد رمضان، وصيام ما يتيسّر من الأيام العشرة
      الأخرى.
7 – تلاوة القرآن الكريم ( بقدر ما يتيسر ) وتدبر معانيه بمراجعة تفسير الآيات المقروؤة.
8 – التفكر والتدبر بمخلوقات الله ( الكون والانسان والحياة ) وعلاقتها بالله من جهة الخلق.
9 – إحسان التوكّل على الله سبحانه، والإعتماد عليه، وتمتين الصلة به في قضاء الحوائج .
10 – تصوّر يوم القيامة وتخيّل الوقوف في مشهد عظيم يوم الحساب.
  
ثانياً : المعاملات والأخلاق

1 – ربط الأعمال كلها بالحلال والحرام والتقيد في كل شيء بالاحكام الشرعية.
2 – صلة الأرحام والأقارب، والترفق بالجيران.
3 – التصدّق على الفقراء والمساكين.
4 – الإحسان إلى الضعفاء والوقوف مع المظلومين.
5 – إفشاء السلام والتصدق بالإبتسام.
6– غض البصر عمّا حرّم الله سبحانه.
7 – ترك الغيبة والنميمة والغمز واللمز والخوض في الباطل والمنكرات.
8 – التسامح والتنازل عن بعض الحقوق الشخصية لإبقاء علاقة الودّ مع الغرماء.
9 – جعل التواضع مع الجميع أساساً للتعامل مع جميع المستويات.
10 – تقوية الروابط المجتمعية من خلال تقديم ما يُستطاع من خدمات ومساعدات للأفراد الذين يحتاجونها  
        في الوسط الذي نعيش فيه.

ثالثاً : الحياة العامّة والسياسة

1 – جعل ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام مقياساً دائميّاً للحياة.
2 – عدم موالاة الكفّار نهائياً مهما كانت الضغوطات والمغريات.
3 – عدم مداهنة الحكام والحكومات القائمة في بلاد الإسلام في جميع الأحوال وتحت كل الظروف.
4 – إنكار جميع المنكرات التي تقترفها الدول القائمة في بلاد المسلمين بحق شعوبها بكل جرأة وصراحة
      على قاعدة ( لا نخشى في الله لومة لائم ).
5 – محاسبة الحكّام على جرائمهم وخياناتهم بحق الأمّة بمُختلف الأساليب الفكرية والجماهيرية.
6 – الدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة من قبل الحكام الطغاة وتحريضها على الثورة عليهم.
7 – رفض المخطّطات الاستعمارية المشبوهة التي يُنفّذها الحكام ضد شعوبهم بكل الوسائل المُتاحة.
8 – عدم الإعتراف بمشروعية الأنظمة القائمة ودعوة الجماهير للإطاحة بها بالطرق السلمية.
9 – نشر ثقافة الاعتصام بحبل الله وتوحيد المسلمين في كيان سياسي واحد.
10 – التأكيد على ضرورة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مختلف نواحي الحياة الإجتماعية
        والإقتصادية والتعليمية والسياسية.


الأحد، 8 نوفمبر، 2015

طريقة التفكير المنتجة تُعالج الواقع الفاسد بالتغيير لا بالترقيع


طريقة التفكير المنتجة تُعالج الواقع الفاسد بالتغيير لا بالترقيع
   
إنّ من أعظم ما ابتُليت به الأمة الإسلامية بعد سقوط الدولة الإسلامية، وتعطيل تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وتأثّرها بطريقة التفكير الرأسمالية، هو فقدانها لنهج التفكير العملي المنتِج في معالجة المشكلات التي تُواجهها، سواء أكانت تلك المشكلات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك، فلم توجد أي حلول عملية أو منتِجة لمشاكل البلدان المحتلة مثل فلسطين وكشمير والقوقاز وغيرها طوال عشرات السنين، ولم يُتوصل إلى أي حلول شافية للمشاكل الناجمة عن الأنظمة الجبرية، والأنظمة التابعة للاستعمار، كما استمر التخبط في كيفية مواجهة أو مداراة الحكام الطواغيت.
وبالنسبة للمشاكل الاقتصادية في بلداننا فلم تُعالج مشكلة تركيز الثروة وتوزيعها، أو مشكلة تقسيم الملكيات وتحديدها، ولم يُعثر على حلول لمشاكل البطالة والفقر والإسكان، ولم يُحدّ من انتشار الأمراض والمجاعات والأمّية وما شاكلها.
وبالنسبة للمشاكل الاجتماعية فلم تُحل المشاكل الناتجة عن علاقات المرأة بالرجل في الحياة العامة، وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة أدّت إلى تخلخل أسس المجتمعات في معظم بلادنا.
وكذلك بالنسبة لقضايا الهُوية الثقافية لمجتمعاتنا فإنّها لم تُحسم على مدى عقود، وظلت تتنازعها العصبيات الوطنية والعرقية والمذهبية والإثنية.
وبالجملة فإنه فلم يُتوصل إلى معرفة الطريق الصحيح الذي يُنهض مجتمعاتنا، ولا عُلمت طريقة انعتاق بلادنا من سطوة القوى الكبرى المستعمرة، وسيطرتها على جميع مقدّراتنا، ولم يُعثر بالكلية على أية آلية للحل الجذري لكل المشاكل المتجددة والمتعددة في بلداننا ومجتمعاتنا.
لقد دأبت النخب الحاكمة في بلادنا بتناول تلك المشاكل باعتبارها واقعاً مفروضاً يستحيل تغييره، وسلّمت بوجوده كقدرٍ مقدور، ومن ثمّ راحت تعمل على تسكين الأوجاع الملتهبة الناتجة عنه، باستخدام المهدّئات والمسكنات التي فاقمت من حدّة المشاكل المتولدة عنه، وزادت من مضاعفاتها.
على أنّ سبب تخبط هذه النخب في العثور على الحلول العملية للمشاكل المتراكمة مردّه بكل بساطة انعدام وجود الأفكار المتعلقة بحل المشاكل، وانعدام وجود عملية تفكير لديها تتعلق بوقائع حياتها.
وطريقة التفكير المنتجة لدى القيادات ولدى الأمّة على حدٍ سواء هي بسيطة وسهلة وعملية، والأصل فيها وجود الأفكار بين الناس، واستمرار بث الأفكار في المجتمعات عن واقع الحياة في كل جوانبها.
والمقصود بالأفكار هنا وجود عملية التفكير عند القيادات والنخب والناس في وقائع الحياة المختلفة، أي وجود المعلومات عن المشاكل الحقيقية عند الإحساس بها من أجل الحكم عليها، وإعطاء حلول لها، وبمعنى آخر استعمال الأفراد في جملتهم للأفكار، وربطهم لها بالوقائع، ثمّ تنزيلهم الأحكام عليها.
إنّ تكرار استعمال الأفكار، واستخلاص الأحكام منها، وتنزيلها على الوقائع، يؤدي إلى إيجاد طريقة التفكير المنتجة، كما يؤدي هذا التكرار إلى وجود الإبداع في استخدام الأفكار.
فالمسألة ابتداء تتعلق بوجود الأفكار الشاملة لكل مناحي الحياة بين الناس، واستمرار بثها في المجتمع، ثمّ ربط هذه الأفكار بالواقع بشكل دائمي، والإبداع في استعمالها في الحياة، وهذه الكيفية من التفكير لدى الأفراد هي التي تؤدي إلى وجود طريقة التفكير المنتجة في الأمّة.
فمثلاً التفكير في حل مشكلة فلسطين يقتضي معرفة مجموعة الأفكار التي تتصل بحلّها، ومن هذه الأفكار: وجوب قيام جيوش الأمّة بتحرير فلسطين، وليس توكيل الأفراد أو المجموعات المسلحة بهذه المهمّة، وحرمة تولي الكفار بشكل مطلق، وحرمة الاستعانة بهم، أو مشاورتهم، وحرمة قبول أي شكل من أشكال التدخل الذي تُباشره الدول الكافرة في شؤون المسلمين، ومعرفة حقيقة أنّ السماح للكفار بالمشاركة - ولو في الحدود الدنيا - في حل قضايانا يعني أنّنا انتحرنا سياسياً، وسقطنا من الموقف الدولي، وهذا يعني أنّنا فقدنا التأثير فيه، ومكّنّا الأعداء من رقابنا، وهو ما يؤدي بالتالي إلى الفشل المحتوم والخسران المبين.
فإذا كانت هذه الأفكار حاضرة في الأذهان، فإنّها تُربط بالواقع، ويؤدي ربطها بالضرورة إلى رفض منح أي دور للأجنبي في أي حل لجميع قضايانا، ومنها قضية فلسطين، وينتج عن ذلك بديهيات تتركز في أذهاننا كرفض تدخل أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والأمم المتحدة بالحل، كما يعني بالضرورة رفض الاعتراف بدولة يهود التي زرعتها بريطانيا في بلادنا، ورفض التفاوض والصلح معها، ورفض التوقيع على أية اتفاقيات معها كاتفاقية أوسلو وأخواتها، وهذا الرفض من شأنه أن يُنجي الأمة وشعوبها من الوقوع تحت رحمة الكافر المستعمر، ويجعلها لا تُفكر في حل المشكلة الفلسطينية على سبيل المثال إلا بطريقة الجهاد والقتال لتحرير كامل فلسطين، وعدم التفريط بشبر واحد منها.
ومجرد هذا النمط من الحلول يقطع الطريق على المستعمر والمحتل أن يستقر في بلاد المسلمين ولو لمدة قصيرة، لأنّه يُدرك وقتها أنّه سيطرد منها إن آجلاً أو عاجلاً.
وفقدان الأمّة للطريقة المنتجة في التفكير جعلها تُفكر بمنطق العضلات لا بمنطق المفاهيم، فالذي يملك كماً أكبر من وسائل القوة في منظورهم هو الذي يحكم ويتحكم ولو كان خاوياً فكرياً، ووجود هذا المنطق أدّى إلى تحكّم الجهلة والرويبضات في مقاليد السلطة.
وفقدان الأمّة لطريقة التفكير المنتجة أدّى إلى جعل الكثير من الحركات الثورية تُصر على أن تكون جزءا من الواقع القائم ولو كان واقعاً صنعته قوى الكفر، أو ساهمت بإيجاده القوى العميلة التابعة لها، لذلك نجدها في النهاية تُنفذ الأجندات الأمريكية من حيث تعلم أو من حيث لا تعلم، وبحسن نية أو بسوئها.
فمثلاً سمعنا في الأخبار أنّ روسيا وأمريكا والسعودية وتركيا في اجتماعهم الأخير بباريس الأسبوع الماضي اتفقوا على أن الدولة السورية المنشودة يجب أن تكون دولة علمانية ديمقراطية تعددية، وهذا يعني أنّها لن تكون إسلامية قطعاً بحسب ما يخططون له، ومع ذلك ما زلنا نرى الكثير من الفصائل تتعاون أو توالي السعودية وتركيا، والسبب في هذا السقوط كونها لم تستخدم الأفكار وطريقة التفكير المنتجة في التعامل مع هذا الواقع، ورضيت بالخضوع لتركيا والسعودية مع علمهما بكونهما دولتين تابعتين لأمريكا وترفضان تطبيق الشريعة.
ومثلاً ما زالت الكثير من الفصائل والتنظيمات الثورية في سوريا تتبنى العمل المسلح الفوضوي المفصول عن أي فكر سياسي واضح، زاعمةً أنّ إرادة التغيير إنّما تقتصر على السلاح فقط، لذلك نراها تتخبط في تغيير ولاءاتها، وتبديل مُتّجهاتها، ونجدها في النهاية تخضع لمن يُزودها بالسلاح ولو كان جهةً تابعة لأمريكا أو توابعها.

وهكذا نجد أنّ فقدان طريقة التفكير المنتجة لدى الأفراد والنخب والقيادات يؤدي حتماً إلى فشل القيادات والتنظيمات والدول في تحقيق أهدافها، كما يؤدي إلى ارتماء هذه القيادات والتنظيمات والدول في أحضان الدول المستعمِرة.

السبت، 20 سبتمبر، 2014

استراتيجيات الأعمال السياسية الخارجية في الدولة الإسلامية




استراتيجيات الأعمال السياسية الخارجية
في الدولة الإسلامية


إن مجرد وجود أعمال سياسية خارجية لدى أية دولة تعني بالضرورة أن هناك حضور لها في الموقف الدولي، لذلك كان لا بد من إيجاد علاقات مع الدول الخارجية  من أجل إقامة أعمال سياسية معها.
لكن الأعمال السياسية المقصودة هنا إنما هي الأعمال التي تؤثر في السياسة الدولية تأثيراً واضحاً، وتؤدي بالتالي إلى إشغال الدولة حيزاً ملموساً في الساحة الدولية، وهو ما يجعل لها مكانة ووزناً بين دول العالم.
على أنّ منطلق جميع تلك الأعمال السياسية الخارجية يقتضي أن يستند إلى زاوية خاصة يُنظر من خلالها إلى جميع الأحداث السياسية في العالم، ومن دون هذه الزاوية لا قيمة للأعمال السياسية التي تُباشرها الدولة، وهذه الزاوية غالباً ما تكون ثابتة لا تتبدل ولا تتغير في الدول المبدئية، وعليها تُبنى جميع الأعمال السياسية الدولية.
وبالنسبة للدولة الإسلامية فإن نشر الدعوة الإسلامية إلى العالم هي الزاوية الخاصة الثابتة والدائمة التي تُبنى عليها كل السياسات والخطط والاستراتيجيات.
ولو استعرضنا الأعمال السياسية الخارجية للدولة الإسلامية التي أقامها الرسول r للمسنا أهمية الزاوية الخاصة فيها، فإنه عليه الصلاة والسلام قد حدّد زاوية العمل بعد ترسيخه للدولة الإسلامية، وبعد تنظيمه للمجتمع الإسلامي في المدينة المنورة تنظيماً دقيقاً.
فكانت معاداة قريش باعتبارها الحاجز المنيع الذي وقف في وجه الدعوة الإسلامية هي الإستراتيجية الأولى التي تبناها عليه الصلاة والسلام وحصر جميع الأعمال السياسية والحربية فيها.
فبعد أن أمّن جبهته الداخلية بعقد المعاهدات مع اليهود وفرض السيادة الإسلامية الكاملة على جميع سكان المدينة وما حولها، شرع بإرسال العيون لترصد قريش، وبدأ يتعرض لتجارتها، واشتبك معها في معارك عديدة كانت غزوة بدر ذروتها.
فكانت إستراتيجية التفرغ لقريش ومحاربتها مبنية على الزاوية الخاصة التي اتخذها كأساس لجميع الأعمال السياسية، ألا وهي نشر الدعوة الإسلامية وإزاحة العقبة الرئيسية التي تحول دون هذا النشر بمختلف الأعمال السياسية والحربية.
ولكن بعد معركة أحد وخسارة المسلمين فيها تغيرت الأوضاع السياسية والأمنية في المدينة وما حولها، وطمع أعداء جدد في المس بمكانة الدولة الإسلامية، وتمردت بعض القوى المحلية، واندلعت اضطرابات جديدة باتت تقترب من مركز الدولة الاسلامية، ولمعالجة هذه المستجدات غيَّر الرسول r في خططه، وتبنى استراتيجية ثانية اتخذ منها زاوية للعمل تتناسب مع الظروف الجديدة التي وجدت، ويمكن تلخيصها في القضاء على الاضطرابات الداخلية وتحصين الجبهة الداخلية، فقام عليه السلام بعدة أعمال سياسية وحربية وكان أهمها:
أ)  الإغارة على بني أسد الذين خططوا لغزو المدينة، وإلحاق الهزيمة بهم، وإنهاء خطرهم تماماً.
ب)  تدبير خطة ناجحة لاغتيال خالد بن سفيان الهذلي الذي كان يجمع الناس لقتال المسلمين.
جـ)  إجلاء يهود بني النضير عن المدينة بعد أن أخلّوا بالمعاهدة مع الرسول r.
وبهذه الأعمال أعاد الرسول r الهيبة للدولة الإسلامية.
وبعد نجاح هذه الإستراتيجية الثانية تعرض وجود الدولة الإسلامية نفسه للخطر بسبب تحالف قريش وغطفان وتواطؤ يهود بني قريظة مع هذا التحالف الخطر في وقعة الخندق فاتخذ الرسول r إستراتيجية ثالثة مبنية على تفكيك هذا التحالف ولو بتقديم التنازلات، واستخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف، فعرض على غطفان ثلث ثمار المدينة، وحفر الخندق، وحمل الصحابة على الصمود في أصعب الظروف، وعلّمهم الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله وحده، وكانت نتيجة هذه الإستراتيجية أن نجا المسلمون من هذا الكرب العظيم الذي لم يصابوا بمثله من قبل قط، وما أن زال ذلك الكرب الشديد حتى أمر الجيش بالهجوم على يهود بني قريظة فقال: "من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" وما هي إلا أيام قليلة حتى تحولت بنو قريظة إلى أثر بعد عين.
ثم لما بلغه عليه السلام أخبار عن تواطؤ حصل بين قريش ويهود خيبر على غزو المسلمين وضع إستراتيجية رابعة رسم فيها خطة موادعة مع قريش وذلك ليحقق هدفين محددين وهما:
1)  عزل قوة يهود خيبر عن قريش وتفكيك التحالف بينهما.
2)  أن يخلي بينه عليه السلام وبين سائر قبائل العرب في الجزيرة لتسهيل نشره الدعوة الإسلامية.
وأثمرت هذه الاستراتيجية عن صلح الحديبية الذي كان فتحاً مبيناً للمسلمين، وتحققت الأهداف المطلوبة من هذه الاستراتيجية، وانتهت في النهاية ليس في القضاء على خيبر وحسب وإنما في القضاء على قريش نفسها.
لم يتوقف الرسول r عن رسم الخطط ووضع الإستراتيجيات المبنية جميعاً على زاوية خاصة وهي نشر الدعوة الإسلامية، بل إنّه وضع هذه المرة استراتيجية خاصة تتعلق بالدول العظمى آنذاك وهي فارس والروم، فأرسل الرسل إليها، وبدأ بالاحتكاك معها، وإيجاد علاقات أسّست لإيجاد أعمال سياسية وحربية خاضها معها، وكانت معركة مؤتة تتويجاً لها، ثم تبعتها غزوة تبوك التي كانت فاتحةً لما تلتها من فتوحات إسلامية كبرى قام بها المسلمون بعد التحاقه r بالرفيق الأعلى.
وهكذا فإن الأعمال السياسية التي تقوم بها الدولة الإسلامية يجب أن تستند دوماً إلى زاوية خاصة وهي نشر الدعوة الإسلامية، ويجب أن تكون هذه الزاوية شاملة للنظرة إلى العالم في كل حوادثه، كما يجب أن تُبنى كل الإستراتيجيات والخطط على أساس هذه الزاوية.
ومن خلال استراتيجيات العمل السياسي التي استخدمها الرسول r في الدولة الإسلامية الاولى نجد أن أبرز ملامحها تركزت على القواعد التالية:
1-  تحديد العدو الرئيسي للدولة الذي يجب حصر الأعمال السياسية تجاهه.
2-  الحرص على عدم فتح جبهات مع أعداء كثر في نفس الوقت، والعمل على تفكيك التحالفات التي تنشأ بين القوى المعادية للإسلام بقدر الإمكان والتفرد بها عدواً عدواً.
3-  حفظ هيبة الدولة باستمرار ولو أدّى أحياناً إلى الانكفاء وتحصين الجبهة الداخلية إذا تعرضت للخطر.
4-  العمل على إنشاء علاقات دولية جديدة وعلى إبقاء حضور دولي فاعل للدولة في المسرح الدولي.
5-  الإعداد الدائم والجاهزية العالية للقتال مع المواظبة على بناء قوة ردع ذاتية ضاربة باستمرار.
6-  تطوير الاستراتيجيات بشكل دائمي وفقاً للمتغيرات السياسية والأمنية.
هذه هي أبرز إستراتيجيات العمل السياسي لدى الدولة الإسلامية في أي زمان ومكان مستقاة من سيرة رسول الله r في بنائه للدولة الإسلامية الأولى.



الأحد، 27 أبريل، 2014

مآلات الثورات العربية




مآلات الثورات العربية



قد يُصاب الكثيرون بالصدمة والإحباط جرّاء ما آلت إليه أحوال الثورات العربية، وما بلغته من نتائج قد تبدو للبعض هزيلة من جانب، وكارثية مدمرة من جانب آخر.
ففي مصر كبرى الدول العربية عاد العسكر إلى الحكم، وأحكموا قبضتهم على السلطة، بل وسخّروا لخدمتهم طائفة كبيرة من الناس ما كانوا ليحلموا يوماً بأنّ ينالوا تأييدها من قبل، لأنها كانت قبل الثورة ساخطة على الجيش، وعلى تمسكه بالسلطة.
فاكتسب العسكر شعبية لم يكونوا يتوقعوها قبل الثورة، وذلك  على الرغم من عودتهم إلى سياسات الدولة البوليسية، وتكميم الأفواه، وتقديس الحاكم الفرد، كما أصبح يُلاحظ في وسائل الإعلام المصرية الموجهة حملات اعلامية مصطنعة وموجهة تؤيد السيسي، وقد انتظمت هذه الاعلاميات المأجورة في جوقة واحدة لتعزف سيمفونية جديدة تعظم فيها من شخصية السيسي، وتخلع عليه أسمى الألقاب والصفات ، بل وترشحه بلا منازع للرئاسة المقبلة.
وفي ليبيا تسلم عملاء بريطانيا وأوروبا السلطة، وهاهم يحاولون جاهدين تمكين سياساتها الاستعمارية من خلال تحكمهم في كل قطاعات الدولة، ابتداءً من الأمن بتسليح وتدريب بريطانيا وايطاليا لآلاف الجنود، وانتهاءً بالنفط من خلال سيطرة الشركات النفطية البريطانية والمتحالفة معها لحقول النفط الجديدة في ليبيا.
 لذلك لم يكن غريباً أن تحاول الحكومات الليبية المتعاقبة القضاء على المسلحين من الثوار القدامى، واصفة إياهم بالميليشيات المسلحة الخارجة على القانون.
وهذا ما جعل ليبيا تتحول بعد الثورة إلى ما يشبه الكانتونات التي تتقاتل فيما بينها للاستحواذ على كعكة السلطة المغرية الا انها متمنعة على الجميع.
وفي اليمن تجتهد الدول الكبرى بل وتتنافس في المشاركة بترتيب أمور الدولة بما يخدم مصالحها، ويتفاوض عملاء تلك الدول على تمزيق وحدة الأراضي اليمنية من خلال طرح مشروع تقسيم جديد يسمونه فيدرالياً كما يريد الأمريكان، أو ما يشبه الكونفدرالية كما يريد البريطانيون والأوروبيون.
وفي تونس يتهالك زعماء حركة النهضة المحسوبة على الإسلاميين للاحتفاظ بحكم مهترئ ومهزوز، فيقدمون التنازلات تلو التنازلات على أمل عدم تهاوي حكمهم المتداعي.
وفي سوريا يستمر مسلسل الذبح اليومي ويشارك في حلقاته جميع القوى الدولية الكبرى ومعظم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا همَّ لدى كل تلك القوى الخارجية سوى إبعاد الجماعات الإسلامية عن الحكم، وإقصائها عن السلطة.
هذا هو باختصار شديد ما يطفو على السطح من نتائج مريرة للثورات، وهذا هو حصادها المر ومحصولها الفاسد، وهو الامر الذي جعل الكثير ممن راهنوا على مستقبل أفضل لهذه الدول بعد الثورات يُصابون بانتكاسة شديدة جراء ما لمسوه من فشل الثورات فشلاً ذريعاً في الوصول إلى أهدافها، وعجزها حتى عن استعادة تلك الكرامة المفقودة التي ثاروا أول ما ثاروا من أجلها، فداستها بساطير العسكر مرة أخرى كما كانت تدوسها من قبل مرات ومرات.
إنّ هذه المعطيات السلبية التي تمخضت عنها تلك الثورات لا شك أنها تبدو مخيبة جداً للآمال، وإنّ هذه النتائج التي آلت اليها أنظمة الحكم بعد الثورات لا يبدو أنّها تُبشر بخير، ولكن لو دقّقنا في نتائجها على المدى الأبعد ربما وجدنا فيها خيراً كثيراً.
تُرى فما هو هذا الخير الذي تبقى في هذه الثورات بعد كل هذا الشر؟؟!
لعل أول هذا الخير يتمثل في أن الأمة قد دبَّ فيها حراك حقيقي أعادها إلى الحياة بعد أن كادت تتحول إلى جثة هامدة لا نبض فيها منذ ضياع دولة الخلافة منها قبل ما يُقارب التسعين عاماً.
لقد أحيا هذا الحراك في الأمة من جديد تطلعات التغيير الشامل، مع أن هذه التطلعات كادت أن تندثر طيلة فترة سيطرة الأفكار الغربية الطويلة على عقليات غالبية الناس ونفسياتهم.
فمهما أصيبت الأمة بآثار مرضية فكرية خطيرة، فما زال فيها قابلية الاستشفاء، وقد أثبتت هذه الثورات أن تلك الآثار المرضية هي مجرد آثار عرضية سرعان ما تزول وتتلاشى.
ففي مصر لن يهنأ السيسي وأسياده بحكم عسكري مستقر كما كان الوضع أيام عبد الناصر والسادات ومبارك، لأن الشعب في مصر بعد الثورة قد اعتاد على المطالبة بالتغيير، وأصبح بالنسبة له عرف سياسي ثابت يمارسه يومياً، ولن يسكت عن ظلم بعد الآن، ولن ينام على ضيم أبداً.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن انقلاب العسكر قد أفاد الأمة من وجوه كثيرة أهمها: أنه قد أثبت أنّ أي تغيير من دون الاستناد الى الإسلام فإنّ مصيره الفشل، وأن الثورة ان لم يُسندها الجيش تبقى عُرضة للتبخر، وانها إن لم تكن إسلامية فلن يكتب لها النجاح أبداً.
وفوق ذلك قد أبقى هذا الانقلاب على جذوة الصراع بين الاسلاميين والعلمانيين متقدة، ومنع من وقوع صدام كان متوقعاً بين الإسلاميين أنفسهم.
ومن فوائد هذا الانقلاب أيضاً أنّه كشف عن الوجه الحقيقي لعملاء أمريكا في الجيش كما كشف وجوه جيوش من السياسيين والإعلاميين المرتزقة والذين ظهروا على حقيقتهم، فظهر أمام الملأ قبح وجههم، وفساد منطقهم، وعداءهم السافر للإسلام، خاصة وان الناس قد أدركوا حقيقة معنى سرقة المنتفعين والعملاء لثورات الشعوب بالتعاون مع أعداء الأمة.
وبناء على هذه المعطيات يمكن القول انه لا يُتوقع أن ينجح الانقلاب في مصر، ولن يتمكن من إعادة الاستقرار فيها كما كان في السابق، فالغليان فيها ما زالت بذوره مغروسة في تربة ثورية خصبة.
وأما في تونس وليبيا واليمن فما زالت الروح الثورية لدى الشعوب في هذه البلدان تعصف بأنظمة الحكم المصطنعة فيها، وما زالت تُحقن يومياً بدماء جديدة تدفعها باتجاه التغيير الجذري الجاد، وهو ما يجعل هذه الشعوب تتحين الفرص من جديد للاشتعال والانفجار ضد القيادات العميلة المفروضة عليها.
وأما في سوريا فبالرغم من كبر حجم المأساة واتساع رقعة الدمار وسقوط عشرات الآلاف من القتلى وتشريد الملايين، إلا أن نافذة الأمل ما زالت تتسع يوماً بعد يوم، وسقوط الطاغية في الشام بات مسألة وقت، ولولا الدعم المادي والسياسي الهائل الذي يتلقاه النظام من كل حدب وصوب لأصبح أثراً بعد عين.
ومن الأمارات الدالة على سير الثورة في سوريا في الاتجاه الصحيح استمرار تعثر الخطط الأمريكية في سوريا تعثراً بيّناً، ففشل المبعوثين الدوليين ابتداءً من الدابي ومروراً بكوفي عنان وانتهاءً بالأخضر الإبراهيمي، لهو أكبر دليل على فشل أمريكا ومجتمعها الدولي في فرض حلولها السياسية على الثوار.
ثم ان فشل الائتلاف الوطني والمجلس الوطني والمجلس العسكري بالرغم من تغيير الوجوه فيهما أكثر من مرة لهو دليل أيضاً على فشل رجال أمريكا في ركوب موجة الثورة، ولعل تشكيل عدة ائتلافات اسلامية تضم بداخلها عشرات الجماعات الاسلامية المسلحة، ورفضها للائتلاف الوطني، وعدم اعترافها به، يعتبر بحق نقطة تحول تاريخية في مسار الثورة نحو أسلمتها، واعتبار الإسلام والدولة الاسلامية هو الخيار الوحيد فيها والذي لا يحتمل اية المشاركة.
فالثورة في سوريا قد خطت بذلك خطوة جبارة نحو إقامة الدولة الإسلامية، وهو في الحقيقة يُعتبر البديل الحقيقي الجاد عن فكرة الدولة المدنية الديمقراطية.
إن تعاظم قدرة الثوار في سوريا وثباتهم على الطرح الإسلامي بوصفه الطرح الوحيد الذي بات يجمعهم، يدل عليه أيضاً صدهم لقوات بشار المدعومة من روسيا وإيران وحزب الله بشكل مباشر، والمؤيدة من قبل أمريكا والغرب بشكل غير مباشر.
فصمود الثورة أمام جميع هذه القوى، بل وتقدمها احيانا وانتصارها عليها، ليدل دلالة أكيدة على وجود ثقل إسلامي حقيقي في سوريا يُرعب الغرب والشرق معاً.
 وإن مجرد انشقاق أكثر من نصف أفراد الجيش السوري عن النظام لهو انقلاب حقيقي ضد حكم بشار وضد نظامه، لم يحصل له نظير من قبل.
فمن كان قبل اندلاع الثورة في سوريا يتصور انقسام الجيش السوري على هذا النحو، وانشقاق آلاف الجنود والضباط عنه، وتكوين مجموعات عسكرية مسلحة باتت تشكل في مجموعها وعتادها القوة الأولى في البلاد، ولولا وجود ذلك الدعم الدولي والخارجي الضخم لنظام بشار لسقط منذ زمن بعيد؟!.
من كان يتصور قبل الثورة أن الله سبحانه وتعالى سيُيسّر للمسلمين أهل قوة ونصرة من المنشقين عن الجيش النظامي؟!
لا شك إن الثورة في سوريا اليوم تمر في مخاض عنيف، والأرجح أنّه لن ينتهي هذا المخاض إلا بولادة دولة الإسلام في بلاد الشام، وانّه وبالرغم من وجود بعض الخلافات حول تلك الدولة بين الفصائل المسلحة إلا أنها تبقى ضمن هامش الخلافات الطبيعية التي لا تنذر بخطر الزوال، فهذه الخلافات لن تؤدي إلى إجهاض الثورة، ولا إلى هزيمة الثوار، ولا الى تغيير توجهانهم الاسلامية، ولن يستطيع عملاء أمريكا والغرب من امتطائها أو احتوائها بعد الآن.
 وقد وجد بفضل هذه الثورة قادة عقائديون مبدئيون انصقلت خبراتهم   العسكرية  وامتزجت بالفكر الإسلامي الصحيح، وبات يصعب على أعظم قوى الأرض أن تسلبهم قوتهم المتميزة تلك، خاصة وأن حاضنتهم الشعبية قد شُحنت بأفكار الإسلام والقتال والجهاد، وبالتالي فلا أمل لأمريكا بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء في سوريا، ولا أمل لعملائها بالعودة إلى السلطة نهائياً فيها.
فبقدر حجم التضحيات بقدر ما تتمخض هذه الثورة عن إنجازات عظيمة، وبقدر تكالب قوى الكفر والشر ضدها بقدر ما تُفرز هذه الثورة من مفاجئات لا يتوقعها أعداء الأمة.
  نعم قد تستطيع أمريكا وحلفاؤها وعملاؤها قتل الناس، وتهجيرهم، وتدمير البلاد، ونشر الرعب والخراب في كل مكان من سوريا، لكنها لن تستطيع أبداً منع قيام دولة الإسلام، ولن تستطيع أمريكا بفضل هذه الثورة المستمرة في سوريا بعد اليوم أن تفرض نظامها الديمقراطي الرأسمالي المهترئ على أي من تلك الشعوب الثائرة.