الأحد، 28 أبريل، 2013




تأثير ما يُسمى بالقوة الناعمة في العلاقات الدولية

المقصود بالقوة الناعمة قوة الجذب والإبهار النابعة من المبدأ والثقافة والحضارة، وبمعنى آخر فهي القوة الفكرية المستمدة من القيم العليا للمجتمع، أو من  قوة النموذج الذي يفرض طراز معيشته على الآخرين.
لقد ظهر مصطلح القوة الناعمة أو القوة اللينة أول ما ظهر في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وأول من طرحه المفكر السياسي الأمريكي جوزيف ناي الذي كان رئيساً لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ومساعداً لوزير الدفاع في إدارة كلينتون، ثم أصبح فيما بعد عميداً ومحاضراً كبيراً في جامعة هارفارد الجامعة الأهم في العالم والتي تُعتبر الجامعة رقم واحد في أحدث تصنيف دولي للجامعات في العالم.
اعتبر جوزيف ناي أن القوة الناعمة هي القوة التي تقابل كلا القوتين العسكرية والاقتصادية والتي أطلق عليهما القوة القاسية. وقال ناي أن الولايات المتحدة الأمريكية إن أرادت أن تبقى قوية فعليها أن تتنبه لقوتها الناعمة، حيث أن بإمكانها الوصول إلى أهدافها في السياسة الدولية من خلال جعل الدول الأخرى تسعى للحاق بها، واتباعها إعجاباً بقيمها، أو تقليداً لنموذجها، أو تطلعاً للوصول إلى مستوى ازدهارها، ورفاهها، وانفتاحها. لذلك كان من الأهمية بمكان من وجهة نظر ناي أن تضع الولايات المتحدة برنامجاً في السياسة الدولية يجذب الآخرين إليها، ولا يجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوة العسكرية أو الاقتصادية. ولخص ناي هذا النوع من القوة بالعبارة التالية: "جعل الآخرين أن يريدون ما تريده أنت، وهو ما أسميه أنا بالقوة الناعمة وبهذه الطريقة تكسب الناس بدلاً من إجبارهم".
إن هذا الكلام يعني أن الأولويات في اعتبار القوة - أية قوة يميل دائماً نحو الارتباط بمصادر القوة المعنوية كالثقافة الجذابة والأيديولوجية والمؤسسات، وهذه الأمور لا تعتمد على الإجبار وإنما تعتمد على الإتباع.
ويوضح ناي تأثير تلك القوة الناعمة بقوله: "إن القوة الناعمة ليست تماماً كالتأثير مع أنها مصدر من مصادره المتعددة، فهي لا تعني الإقناع والبرهنة بالجدل بل هي أكثر من ذلك إنها الإغراء والجذب التي تؤدي بالآخرين إلى الرضوخ والتقليد"، ثم يفلسفها بقوله: "إنها شبيهة بالحب فهو صعب القياس والتحمل".
وهو لا ينكر دور القوى (القاسية أو الخشنة) لكنه يعتبر أن القوتين الخشنة والناعمة ترتبطان ببعضهما البعض وتدعمان بعضهما، فكلاهما مظهر من مظاهر القدرة على إنجاز الأهداف عبر التأثير في طريقة تصرف الآخرين، سواء عن طريق الإجبار أو عن طريق الجذب والإغراء.
ويختزل ناي ملخّصاً نظريته عن القوة الناعمة بالكلمات البسيطة التالية: "جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت وبأقوى وأصوب وأنجح مما تتصور وتتوقع".
هذه هي نظرية القوة الناعمة في السياسة الدولية كما تصورها صاحبها جوزيف ناي. أما تطبيقات هذه النظرية فبدأت تظهر في تسعينيات القرن الماضي من خلال تركيز المخططين الاستراتيجيين في الحزب الديمقراطي على ترويج أفكار حقوق الإنسان والحريات وقوة الاقتصاد المفتوح وتكنولوجيا المعلومات من منظور أمريكي، مشفوعة بالمظاهر السطحية لطراز العيش الأمريكي كنموذج يُقتدى به ويُراد تعميمه في سائر دول العالم، ومن أشكال هذا النموذج أمور سطحية كوجبات الطعام السريعة من مثل الماكدونالد والبرغر كينج والكولا، ومن الملابس الأمريكية بصرعاتها الكثيرة من مثل الجينز، وكالإنتاج السينمائي الهوليودي بإيقاعاته السريعة، وكالموسيقى الصاخبة بألوانها المتعددة وما شابهها.
لكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وتولي الجمهوريين الحكم في عهد بوش الابن تراجعت القوة الناعمة، وتراجع الحديث عنها كثيراً، ووقع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وبلغت العنجهية الأمريكية مداها مع إشاعة أفكار وسياسات المحافظين الجدد التي تميل إلى فرض الثقافة الأمريكية على العالم فرضاً حيث تبنوا فكرة تغيير مفاهيم الشعوب باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية، ووضعوا آلية الحرب الاستباقية كإحدى أهم وسائل نشر الليبرالية الرأسمالية الأمريكية في العالم بقوة السلاح باعتبارها أرقى نموذج بلغه البشر وفقاً لنظرية نهاية التاريخ التي أرساها فرانسيس فوكوياما.
وبعد تطبيق المحافظين الجدد لتلك النظرية طيلة فترة حكم بوش الابن لمدة ثمان سنوات، تبين للعالم أن أمريكا دولة عدوانية أثارت الحروب والتوترات في العلاقات الدولية، وأن نموذجها الليبرالي الجديد غير مقبول لدى غالبية الدول الأخرى، وأنها بسبب رأسماليتها المتوحشة أوقعت العالم في أزمة اقتصادية خانقة نتج عنها تحويل أكثر من نصف سكان العالم إلى أناس فقراء، خمسهم من الجياع.
لذلك رأى الديمقراطيون أنه لا مفر لديهم من التنصل من أفكار المحافظين الجدد والعودة إلى أطروحات عهد كلينتون الواقعية، فاغتنموا الفرصة وعادوا للحديث عن القوة الناعمة في السياسة الخارجية. فانتعشت نظرية القوة الناعمة من جديد، وأصبح صاحبها مرة ثانية محط أنظار الصحافة والإعلام، فضلاً عن المحافل الأكاديمية والمجالس السياسية.
ومن بواكير التطبيقات الجديدة لهذه النظرية لدى إدارة أوباما الحالية اختلاف لهجة خطابات أوباما وأحاديثه عن التغيير، وتوجهه نحو العالم الإسلامي بشكل خاص متودداً له ظاهرياً، وداعياً للتصالح والتعاون معه، ومعيداً النظر في لغة وخطابات وتصرفات إدارة بوش العدائية السابقة.
لقد ظهر على إدارة أوباما أنها تسعى جاهدة للتخلص من تركة بوش الثقيلة على أمريكا، وسعت بشكل واضح لإزالة آثار حقبة بوش التي ما زالت مضارها عالقة في وعي الشعوب، حيث أن أفكار إدارة بوش عن غرور القوة والتفرد واعتبار أمريكا فوق الجميع ما زالت حاضرة في أذهان الناس.
ولعل أهم عقبة كأداء خلّفتها إدارة بوش لإدارة أوباما في هذا الصدد ذلك الانهيار المالي الكبير الذي أثّر على سعر صرف الدولار، وما تمخض عنه من انعكاسات سلبية على اقتصاد وعملات العالم.
ولقد أدّى بروز القوى الاقتصادية الناشئة وبالذات مجموعة دول بريك والمؤلفة من روسيا والصين والهند والبرازيل وتأثيرها النوعي في الاقتصاد العالمي، ومساهمتها في تعزيز الاقتصاد العالمي، كل ذلك أدّى إلى اعتبار أحاديث إدارة أوباما عن القوة الناعمة مجرد ثرثرة سياسية لا وجود لها في الواقع. لأنه لم يعد لدى أمريكا شيئاً من قوة الإبهار أو التأثير في الآخرين، فالناس قد كشفوا زيف النموذج الأمريكي الذي بطل سحره بعد حروب أمريكا وانهيار بنوكها.
وكل ما يتذكره العالم ويلمسه عن أمريكا هو قوتها العسكرية الغاشمة، وحتى قوتها الاقتصادية فلم تعد تمثل قوة جذب واقتداء لدى الدول الضعيفة والتابعة، فمظاهرات الطبقة المتعلمة في كوريا الجنوبية والفلبين على سبيل المثال تُظهر مدى كراهية هذه الدول والتي هي بمثابة المستعمرات الأمريكية - للنموذج الأمريكي الحضاري، ومعلوم أن الدولة التي تعاني من انحدار في اقتصادها تفقد قدرتها بالتدريج على صياغة منظومتها من المفاهيم والنماذج الجاذبة للآخرين.
إن المبدأ الرأسمالي بعد ما ظهر فساده للعيان، وما ينبثق عنه من مفاهيم حضارية مرفوضة، لا يمكن أن تتشكل عنه قوة ناعمة ذاتية تنتج من المبدأ نفسه، بدليل أن الدول الرأسمالية الأخرى غير أمريكا لا توجد لديها أي مظهر من مظاهر القوة الناعمة.
يبقى القول إن وجود شيء من عناصر القوة الناعمة لدى أمريكا ليس مرده إلى المبدأ الرأسمالي نفسه الذي تتبناه أمريكا، وإنما مرده إلى قوة أمريكا العسكرية الطاغية المتغلبة، ومعلوم أن طبيعة الشعوب المغلوبة تميل دائماً إلى تقليد الشعوب المتغلبة، فالمسألة في تقبل النموذج الأمريكي عند بعض الشعوب مسألة تقليد أكثر منها مسألة قوة ناعمة أو خشنة. فالقوة العسكرية والقوة الاقتصادية لأمريكا هي التي فرضت حضورها على الشعوب المغلوبة، وهي التي أوجدت لديها بالتالي تبعية معينة اعتبروها زوراً وبهتانا قوة ناعمة.
إن قوة الجذب الحقيقية للمفاهيم وللمظاهر الحضارية أو ما باتوا يسمونها بالقوة الناعمة يجب أن تنبع من قوة المبدأ نفسه ومن قوة أدلته وقناعاته، بغض النظر عن قوة الدولة المادية التي تحمله.
صحيح إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وصحيح أن قوة الدولة تؤثر على الشعوب أكثر من قوة الفكرة نفسها أحياناً، إلا أن هذه القوة لا بد لها إن أريد لها البقاء والاستمرار أن تستند إلى قوة الفكرة لكي تزداد تركيزاً ورسوخاً.
إن قوة الجذب والإبهار المتعلقة بالأفكار والعقائد والحضارات، أو ما باتوا يطلقون عليها اصطلاح القوة الناعمة تجسد عند المسلمين بشكل عام أكثر من أي أمة أخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإسلام أهل إندونيسيا وما جاورها على أيدي التجار المسلمين لهو التجسيد الحقيقي لمثل هذه القوة. وما اعتناق مئات الأوروبيين والأمريكيين الإسلام شهرياً إلاّ مثال حقيقي على أن الإسلام كعقيدة وكمعالجات هو الذي يُصلح الإنسان، وهو الذي يتوافق مع حاجاته الغريزية والعضوية، وهو بذلك يجب أن يكون الأجدر من غيره في اعتباره يشكل أساساً ثابتاً لما يُثيرونه من كلام عن القوة الناعمة، لأنه هو الدين الصحيح الحق، وما سواه من أديان ومعتقدات ما هي سوى أوهام وأباطيل.
ولكن هذه القوة غير ملاحظة اليوم لدى غير المسلمين بسبب كون جميع الدول القائمة في العالم الإسلامي هذه الأيام تفتقد لأهم عنصر من عناصر هذه القوة الناعمة ألا وهو عنصر العالمية، فكيف يُتصور أن تملك دولاً كمصر والسعودية والباكستان أو إندونيسيا أي مظهر من مظاهر القوة الناعمة بينما هي تُركز في وسائل إعلامها على القطرية والوطنية والعرقية؟ إن من يزعم أنه يمتلك القوة الناعمة يجب أن يحمل فكراً وحضارة وطراز معيشة إلى شعوب العالم الأخرى، وهذا يقتضي أن تكون دعواه دعوة عالمية. أما أن تدعو هذه الدول إلى هويات ضيقة تحرسها بالأسيجة والحدود فان مثل هذه الدعوات لن تفلح يوماً في امتلاك مثل هذه القوة.
إن وجود دولة إسلامية حقيقية تكون وظيفتها الرئيسية حمل الدعوة إلى العالم يعني منذ البداية إضافة قوة المبدأ والحضارة إلى قوة الدولة العسكرية وسلطانها المادي، وإذا أولت الدولة لطريقة نشرها للمبدأ أهمية قصوى، وإذا أحسنت تطبيق أحكام الإسلام، فإنها ولا شك ستبدع في إيجاد الأساليب التي تؤدي إلى جعل قوة المبدأ الناعمة قوة جذب وإبهار حقيقية تُؤثر في البشرية جمعاء، وتنقل العالم من حالة الضياع والضلال والتخلف الذي يعيش فيها إلى أفضل حالة يمكن أن يحياها البشر في ظل نظام الإسلام الرباني العادل الذي يضيء ظلام البشرية الدامس بنوره وضيائه وهداه.



 
4




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق