الأربعاء، 15 مايو، 2013

تخبط المعالجات الرأسمالية للأزمة الاقتصادية العالمية




تخبط المعالجات الرأسمالية للأزمة الاقتصادية العالمية

إن إخراج العالم من أزمته الاقتصادية لا شك أنه يواجه عقبات ومصاعب عديدة يصعب على الدول الكبرى تخطيها بسهولة، فالرأسمالية التي أطاحت بتريليونات الدولارات في لحظات لا يمكن أن تعيد تلك الأموال لأصحابها بحال من الأحوال لأنها في الأصل لم تكن أموالاً حقيقية، وإنما كانت أرقاماً في حسابات دفترية وليست أصولاً أو جهوداً موجودة في الواقع.
يقول الخبير حسن حامد حسان لوِكالة ((CNN)): "إن العالم تورط في تعاملات قيمتها ستمائة تريليون دولار في حين أن الاقتصاد الحقيقي للعالم لا يتجاوز الستين تريليون دولار" وهذا الكلام يعني أن تسعة أعشار الأموال التي كان يتم تداولها لم تكن موجودة، ولما انكشفت الأرصدة المالية في البنوك انفجرت الأزمة المالية وتبددت تلك الأموال في الفضاء وعاد العالم إلى ما لديه من أموال حقيقية أي عاد إلى التعامل بعشر المال الذي كان يظن أنه يحوز عليه.
لم تجد أمريكا والدول الرأسمالية الكبرى الأخرى من علاج لأزمتها المالية العالمية سوى ما أسموه بخطة التحفيز، أي ضخ الأموال في البنوك والمؤسسات المالية ليحولوا دون وقوع الانهيار الكامل في الحياة الاقتصادية، فضخت أمريكا (787) مليار دولار منها (159) مليار حافظت بواسطتها على (640) ألف وظيفة، وقال جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي: "إن كل دولار أنفق من حزمة الحوافز ساعد في إعادة شخص ما إلى العمل".
ومع كل هذا الضخ للأموال فإن أرقام العجز في الموازنة والميزان التجاري في أمريكا في اضطراد، فقد بلغ العجز في الميزانية لهذا العام 176.36 مليار بزيادة قدرها 20 مليار عن العام السابق ويُعزى هذا العجز إلى سببين هما:
1)  انخفاض العائدات الضريبية.
2)  انخفاض الإيرادات المتعلقة بالحفز والإنفاق الحكومي.
وأما العجز في الميزان التجاري فقد بلغ 18.2% بواقع 36.5 مليار دولار شهرياً، بينما كان في آب الفائت 30.8 مليار، وأما العجز في الميزان التجاري الأمريكي مع الصين وحدها فقد بلغ 22.1 مليار بنسبة 9.2%.
وأما الحكومة البريطانية فقد ضخت 53.5 مليار جنيه إسترليني لرويال بنك أوف سكوتلاند ولمجموعة لويدر للتأمين لتبقي على مؤسساتها المالية خوفاً من الانهيار الشامل باعتبار أن هذه المؤسسات الربوية هي أهم ثروات بريطانيا.
وضخت الدول الكبرى الأخرى عشرات المليارات من الدولارات لمنع بروز قوى إقتصادية جديدة تعتزل هذا النظام الرأسمالي العالمي وتنكفئ على نفسها متبنية السياسات الحمائية وذلك خوفاً من تكرار أزمة 1929م وما تمخض عنها من ظهور ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان واندلاع الحرب العالمية.
وما زال البنك العالمي الذي تسيطر عليه أمريكا والدول الرأسمالية الغربية يحذر من مغبة الوقوع في السياسات الحمائية بسبب تفشي البطالة وعدم توزيع الأموال توزيعاً عادلاً.
إن خطط التحفيز التي استخدمتها الدول الرأسمالية الكبرى كعلاج ودواء للاستشفاء من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ما يزال العالم يتخبط في دياجيرها لم تنجح في إعادة العالم إلى ما كان عليه من ازدهار اقتصادي ولن تنجح في ذلك أبداً. والسبب بسيط جداً وهو أن العالم الرأسمالي كان يعيش في حالة اقتصادية وهمية، فبسبب التسهيلات الائتمانية كانت المصارف تقدم القروض للأفراد الذين كانوا يعيشون في مستوى معيشي أعلى من المستوى الذي توفره لهم دخولهم، فمثلاً كان الشخص الذي يدخل عليه ألف دولار يعيش بمستوى الشخص الذي يدخل عليه ألفي دولار معتمداً على الاقتراض السهل والسداد السهل أو عدم السداد نهائياً.
وبعد أن تضخمت الأموال المعدومة وعجز الكثيرون عن السداد وخاصة بعد بروز فقاعة المساكن انفجرت الأزمة المالية في وجه العالم الرأسمالي وتبددت الأموال في لمحة عابرة.
ثم جاءت خطط التحفيز ووضعت القيود الصارمة على الائتمان، وعاد الناس إلى مستواهم المعيشي الحقيقي فلا ينفقون إلا بقدر ما يملكون، ولا يوجد من يقرضهم بدون ضمانات مشددة لضمان السداد، وهو ما أدّى إلى حالة من التباطؤ الاقتصادي مع أنها الحالة الحقيقية لما عليه المجتمع من قدرات اقتصادية واقعية؛ ولأن الحالة السابقة كانت حالة مزيفة لاقتصاد مضخم، والعودة إليها يعني العودة إلى الاقتصاد الوهمي المبني على ما يطلقون عليه اقتصاد الفقاعة التي قد تنفجر في أية لحظة.
فخطط التحفيز ما هي في الواقع سوى معالجات تسكينية لأوجاع المشكلة وليست حلولاً شافية لها. يقول نورييل روبيني أستاذ الاقتصاد في جامعة نيويورك في مقاله نشرته صحيفة الفايننشال تايمز في منتصف شهر نوفمبر (تشرين ثاني) عام 2009م: "إن الاحتياطي الاتحادي الأمريكي والبنوك المركزية الأخرى في العالم تسهم في خلق فقاعة ضخمة تنذر بنتائج كارثية في المستقبل"، ويرى روبيني بأن: "المحافظة على سعر الفائدة عند نحو الصفر في المائة يدفع المستثمرين والمضاربين إلى شراء الدولار بسعر فائدة منخفضة يستثمرونه في شراء الأسهم والسندات والذهب والنفط والمعادن والعملات الأجنبية مما يؤدي إلى زيادة أسعارها وتحقيق أرباحاً طائلة"، ويضيف بأن "هذا الوضع لا يمكن أن يستمر هكذا فالاحتياطي الاتحادي سيجد نفسه مضطراً في النهاية إلى رفع سعر الفائدة وهو ما سيدفع بالمستثمرين إلى التنافس لجني الأرباح عن طريق البيع السريع وهو ما يؤدي إلى انهيار وهبوط أسعار السلع ويتبع ذلك فقدان الثقة وهبوط في الاقتصاد"، وينهي روبيني كلامه بالقول: "إن الاحتياطي الاتحادي وصانعي السياسة لا يعرفون بخطورة الفقاعة التي يخلقونها".
غير أن صحيفة الواشنطن بوست تقول في زاويتها الاقتصادية رداً على تحذيرات وتوقعات روبيني بأن: "نصف ما يقوله حقيقي فأسعار الأصول بدأت بالارتفاع وزاد سعر النفط إلى 80 دولار للبرميل وارتفع سعر الذهب إلى 1090 دولار للأونصة (والآن بلغ 1200 دولار للأونصة) وانخفض سعر الدولار مقابل العملات الرئيسة".
وتضيف الصحيفة بأن كلام روبيني عن ارتفاع الأسعار مدفوع بالقروض الرخيصة غير صحيح "لأن المستهلكين والشركات قاموا بعمليات جمع لاحتياطيات نقدية وخفض للإنفاق وبيع للأسهم في بداية العام الحالي مع ضعف الاقتصاد، ومنذ ذلك الحين تحسنت المؤشرات الاقتصادية والأسواق وعوَّضت الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في الأشهر السابقة، وأسعار اليوم لا تزال أقل من أسعار الذروة التي وصلتها في السابق، فالنفط لم يصل إلى 150 دولار كما كان في السابق وهبوط الدولار أدّى إلى زيادة القروض وزيادة المضاربة والبنوك في الولايات المتحدة وأوروبا تخفض الائتمان، وأن تخفيض سعر الفائدة تجبر الناس على إنفاق الأموال أو استثمارها".
وتنهي الواشنطن بوست تحليلها بالقول: "تعلمنا أن هناك خيطاً رفيعاً بين تعزيز توسع الاقتصاد وخلق مناخ الفقاعة ولأخذ العبرة من الماضي فإن سياسات الاحتياطي الاتحادي المرنة في السابق قد أدَّت إلى خلق فقاعة التكنولوجيا في نهاية تسعينات القرن الماضي وخلق فقاعة المساكن أخيراً".
وإن ما يزيد من قلق الاقتصاديين الأمريكيين مشكلة هروب رؤوس الأموال إلى أسواق الدول الآسيوية واللاتينية وقيام البنوك المركزية في تلك الدول بالإبقاء على سعر فائدة مرتفع لتعزيز عمليات الائتمان وهو ما أدّى إلى ازدهار أسواق الأسهم فيها إلى مستويات لم تعرفها من قبل وهو الأمر الذي ينذر بحدوث أزمة جديدة. فرفع سعر الفائدة الربوية عادة ما يشجع على استقدام رؤوس الأموال الأجنبية، بينما لو ظلت أسعار الفائدة منخفضة فإن ذلك على الاقتراض بالعملة المحلية.
إن آراء المحللين الأمريكيين ظاهر فيها الحيرة والخوف من تكرار الانهيارات المالية ويخشون كثيراً من  خلال كتاباتهم من ظاهرة حدوث الفقاعات لذلك فنحن نرى التشدد في الإجراءات التي تتخذها الحكومة الأمريكية في مسائل الائتمان وسعر الفائدة.
فالمحاولات الأمريكية والأوروبية في إيجاد معالجات تمنع استشراء الأزمة المالية فيها لم تفلح في التخلص من شبح البطالة الذي أطلَّ برأسه مشكلاً أزمة جديدة لا تقل في خطورتها واستمرارها عن الأزمة المالية العالمية، فارتفاع معدلات البطالة، والفشل الواضح في تخفيضها خاصة في العام الأخير أظهر حقيقة أن هذه الأزمة هي الهاجس الذي يقلق السياسيين والاقتصاديين في الغرب، فالبطالة سجلت أرقاماً مخيفة في الدول الغربية مؤخراً حيث بلغت في أمريكا أكثر من 10% وفي بريطانيا 7.8% وفي الدول الأوروبية تراوح ما بين 6.5% وَ 8.5% وهو ما حدا بالمدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي من القول بأن: "ارتفاع معدل البطالة هو أكبر خطر يُهدِّد التجارة الحرة في العالم وقد يتسبب في إطلاق المزيد من السياسات الحمائية في العالم".
إن معالجة الأزمة المالية بخطط التحفيز قد خلقت دولاراً ضعيفاً أوجد مشكلة مزمنة في العالم وأدّى إلى عدم وجود أي استقرار نقدي، خاصة إذا عُلم أن الوضع المالي الائتماني للبنوك الأمريكية متأزم لدرجة أنه يصعب معه الوثوق بالاقتصاد الأمريكي نفسه، حيث ما زالت البنوك الأمريكية تتهاوى، وقد بلغ عدد البنوك المنهارة منذ بداية هذا العام ما يزيد على المائة وعشرين بنكاً. وإذا أضفنا على ذلك مشكلة زيادة المديونية الحكومية للولايات المتحدة الأمريكية بسبب حروبها في العراق وأفغانستان، والخشية من تعاظم تلك المديونية، فإننا نستطيع بعد ذلك أن نفسر بسهولة أسباب ارتفاع سعر الذهب والنفط والمعادن الأخرى.
فتدهور واضطراب سعر صرف الدولار، وارتفاع معدل التضخم في أمريكا، وقيام صندوق النقد الدولي بيع الذهب إلى الهند والصين، ولجوء المصارف المركزية في العالم إلى الذهب، كل ذلك يفسر هذا الارتفاع الحاد لهذا المعدن النفيس الذي لو لم يُستبعد من الغطاء النقدي لما حصل للعالم أي مشكلة مالية.
إن حالة العلاج بالتحفيز لدى الدول الغربية الكبرى أظهر قوى اقتصادية كبرى جديدة إلى السطح وهي ما أطلق عليها دول البريك الأربعة [البرازيل، والصين، وروسيا، والهند] والتي تميز اقتصادها عن سواها بشكل واضح منذ أن أطلقت عليها هذا الاسم الشركة المالية الاستثمارية الأمريكية Gold mansachs في العام 2003م.
فاقتصادها ينمو بوتيرة ثابتة وبطريقة ديناميكية أفضل من غيرها، لذلك ليس غريباً أن قامت الدول الغربية بإغرائها للدخول في منظومة دول العشرين، ووعدتها بزيادة حصصها التصويتية في صندوق النقد الدولي وفي البنك العالمي. ويبدو أن هناك مداولات سرية كما تقول صحيفة الإندبندنت البريطانية تجري بين الصين واليابان وروسيا وفرنسا من جهة وبين دول الخليج بتشجيع بريطاني من جهة ثانية للتحول خلال عشر سنوات إلى تسعير النفط مقابل سلة من العملات بدلاً من تسعيره بالدولار الأمريكي.
وقد أفصحت الصين صراحة عن رغبتها في استخدام عملتها اليوان في التسعير، وصرَّح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دي سيلفا في مقابلة أجرتها معه صحيفة (Financial times) بأنه: "يتوجب على دول مجموعة ألـ (Bric) التخلي عن الدولار واستخدام العملات الوطنية في الحسابات التجارية فيما بينها"، وأضاف: "إن الدول الأعضاء في ألـ (Bric) تشكل تحالفاً قوياً وتتمتع بمستقبل زاهر ولذا يجدر بها التركيز على الجوانب الإيجابية في التعاون فيما بينها لتحقيق النجاح المرتجى".
وبخلاف الدول الغربية التي تعاني من ركود فإن دول البريك تحقق نسب نمو مرتفعة وكأنها لم تتأثر أبداً بالأزمة المالية العالمية، فقد وصلت نسبة النمو في الصين على سبيل المثال في الربع الثالث من عام 2009م إلى 8.4% بعد أن كانت في بداية العام 6.1% وأنفقت الحكومة الصينية 586 مليار دولار على مشاريع في البنى التحتية، وتعهد رئيس وزرائها وين جياو باو بتقديم 10 مليار دولار قروض لأفريقيا لتقوية العلاقات التجارية الأفريقية الصينية على حساب العلاقات الأوروبية الأفريقية، ودعمت الصين روسيا بعشرة مليار دولار في مشاريع مشتركة. وكان حجم الصادرات الصينية قد وصل العام الماضي إلى أكثر من 400 مليار دولار بينما لم تتعدى الصادرات الأمريكية حاجز أل 70 مليار ومع ذلك فالاقتصاد الصيني يحتاج بشدة إلى الاقتصاد الأمريكي، يقول سيدني ريتنبرغ أحد المحللين المختصين بالشؤون الصينية: "العلاقة بين البلدين ترتكز على أن الأمريكيين يشترون المنتجات الصينية، والصين تستخدم المداخيل لتمويل المديونية العامة في أمريكا ودون هذا التمويل ستكون الحال صعبة جداً على الاقتصاد الأمريكي".
وتتسابق كل من روسيا والهند والبرازيل مع الصين على الاستثمار في أفريقيا إلى جانب أمريكا والدول الأوروبية. فالصين قد تصدرت قائمة المصدرين إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام الجاري إذ ارتفعت قيمة صادراتها إلى 59 مليار دولار مقابل تراجع حصة الولايات المتحدة إلى 53.8 مليار دولار في المركز الثاني. وقد خصّصت الشركات الصينية في هذه الأيام مبلغ 16 مليار دولار للبحث عن النفط والغاز في دول الخليج وشمال أفريقيا، وهذا كله يؤشر على وجود قوى اقتصادية حقيقية جديدة في العالم وعلى رأسها الصين تُنافس القوى الغربية التي ما زالت تتخبط في معالجاتها التحفيزية منافسة محمومة.
وفي خضم هذا التحاطم الاقتصادي بين تلك القوى الاقتصادية الضخمة تغيب دول العالم الإسلامي عن الساحة الاقتصادية تماماً كما هي غائبة عن الساحة السياسية، ولا يُنظر إليها من قبل هذه الدول المتطاحنة إلا بوصفها أماكن صراع تحوي في جوفها الكثير من النفط والغاز والثروات.

الأحد، 12 مايو، 2013

ابو ايوب الانصاري



أبو أيوب الأنصاري

هو أبو أيوب، خالد بن زيد، بن كليب، بن ثعلبة،بن عبد عمرو، بن عوف، بن غنم، بن مالك، بن النجار،بن ثعلبة، بن الخزرج الأنصاري، أحد السابقين الأولين في الإسلام من الأنصار، ورجل فاضل من أفاضل المدينة المنورة قبل الإسلام وبعده، وقال ابن إسحاق: شهد أبو أيوب بيعة العقبة الثانية، وذكره عروة بن الزبير بن العوام والجماعة رضي الله عنهم في البدريين، وعن ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي أيوب، ومصعب بن عمير رضي الله عنهما، وخصّه النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول ضيفاً عليه في بني النجار إلى أن بُنِيَتْ للنبي حُجرة أم المؤمنين سودة بنت زمعة , وبني المسجد النبوي الشريف.
وفي سيرة ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان أميرا على البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه , ووفد عليه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه, فبالغ في إكرامه, وقال له : لأجزينك على إنزالك النبي صلى الله عليه وسلم عندك, كم عليك؟ قال: عشرون ألفا فأعطاه أربعين ألفا, وعشرين مملوكا, ومتاع البيت. 


راوية الحديث النبوي الشريف
حدَّث عن أبي أيوب الأنصاري: جابر بن سمرة, والبراء بن عازب. والمقدام بن معد يكرب, وعبد الله بن يزيد الخطمي, وجبير بن نفير, وسعيد بن المسيب, وموسى بن طلحة, وعروة بن الزبير بن العوام, وعطاء بن يزيد الليثي, وأفلح مولاه, وأبو رهم السماعي, وأبو سلمة بن عبد الرحمن; وعبد الرحمن ابن أبي ليلى, وقرثع الضبي. ومحمد بن كعب, والقاسم أبو عبد الرحمن; وآخرون.
ورد في مسند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مائة وخمسة وخمسون حديثا نبوياً شريفاً; وقد روى البخاري ومسلم : سبعة أحاديث بإسنادهما إلى أبي أيوب، وانفرد صحح البخاري بحديث واحد, وانفرد صحيح مسلم بخمسة أحاديث، وهذا غير ما اتفقا عليه في الأحاديث السبعة.

زواج الرسول صلى الله عليه و سلم
لما تزوج الرسول صلى الله عليه و سلم 
بصفية، بخيبر أو 
ببعض الطريق، فبات بها الرسول 
في قبة له، بات أبو أيوب
الأنصاري متوشحاً 
سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه و
سلم ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله 
صلى الله عليه و 
سلم،
 فلما رأى مكانه قال: (مالك يا أبا أيوب؟) قال: (يا رسول
الله، خفت عليك من هذه المرأة، 
وكانت امرأة قد قتلت أباها 
وزوجها
 وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك) فقال
رسـول الله صلى الله عليه و سلم: (
اللهم احفظ أبا أيوب كما 
بات يحفظني)

جهاد أبي أيوب الأنصاري
روى ابن علية, عن أيوب, عن محمد, قال: شهد أبو أيوب بدراً, ثم لم يتخلَّف عن غزاة إلاّ عاماً, واستُعمِل على الجيش شابٌّ, فقعد, ثم جعل يتلهف, ويقول: "ما عليَّ مَن استُعمِلَ علَيَّ" وبعد ذلك لم يتخلف عن غزوة في سبيل الله، وجاهد في عهد الخلفاء الراشدين، وجاء عهد الأمويين، وأبو أيوب على عهده مع الله لا يغيّر ولا يبدّل، ولا يترك الجهاد في سبيل الله، رغم تقدمه في السن، حيث بلغ من العمر مئة وخمسة وثلاثين عاماً. قال ابن يونس: قدِم أبو أيوب الأنصاري مصر في البحر سنة ست وأربعين/ 666م. وقال أبو زرعة النصري: قدم دمشق زمن معاوية بن أبي سفيان. وقال الخطيب: شهد حرب الخوارج مع علي بن أبي طالب.


الغزوة الأخيرة
كانت أول محاولة لفتح القسطنطينية سنة 34هـ / 654 م. في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث أرسل جيشا بقيادة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما فحلصرها ولم يتمكن من فتحها بسبب الأسوار المنيعة التي كانت حول القسطنطينية، ولَمّا تجاسر الروم على ثغور المسلمين الشمالية أرسل الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما جيشاً برياًّ وبحرياًّ من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لغزوِ الرومِ بقيادة يزيد بن معاوية، فعبر المسلمون الفرسان والمشاة خليج البوسفور غرباً، وخليج القرن الذهبي جنوباً، وحاصروا القسطنطينية من الغرب، وخرج إليهم الروم وتصافّ المسلمون صفّين عريضين لم يُرَ مثلهما، والروم ملصقون ظهورهم بسور القسطنطينية، فحمل عليهم فارس من المسلمين، فقال الناس: إنه يلقي بيده إلى تهلكة.

فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: "أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، وإنما أنزلت فينا معشر الأنصار.. إنّا لما نصر الله نبيَّه وأظهر الإسلام، قلنا بيننا معشر الأنصار خفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها. فأنزل الله الخبر من السماء فقال: "وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" سورة البقرة، الآية: 195. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: "أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد".؟


مرض الوفاة
مرض أبو أيوب الأنصاري مرضاً شديداً أثناء حصار القسطنطينية، فوضعه المسلمون في محفّة بناء على طلبه، وكانوا ينقلون تلك المحفة إلى الأماكن التي تميل فيها كفة القوة لصالح الروم، فترجح كفة القوة الإسلامية جراء الحماس الذي كان يثيره في النفوس وجود أبي أيوب الذي كان يأمل الشهادة، ولو كان محمولاً بالمحفة، ولما دنا أجله أتاه يعوده قائد الجيش يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم, فقال له يزيد: قل لي حاجتك يا أبا أيوب؟
قال أبو أيوب: "نعم, إذا أنا مِتُّ, إذا شئتَ فارْكَبْ ثم سُغْ في الأَرض ما وجدْتَ مَساغاً، أَي: ادخل فيها ما وجدْت مدخلاً، فإذا لم تجد مساغا, فادفني, ثم ارجع، فإنكم سوف تعودون إليَّ، ولن تنسَوا قَبْرَ صاحب نبيكم حتى تُحرِّروا الأرض التي ثوى فيها".
" وكان يردّد قول الله عزّ وجلَّ: "انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" سورة التوبة، الآية: 41. وكان يقول: "لا أجدني إلاّ خفيفاً أو ثقيلا".


وفاة أبي أيوب
انتقل أبو أيوب الأنصاري إلى رحمة الله ونفّذ المسلمون وصيته، فحملوه حتى جاؤوا به إلى الشمال الغربي من أسوار اسطنبول "القسطنطينية" وصلى عليه يزيد والناس صلاة الجنازة, ثم دفنوه على مقربة من الضفة الجنوبية لخليج القرن الذهبي.
وحينذاك أخذ الروم يسخرون من المسلمين من فوق الأسوار ويقولون: لننبشنَّ قبره، ولنلقينّ بجثته للكلاب.
فأرسل إليهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: والله لو مسستم صاحبنا بسوء، أو نبشتم قبره، لننبشنّ قبور الروم في الشام كلها, والله لئن نبش, لا ضُرِبَ بناقوس في بلاد العرب.
فخاف الروم على قبورهم في الشام، ونادوا من فوق الأسوار: يا معشر المسلمين إنا وحق المسيح لا نعرض لقبر صاحبكم بسوء ولا ندع أحداً يمسه.
ولخوف الروم من أن يقوم بعض الناس بنبش قبر أبي أيوب على غير علم منهم، فقد أقاموا حُراساً يحرسون قبر أبي أيوب خشية أن ينبشه الغوغاء، وينفذ المسلمون توعدهم بنبش قبور الروم في الشام، فكانوا إذا قحطوا, كشفوا عن قبره, فأمطروا.
قال الواقدي : توفي أبو أيوب الأنصاري عام غزا يزيد في خلافة أبيه معاوية بن أبي سفيان القسطنطينية، فلقد بلغني: أن الروم يتعاهدون قبره, ويرممونه, ويستسقون به.
وروي أنه لما حضر أبا أيوب الموت; دعا الصحابة والناس, فقال: إذا قبضت, فلتركب الخيل , ثم سيروا حتى تلقوا العدو , فيردوكم , فاحفروا لي, وادفنوني , ثم سووه! فلتطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يعرف, فإذا رجعتم, فأخبروا الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني: (أنه لا يدخل النار أحد يقول : لا إله إلا الله). 
تعددت الروايات في تحديد سنة وفاة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقيل: سنة خمسين للهجرة/ 670م، وقيل: سنة اثنتين وخمسين للهجرة/ 672م، وقيل: سنة خمس وخمسين للهجرة/675م.


تحرير قبر أبي أيوب
مرت القرون والقسطنطينية منيعة، وصمدت مدة طويلة بعدما فتح العثمانيون أدرنة سنة 763 هـ/ 1361م، واتخذوها عاصمة لهم، وتوسعوا في فتوحات البلقان شمال نهر الطونة (الدانوب)، وبعد انتصار السلطان مراد الأول واستشهاده في نهاية معركة كوسوفو سنة 791 هـ/ 1389م. حاول العثمانيون فتح القسطنطينية في عهد السلطان أبا يزيد الأول، وفي زمن السلطان مراد الثاني، ولكن الفتح تحقق سنة 857هـ/ 1453م بقيادة السلطان محمد الثاني (الفاتح) ابن مراد الثاني بن محمد شلبي بن أبا يزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان بن عثمان الأول (المتوفى سنة 726 هـ/ 1326م). 
منذ طفولة السلطان محمد الفاتح، وهو يسمع من شيوخه الحديث النبوي الشريف "‏‏لَتُفْتَحَنَّ ‏‏ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ ‏ ‏فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ"، وكثيراً ما كان يردده، ويتذكر ‏مَسْلَمَة بْن عَبْدِ الْمَلِكِ بن مروان ‏ ‏الذي غَزَا ‏‏ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وبنى في شمالها جامع العرب الذ مازال قائماً إلى الشمال من خليج إسطنبول.
وقبل الهجوم الأخير اكتشف السلطان وشيخه أق شمس الدين قبر أبي أيوب الأنصاري، فتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودُعاءَه لأبي أيوب: وقوله لأبي أيوب: "حَرَسَكَ اللهُ حَياًّ وَمَيِّتاً" و منذ ذلك الوقت أمر السلطان بتنظيم الحراسة على القبر، وما زالت مستمرة منذ الفتح حتى الآن، وكانت مراسم السلطنة العثمانية تقتضي أن يستلم السلطان الجديد سيف عثمان الأول حسب المراسم في جامع أبي أيوب الأنصاري، ويشرب من بئر الشفاء المجاورة للضريح. ومع الأيام نشأت حول الضريح محلة كبرى تُعرف عند الأتراك باسم: "أيوب سلطان"، ومن عادات الأتراك زيارة الأطفال لجامع أبي أيوب بعد الختان، وكذلك تزوره العرائس والعرس في أسبوع الزواج، ولا تخلو ساحة الجامع من الناس ليلاً ونهاراً. 


دعاء رسول الله لأبي أيوب
نقض اليهود عهودهم مع المسلمين، فأجلاهم رسول الله عن المدينة، وأوقع ببني قريظة بعد غدرهم بالمسلمين "يوم الأحزاب" فغزا بالمسلمين حصون اليهود في خيبر، وحصن القَمُوْص، فانتصر المسلمون، وبعد النصر تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكان الزواج في قبة نُصبت له، وفي تلك الليلة خرج النبي لحاجته، فإذا به يسمع قعقعة السلاح فقال: من هناك؟
فأجابه صوت: أنا أبو أيوب يا رسول الله.
قال: وماذا تفعل هنا؟
قال: يا رسول الله، إنك قد أنكيت في القوم، وقد دخلت اليوم بابنة زعيمهم، فخشيت عليك غدرهم، فبتّ أحرسك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حَرَسَكَ اللهُ حَياًّ وَمَيِّتاً."
واستجاب الله لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فكان أبو أيوب يخوض المعارك مجاهداً في سبيل الله، ويحميه الله، وتحرسه عنايته، فلا يصاب بأذى.


مزاح أبي أيوب
روى مروان بن معاوية, عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم, عن أبيه, قال: "انضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري في البحر, وكان معنا رجل مزاح, فكان يقول لصاحب طعامنا: جزاك الله خيرا وبرا, فيغضب. فقلنا لأبي أيوب: هنا من إذا قلنا له: جزاك الله خيرا يغضب. فقال: اقلبوه له. فكنا نتحدث: إنَّ مَن لم يصلحه الخير أصلحه الشر. 
فقال له المزاح: جزاك الله شرًّا وعرًّا, فضحك, وقال: ما تدع مزاحك".
نشرت هذه المادة في العدد : 15252 من جريدة الحياة – الصفحة : 15 الواحة التراثية يوم السبت / 1/ 1/ 2005
وفي بعض الطريق أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية في قبة نُصبت له وفي تلك الليلة التي دخل بها النبي عليها، خرج من الليل لحاجته، فإذا به يسمع قعقعة السلاح فقال:
- من هناك؟
فأجابه صوت: أنا أبو أيوب يا رسول الله.
قال: وماذا تفعل هنا؟
قال: يا رسول الله، إنك قد أنكيت في القوم، وقد دخلت اليوم بابنة زعيمهم، فخشيت عليك غدرهم، فبتّ أحرسك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حرسك الله حياً وميتاً؟.."
واستجاب الله لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فكان أبو أيوب يخوض المعارك مجاهداً في سبيل الله، ويحميه الله، وتحرسه عنايته، فلا يصاب بأذى.


وانتقل النبي إلى الرفيق الأعلى، ثم مضى عهد الخلفاء الراشدين، وجاء عهد الأمويين، وأبو أيوب على عهده مع الله لا يغيّر ولا يبدّل، ولا يترك الجهاد في سبيل الله، رغم تقدمه في السن، حيث بلغ من العمر مئة وخمسة وثلاثين عاماً.
وغزا المسلمون الروم بقيادة يزيد بن معاوية، حتى بلغوا القسطنطينية وحاصروها، فخرج إليهم الروم وتصافّ المسلمون صفّين عريضين لم يُرَ مثلهما، والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، فحمل فارس من المسلمين على الأعداء، فقال الناس: إنه يلقي بيده إلى تهلكة..
فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه:
- أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، وإنما أنزلت فينا معشر الأنصار.. إنا لما نصر الله نبيَّه وأظهر الإسلام، قلنا بيننا معشر الأنصار خفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها.
فأنزل الله الخبر من السماء:
)وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة( الآية.
فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد..؟
ومرض أبو أيوب مرضاً شديداً، فأتاه قائد الجيش يزيد يعوده فقال:
- ما حاجتك يا أبا أيوب؟
قال: حاجتي إذا أنا مت فاركب بي ما وجدت مساغاً في أرض العدو فادفني، فإنكم سوف تعودون إلي، ولن تنسوا قبر صاحب نبيكم حتى تحرروا الأرض التي ثوى فيها.
وانتقل أبو أيوب إلى رحمة الله ونفّذ المسلمون وصيته، فحملوه حتى جاؤوا أسوار القسطنطينية فدفنوه قربها.. ولكن الروم أخذوا يسخرون منهم وقالوا:
- والله لننبشنَّ قبره، ولنلقينّ بجثته للكلاب.
فقال لهم قائد الجيش:
- والله لو مسستم صاحبنا بسوء، أو نبشتم قبره، لننبشنّ قبور الروم في الشام كلها,
وللروم في الشام مالا يحصى من القبور. فخاف الروم على قبورهم في الشام، ونادوا من فوق الأسوار:
- يا معشر المسلمين إنا وحق المسيح لا نعرض لقبر صاحبكم بسوء ولا ندع أحداً يمسه..
ولخوف الروم من أن يقوم بعض الناس بنبش قبر أبي أيوب على غير علم منهم، فقد أقاموا حراساً يحرسون قبر أبي أيوب في الليل والنهار، ولم يأذن الله بفتح القسطنطينية في ذلك الحين.


ومرت الأعوام.. حتى جاء الخليفة العثماني السلطان محمد الفاتح –رضي الله عنه- الذي قاد معارك الجهاد الإسلامي ودوخ أوروبا ودحر جيوش الرومان في كل مجال وفي كل معركة.
وحشد السلطان المجاهد القوات الإسلامية واندفع بهم إلى القسطنطينية عاصمة الروم الدينية والدنيوية والتي فيها كنيستهم العظمى أيا صوفيا، فحاصر السلطان بقواته البحرية والبرية، المدينة الحصينة، التي كان البحر يحميها ويحيط بها من ثلاثة جوانب، إضافة إلى سور عال متين، واستعمل السلطان خطة حربية متنكرة ما خطرت ببال، فقد كان الروم يسدّون فم الخليج بسلاسل ضخمة من الحديد، تمنع مرور السفن، إلى الجهة الشمالية الشرقية من المدينة، حيث كان السور ضعيفاً.
فأمر السلطان بقطع الأخشاب، وفرشها على الشاطئ، ومرور السفن فوقفها جراً بواسطة الثيران والجنود حتى أدخلها الخليج!!
تم كل ذلك في ظلام الليل، فما أصبح الصباح إلا والأسطول الإسلامي، يمخر غباب الخليج ويضرب بمدافعه القوية الأسوار الضعيفة فيحدث فيها فجوات وثغرات كبيرة، اندفع من خلالها المسلمون مكبرين مهللين.. وفتح الله القسطنطينية على يد السلطان العثماني المسلم محمد الفاتح وصلى في الكنيسة العظمى ركعتي الشكر لله رب العالمين، وحولها مسجداً للمسلمين، خاصة بعد أن دخل كثير من نصارى المدينة في الإسلام بعد أن رأوا عدالته ونزاهة أهله..
وجاء السلطان العظيم يبحث عن قبر أبي أيوب الأنصاري فوجد القبر، ووجد أن الروم لا يزالون يقيمون عليه حرساً مسلحاً لحمايته، فتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاءه لأبي أيوب: وقوله: "حرسك الله حياً وميتاً" فقال السلطان المجاهد:
"نحن أحق بهذا منهم"
فأمر بأن تقام الحراسة على القبر، وأن تبقى كما كانت وتستمر..
ومن يزور مدينة إستانبول، التي اشتق اسمها من (إسلام بول) أي مدينة الإسلام، وهي مدينة القسطنطينية سابقاً، وزار معالمها الأثرية الهامة، وعنّ له أن يزور قبر أبي أيوب الأنصاري الصحابي المجاهد رضي الله عنه فإنه سيقف أمام القبر الشريف حائراً مشدوهاً، حين يرى عسكرياً شاكي السلاح يقف بانتباه يحرس قبر الصحابي الجليل، وسيهزه الخشوع لجلال الموقف حين يعلم أن هذه الحراسة وهذا الحفظ كان ولا يزال مستمراً عبر القرون منذ وفاة الصحابي الجليل وحتى يومنا هذا..
وأن دعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب تتحقق عبر الزمان، لتكون شاهداً حياً ومعجزة خالدة باقية..

حرَسَكَ اللهُ حَياًّ وَمَيِّتا حديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب الأنصاري
وتحقق حتى يومنا هذا 
هو أبو أيوب، خالد بن زيد، من بني النجار، الأنصاري، أحد السابقين الأولين في الإسلام من الأنصار، ورجل فاضل من أفاضل المدينة المنورة قبل الإسلام وبعده، وقال ابن إسحاق: شهد أبو أيوب بيعة العقبة الثانية، وذكره عروة بن الزبير بن العوام والجماعة رضي الله عنهم في البدريين، وعن ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي أيوب، ومصعب بن عمير رضي الله عنهما، وخصّه النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول ضيفاً عليه في بني النجار إلى أن بُنِيَتْ للنبي حُجرة أم المؤمنين سودة بنت زمعة , وبني المسجد النبوي الشريف.

دعاء رسول الله لأبي أيوب
نقض اليهود عهودهم مع المسلمين، فأجلاهم رسول الله عن المدينة، وأوقع ببني قريظة بعد غدرهم بالمسلمين "يوم الأحزاب" فغزا بالمسلمين حصون اليهود في خيبر، وحصن القَمُوْص، فانتصر المسلمون، وبعد النصر تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكان الزواج في قبة نُصبت له، وفي تلك الليلة خرج النبي لحاجته، فإذا به يسمع قعقعة السلاح فقال: من هناك؟
فأجابه صوت: أنا أبو أيوب يا رسول الله.
قال: وماذا تفعل هنا؟
قال: يا رسول الله، إنك قد أنكيت في القوم، وقد دخلت اليوم بابنة زعيمهم، فخشيت عليك غدرهم، فبتّ أحرسك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حَرَسَكَ اللهُ حَياًّ وَمَيِّتاً."
واستجاب الله لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فكان أبو أيوب يخوض المعارك مجاهداً في سبيل الله، ويحميه الله، وتحرسه عنايته، فلا يصاب بأذى. 

الغزوة الأخيرة كانت أول محاولة لفتح القسطنطينية سنة 34هـ / 654 م. في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث أرسل جيشا بقيادة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما فحلصرها ولم يتمكن من فتحها بسبب الأسوار المنيعة التي كانت حول القسطنطينية، ولَمّا تجاسر الروم على ثغور المسلمين الشمالية أرسل الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما جيشاً برياًّ وبحرياًّ من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم لغزوِ الرومِ بقيادة يزيد بن معاوية، فعبر المسلمون الفرسان والمشاة خليج البوسفور غرباً، وخليج القرن الذهبي جنوباً، وحاصروا القسطنطينية من الغرب، وخرج إليهم الروم وتصافّ المسلمون صفّين عريضين لم يُرَ مثلهما، والروم ملصقون ظهورهم بسور القسطنطينية، فحمل عليهم فارس من المسلمين، فقال الناس: إنه يلقي بيده إلى تهلكة. 
فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: "أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، وإنما أنزلت فينا معشر الأنصار.. إنّا لما نصر الله نبيَّه وأظهر الإسلام، قلنا بيننا معشر الأنصار خفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها. فأنزل الله الخبر من السماء فقال: "وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" سورة البقرة، الآية: 195. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: "أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد".؟ 


مرض الوفاة
مرض أبو أيوب الأنصاري مرضاً شديداً أثناء حصار القسطنطينية، فوضعه المسلمون في محفّة بناء على طلبه، وكانوا ينقلون تلك المحفة إلى الأماكن التي تميل فيها كفة القوة لصالح الروم، فترجح كفة القوة الإسلامية جراء الحماس الذي كان يثيره في النفوس وجود أبي أيوب الذي كان يأمل الشهادة، ولو كان محمولاً بالمحفة، ولما دنا أجله أتاه يعوده قائد الجيش يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم, 
فقال له يزيد: قل لي حاجتك يا أبا أيوب؟
قال أبو أيوب: "نعم, إذا أنا مِتُّ, إذا شئتَ فارْكَبْ ثم سُغْ في الأَرض ما وجدْتَ مَساغاً، أَي: ادخل فيها ما وجدْت مدخلاً، فإذا لم تجد مساغا, فادفني, ثم ارجع، فإنكم سوف تعودون إليَّ، ولن تنسَوا قَبْرَ صاحب نبيكم حتى تُحرِّروا الأرض التي ثوى فيها".
" وكان يردّد قول الله عزّ وجلَّ: "انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" سورة التوبة، الآية: 41. وكان يقول: "لا أجدني إلاّ خفيفاً أو ثقيلا". 


وفاة أبي أيوب
انتقل أبو أيوب الأنصاري إلى رحمة الله ونفّذ المسلمون وصيته، فحملوه حتى جاؤوا به إلى الشمال الغربي من أسوار اسطنبول "القسطنطينية" وصلى عليه يزيد والناس صلاة الجنازة, ثم دفنوه على مقربة من الضفة الجنوبية لخليج القرن الذهبي.
وحينذاك أخذ الروم يسخرون من المسلمين من فوق الأسوار ويقولون: لننبشنَّ قبره، ولنلقينّ بجثته للكلاب.
فأرسل إليهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: والله لو مسستم صاحبنا بسوء، أو نبشتم قبره، لننبشنّ قبور الروم في الشام كلها, والله لئن نبش, لا ضُرِبَ بناقوس في بلاد العرب.
فخاف الروم على قبورهم في الشام، ونادوا من فوق الأسوار: يا معشر المسلمين إنا وحق المسيح لا نعرض لقبر صاحبكم بسوء ولا ندع أحداً يمسه.
ولخوف الروم من أن يقوم بعض الناس بنبش قبر أبي أيوب على غير علم منهم، فقد أقاموا حُراساً يحرسون قبر أبي أيوب خشية أن ينبشه الغوغاء، وينفذ المسلمون توعدهم بنبش قبور الروم في الشام، فكانوا إذا قحطوا, كشفوا عن قبره, فأمطروا.
قال الواقدي : توفي أبو أيوب الأنصاري عام غزا يزيد في خلافة أبيه معاوية بن أبي سفيان القسطنطينية، فلقد بلغني: أن الروم يتعاهدون قبره, ويرممونه, ويستسقون به.
وروي أنه لما حضر أبا أيوب الموت; دعا الصحابة والناس, فقال: إذا قبضت, فلتركب الخيل , ثم سيروا حتى تلقوا العدو , فيردوكم , فاحفروا لي, وادفنوني , ثم سووه! فلتطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يعرف, فإذا رجعتم, فأخبروا الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني: (أنه لا يدخل النار أحد يقول : لا إله إلا الله). 


تحرير قبر أبي أيوب
مرت القرون والقسطنطينية منيعة، وصمدت مدة طويلة بعدما فتح العثمانيون أدرنة سنة 763 هـ/ 1361م، واتخذوها عاصمة لهم، وتوسعوا في فتوحات البلقان شمال نهر الطونة (الدانوب)، وبعد انتصار السلطان مراد الأول واستشهاده في نهاية معركة كوسوفو سنة 791 هـ/ 1389م. حاول العثمانيون فتح القسطنطينية في عهد السلطان أبا يزيد الأول، وفي زمن السلطان مراد الثاني، ولكن الفتح تحقق سنة 857هـ/ 1453م بقيادة السلطان محمد الثاني (الفاتح) ابن مراد الثاني بن محمد شلبي بن أبا يزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان بن عثمان الأول (المتوفى سنة 726 هـ/ 1326م). 
منذ طفولة السلطان محمد الفاتح، وهو يسمع من شيوخه الحديث النبوي الشريف "‏‏لَتُفْتَحَنَّ ‏‏ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ ‏ ‏فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ"، وكثيراً ما كان يردده، ويتذكر ‏مَسْلَمَة بْن عَبْدِ الْمَلِكِ بن مروان ‏ ‏الذي غَزَا ‏‏ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وبنى في شمالها جامع العرب الذ مازال قائماً إلى الشمال من خليج إسطنبول.
وقبل الهجوم الأخير اكتشف السلطان وشيخه أق شمس الدين قبر أبي أيوب الأنصاري، فتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودُعاءَه لأبي أيوب: وقوله لأبي أيوب: "حَرَسَكَ اللهُ حَياًّ وَمَيِّتاً" و منذ ذلك الوقت أمر السلطان بتنظيم الحراسة على القبر، وما زالت مستمرة منذ الفتح حتى الآن، وكانت مراسم السلطنة العثمانية تقتضي أن يستلم السلطان الجديد سيف عثمان الأول حسب المراسم في جامع أبي أيوب الأنصاري، ويشرب من بئر الشفاء المجاورة للضريح. ومع الأيام نشأت حول الضريح محلة كبرى تُعرف عند الأتراك باسم: "أيوب سلطان"، ومن عادات الأتراك زيارة الأطفال لجامع أبي أيوب بعد الختان، وكذلك تزوره العرائس والعرس في أسبوع الزواج، ولا تخلو ساحة الجامع من الناس ليلاً ونهاراً. 
وهكذا تمت حراست ابو ايوب الانصاري رضي الله عنه حيا وميتا مصداقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "حرسك الله حيا وميتا "




الجمعة، 10 مايو، 2013

معايير الدولة الفاشلة




معايير الدولة الفاشلة



يتردد كثيراً في الفترة الأخيرة الكلام في وسائل الإعلام الغربية عن الدول الفاشلة، ويضع القائمون على المؤسسات المعنية بذلك لوائح ودرجات ونقاط لتحديد وضع معظم الدول من حيث الفشل والنجاح في أداء وظائفها، ويضبطون معاييرها بمؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ويجتهدون في تحديد تعريفات منضبطة لها.
وقد صدر في العام 2005م تقرير عن صندوق دعم السلام، -وهو مؤسسة توصف بأنها مستقلة- يحوي على قائمة بأسماء الدول الأكثر فشلاً في العالم بناء على مقاييس معينة. وصدر في العام 2007م تقرير آخر عن مجلة (فورين بوليسي) فيه تصنيف لمائة وسبع وسبعين دولة يبين درجة كل منها بعدد من النقاط للدلالة على مرتبة الدولة في ضمن مقاييس الدول الفاشلة. واعتمدت هذه التقارير الأخيرة على اثني عشر مؤشراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً تم اعتمادها لتحديد مكانة أي دولة من الدول السبع والسبعين وفقاً لهذه المؤشرات.
والمؤشرات المعتمدة هي:
1.       الضغوط الديموغرافية من قبيل سوء توزيع السكان وتعدادهم والنزاعات بينهم.
2.       اللاجئون والمهجرون والمشاكل الناشئة عن الهجرة واللجوء.
3.       تغليب النظام السياسي لصالح أقلية معينة يوفر لها حقوق على حساب الأكثرية المحرومة.
4.       هجرة العقول من أوطانهم والاغتراب داخل المجتمعات.
5.       غياب التنمية الاقتصادية وعدم المساواة بين السكان في الوظائف والتعليم و المداخيل.
6.       وجود تراجع اقتصادي حاد واختلال في الميزان التجاري وضعف في سعر صرف العملة المحلية وانخفاض في معدلات الاستثمار وهبوط في الدخل الإجمالي.
7.       فقدان شرعية الدولة وفساد الحكام وغياب المحاسبة والشفافية وضعف الثقة بالمؤسسات.
8.       تدهور حاد في تقديم الخدمات العامة للجمهور.
9.       انتهاك القانون وحقوق الإنسان.
10.   تشتت الأمن –دولة داخل دولة- من قبيل سيطرة نخبة عسكرية داخل الجيش أو تكون قوى أمنية خاصة واندلاع نزاعات مسلحة بين مراكز القوة المختلفة.
11.   تنامي الانشقاقات داخل النخب الحاكمة نفسها وحدوث انقسامات دستورية.
12.   تدخل دول أخرى في الشؤون الداخلية من خلال دعم تنظيمات عسكرية وشبه عسكرية أو من خلال الاستعانة بقوات دولية أو بقوات حفظ السلام.
هذه هي المؤشرات التي اعتمدت بشكل عام من قبل تلك المؤسسات، وبناء عليه فإن الدولة الفاشلة تُعرف عندهم بأنها:"الدولة التي لا تستطيع السيطرة على أراضيها، وتلجأ عادة إلى القوة، وتفشل حكومتها في اتخاذ قرارات مؤثرة، بالإضافة إلى عدم قدرتها على توفير الخدمات لأبناء شعبها، فضلاً عن فشلها في التعامل بفاعلية مع المجتمع الدولي، وعادة ما تشهد معدلات فساد وجريمة مرتفعة".
وبحسب اللوائح المتغيرة لأكثر الدول فشلاً في العالم وفقاً لتلك المؤشرات فقد احتلت الصومال والسودان والعراق والكونغو وسيراليون وتشاد واليمن وأفريقيا الوسطى وليبريا وساحل العاج وهاييتي المراتب العشر الأولى في تلك اللوائح. وأما مصر وبنغلادش والسعودية وغالبية الدول العربية والبلدان الإسلامية فتدخل ضمن الخمسين دولة الأولى في تحقيق أعلى مستويات فشل في العالم.
لكن المؤسسات الغربية التي وضعت معايير الدول الفاشلة تجاهلت تماماً معيار تأثير الدول الاستعمارية على تلك الدول من النواحي العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وتناست تلك المؤسسات حقيقة أن الأوضاع السياسية في الدول التي وصفتها بالفشل ما هي في الواقع سوى نتاج طبيعي للاستعمار الذي ما زال يجثم على الدول التي توصف بالفاشلة، وبمعنى آخر فإن أوضاع تلك الدول المأساوية هي من صنع أمريكا والدول الأوروبية الاستعمارية، وما حكام الدول الفاشلة إلاّ مجرد موظفين عملاء للدول الكبرى الاستعمارية، وهذا العامل الذي تم التغافل عنه بصورة متعمدة هو أهم من كل المؤشرات التي أوردوها، بل هو الأشد تأثيراً في جعل تلك الدول وتسميتها في عداد الدول الفاشلة.
أما المعايير والمقاييس الحقيقية للدول الفاشلة فهي التي اعتمدها الإسلام، وقرّرتها الأحكام الشرعية، وتعتمد هذه المعايير والمقاييس على حالة الأمراء والحكام والأنظمة، بحيث أنه كلما كانت الحالة مطابقة للأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة كلما كانت الدول أكثر عدلاً وتقدماً ونجاحاً، وكلما ابتعدت الحالة عن الأحكام الشرعية كلما كانت الدول أكثر فشلاً وتخلفاً وتبعية للآخرين.
ومن المعايير التفصيلية للدول الفاشلة من وجهة النظر الشرعية ما يلي:


1- ظلم الأمراء وكذبهم: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله r: "أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَمَالَأَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَا أَنَا مِنْهُ. وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُمَالِئْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ"(رواه أحمد).
وظلم الأمير أو الخليفة هو ظلم الدولة، ويعني عدم إعطاء كل ذي حق حقه بحسب أحكام الشرع، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تمرد الرعية على الدولة، فتفشل الدولة وتضعف، ويكون السقوط لاحقاً لا محالة في انتظارها.
وأما كذب الأمراء أو كذب رئيس الدولة وأعوانه فمعناه أن الدولة تم تأسيسها على الأوهام وليس على الحقائق، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فشلها بعد افتضاح أمرها، والفشل عادة يكون من علامات سقوط الدول عاجلاً أو آجلاً.
والظلم والكذب إذا استشريا في الدولة واجتمعا فيها فإنها يطيحان بمكانتها، ويفقدان ثقة الناس بمصداقيتها، وهو ما يؤدي بالتبع إلى انفضاض أهل القوة وأهل العلم والحكمة من حولها، وهو ما من شأنه أن يُحولها إلى دول هزيلة فاشلة تابعة تستند إلى قوة غير ذاتية من خارج أهلها، ولا يمكن لتلك القوة الأجنبية التي تسندها أن تدوم، فبقاؤها بالتالي يظل متوقفاً على قوة الإسناد الخارجية وعلى ضعف القوة المحلية الطبيعية.


2- التنازع وتفريق الجماعة: قال تعالى: )وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ((الأنفال/46).
وقال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ"(رواه أحمد)، وقال r أيضاً: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"(رواه ابن حبان).
وواضح أن تنازع القوى الحاكمة والخروج من بيعة الإمام الأول، أو إمام دار العدل إنما هو ترك صريح للجماعة - الإمام المبايع بيعة شرعية صحيحة من قبل المسلمين في دار الإسلام - وذلك التنازع والخروج على الجماعة يؤدي حتماً إلى فشل الدولة وتمزيقها كما هو حاصل الآن في غياب دولة الخلافة الإسلامية.


3- الدعوة إلى العصبيات القومية والوطنية والطائفية: قال: "وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ"(رواه مسلم).
فالقتال تحت لواء القومية العنصرية البغيضة، والوطنية السقيمة القاصرة، والطائفية المثيرة للصراعات الدموية، مذموم شرعاً باعتباره قتالاً من أجل العصبية الجاهلية، وليس من أجل رفع كلمة الله تعالى وجعلها العليا. وكذلك الدعوة أو الانتصار لتلك الروابط العصبية الجاهلية مذمومة شرعاً، وتنطبق على الحكام الذين يعتمدونها ما ورد في الحديث الشريف من صفة ضرب الأمة برها و فاجرها، وعدم الاستحياء من مؤمنها، وعدم الوفاء بإعطاء العهود لمستحقيها، كما هو حاصل في هذه الأيام حيث تقوم الأنظمة القومية والوطنية بضرب وسجن حملة الدعوة، كما تقوم بملاحقة المجاهدين ووصمهم بالإرهاب.
ومن أبرز مظاهر هذه الحالة وجود تباغض وتلاعن بين هؤلاء الحكام وبين الناس كما قال صلّى الله عليه وسلم:"وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"(رواه مسلم)، كما هو حاصل في هذه الأيام.


4- عدم السماح بمحاسبة الحكام: قال: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ"(رواه أحمد)، وقال: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ"(رواه أبو داود). وقد استشهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم بهذا الحديث وهو على منبر الخطابة معلماً الناس ضرورة محاسبة الحكام، وسمح جميع الخلفاء الراشدين للرعية بمحاسبتهم بجميع أشكال المحاسبة حتى أصبحت محاسبة الحكام الحقيقية من الحقوق الطبيعية للمحكومين في تلك الفترة.
لذلك كان تغييب محاسبة الحكام أو إلغائها في الدولة، وعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، من شأنه أن يؤدي قطعاً إلى فشل الدولة، وهزالها، وبالتالي يؤدي إلى تسلط حفنة ظالمة منتفعة من الحكام ومن لف لفها من بطانات السؤ على الأكثرية المقهورة من الدهماء.
وهذه المعايير الأربعة جمعها الرسول rفي قوله: "إِنَّ أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ"(سنن الدارمي) ويتضمن هذا القول النبوي الشريف جميع صفات الحكام الذين يُحولون دولهم إلى دول فاشلة خائبة كجميع الدول القائمة في بلدان العالم الاسلامي في هذه الايام.
فالحكام المضلون إذاً هم الذين يجمعون بين الظلم والكذب والخروج على الجماعة والدعوة إلى العصبيات القومية والوطنية والجاهلية أو القتال تحت لوائها، وهم الذين يمنعون الرعية من محاسبتهم على ظلمهم وكذبهم وجاهليتهم وعمالتهم. وقد وصف الرسول r هذا النوع من الحكام بقوله: "يَكُونُ أُمَرَاءُ تَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ، وَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ" قَالُوا: أَفَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ"(رواه أحمد).
وقد ربط سيدنا عمر بن الخطاب t بين حكم الأئمة المضلين وبين فساد العلماء وأهل البدع، فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"(رواه الدارمي).
وفساد الحكام يعني فساد الدول وفشلها؛ لأن الدول في الحقيقة هي الحكام، والحكام هم الدول. وكان الصحابة والتابعون والعلماء يفهمون ذلك جيداً، فقد أخرج الجبرتي في عجائب الآثار قال: "وسأل معاوية الأحنف بن قيس وقال له: كيف الزمان؟ فقال: أنت الزمان إن صلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان".
وأخرج ابن عساكر عن بكر العابد قال: [قال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: "إني لأعلم رجلاً إن صلح صلحت الأمة قال ومن هو؟ قال: أنت"]. وروى البخاري عن مروان بن قيس أنه سمع ابن مسعود يقول: "لن تزالوا بخير ما صلحت أئمتكم".
هذه هي معايير الدولة الفاشلة من وجهة نظر إسلامية، وهي المعايير الحقيقية الصحيحة التي نستطيع من خلالها إصدار الحكم القطعي على الدول بمقاييس شرعية تتوافق مع فطرة البشر.
وبناء على هذه المعايير يمكننا أن نقطع بالقول إن كل الدول القائمة في العالم اليوم هي دول فاشلة لا تسعد شعوبها وان امتلكت بعض منها أسباب القوة والتقدم.



1