الجمعة، 10 مايو 2013

معايير الدولة الفاشلة




معايير الدولة الفاشلة



يتردد كثيراً في الفترة الأخيرة الكلام في وسائل الإعلام الغربية عن الدول الفاشلة، ويضع القائمون على المؤسسات المعنية بذلك لوائح ودرجات ونقاط لتحديد وضع معظم الدول من حيث الفشل والنجاح في أداء وظائفها، ويضبطون معاييرها بمؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ويجتهدون في تحديد تعريفات منضبطة لها.
وقد صدر في العام 2005م تقرير عن صندوق دعم السلام، -وهو مؤسسة توصف بأنها مستقلة- يحوي على قائمة بأسماء الدول الأكثر فشلاً في العالم بناء على مقاييس معينة. وصدر في العام 2007م تقرير آخر عن مجلة (فورين بوليسي) فيه تصنيف لمائة وسبع وسبعين دولة يبين درجة كل منها بعدد من النقاط للدلالة على مرتبة الدولة في ضمن مقاييس الدول الفاشلة. واعتمدت هذه التقارير الأخيرة على اثني عشر مؤشراً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً تم اعتمادها لتحديد مكانة أي دولة من الدول السبع والسبعين وفقاً لهذه المؤشرات.
والمؤشرات المعتمدة هي:
1.       الضغوط الديموغرافية من قبيل سوء توزيع السكان وتعدادهم والنزاعات بينهم.
2.       اللاجئون والمهجرون والمشاكل الناشئة عن الهجرة واللجوء.
3.       تغليب النظام السياسي لصالح أقلية معينة يوفر لها حقوق على حساب الأكثرية المحرومة.
4.       هجرة العقول من أوطانهم والاغتراب داخل المجتمعات.
5.       غياب التنمية الاقتصادية وعدم المساواة بين السكان في الوظائف والتعليم و المداخيل.
6.       وجود تراجع اقتصادي حاد واختلال في الميزان التجاري وضعف في سعر صرف العملة المحلية وانخفاض في معدلات الاستثمار وهبوط في الدخل الإجمالي.
7.       فقدان شرعية الدولة وفساد الحكام وغياب المحاسبة والشفافية وضعف الثقة بالمؤسسات.
8.       تدهور حاد في تقديم الخدمات العامة للجمهور.
9.       انتهاك القانون وحقوق الإنسان.
10.   تشتت الأمن –دولة داخل دولة- من قبيل سيطرة نخبة عسكرية داخل الجيش أو تكون قوى أمنية خاصة واندلاع نزاعات مسلحة بين مراكز القوة المختلفة.
11.   تنامي الانشقاقات داخل النخب الحاكمة نفسها وحدوث انقسامات دستورية.
12.   تدخل دول أخرى في الشؤون الداخلية من خلال دعم تنظيمات عسكرية وشبه عسكرية أو من خلال الاستعانة بقوات دولية أو بقوات حفظ السلام.
هذه هي المؤشرات التي اعتمدت بشكل عام من قبل تلك المؤسسات، وبناء عليه فإن الدولة الفاشلة تُعرف عندهم بأنها:"الدولة التي لا تستطيع السيطرة على أراضيها، وتلجأ عادة إلى القوة، وتفشل حكومتها في اتخاذ قرارات مؤثرة، بالإضافة إلى عدم قدرتها على توفير الخدمات لأبناء شعبها، فضلاً عن فشلها في التعامل بفاعلية مع المجتمع الدولي، وعادة ما تشهد معدلات فساد وجريمة مرتفعة".
وبحسب اللوائح المتغيرة لأكثر الدول فشلاً في العالم وفقاً لتلك المؤشرات فقد احتلت الصومال والسودان والعراق والكونغو وسيراليون وتشاد واليمن وأفريقيا الوسطى وليبريا وساحل العاج وهاييتي المراتب العشر الأولى في تلك اللوائح. وأما مصر وبنغلادش والسعودية وغالبية الدول العربية والبلدان الإسلامية فتدخل ضمن الخمسين دولة الأولى في تحقيق أعلى مستويات فشل في العالم.
لكن المؤسسات الغربية التي وضعت معايير الدول الفاشلة تجاهلت تماماً معيار تأثير الدول الاستعمارية على تلك الدول من النواحي العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وتناست تلك المؤسسات حقيقة أن الأوضاع السياسية في الدول التي وصفتها بالفشل ما هي في الواقع سوى نتاج طبيعي للاستعمار الذي ما زال يجثم على الدول التي توصف بالفاشلة، وبمعنى آخر فإن أوضاع تلك الدول المأساوية هي من صنع أمريكا والدول الأوروبية الاستعمارية، وما حكام الدول الفاشلة إلاّ مجرد موظفين عملاء للدول الكبرى الاستعمارية، وهذا العامل الذي تم التغافل عنه بصورة متعمدة هو أهم من كل المؤشرات التي أوردوها، بل هو الأشد تأثيراً في جعل تلك الدول وتسميتها في عداد الدول الفاشلة.
أما المعايير والمقاييس الحقيقية للدول الفاشلة فهي التي اعتمدها الإسلام، وقرّرتها الأحكام الشرعية، وتعتمد هذه المعايير والمقاييس على حالة الأمراء والحكام والأنظمة، بحيث أنه كلما كانت الحالة مطابقة للأحكام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة كلما كانت الدول أكثر عدلاً وتقدماً ونجاحاً، وكلما ابتعدت الحالة عن الأحكام الشرعية كلما كانت الدول أكثر فشلاً وتخلفاً وتبعية للآخرين.
ومن المعايير التفصيلية للدول الفاشلة من وجهة النظر الشرعية ما يلي:


1- ظلم الأمراء وكذبهم: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله r: "أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَمَالَأَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَا أَنَا مِنْهُ. وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُمَالِئْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ"(رواه أحمد).
وظلم الأمير أو الخليفة هو ظلم الدولة، ويعني عدم إعطاء كل ذي حق حقه بحسب أحكام الشرع، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تمرد الرعية على الدولة، فتفشل الدولة وتضعف، ويكون السقوط لاحقاً لا محالة في انتظارها.
وأما كذب الأمراء أو كذب رئيس الدولة وأعوانه فمعناه أن الدولة تم تأسيسها على الأوهام وليس على الحقائق، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى فشلها بعد افتضاح أمرها، والفشل عادة يكون من علامات سقوط الدول عاجلاً أو آجلاً.
والظلم والكذب إذا استشريا في الدولة واجتمعا فيها فإنها يطيحان بمكانتها، ويفقدان ثقة الناس بمصداقيتها، وهو ما يؤدي بالتبع إلى انفضاض أهل القوة وأهل العلم والحكمة من حولها، وهو ما من شأنه أن يُحولها إلى دول هزيلة فاشلة تابعة تستند إلى قوة غير ذاتية من خارج أهلها، ولا يمكن لتلك القوة الأجنبية التي تسندها أن تدوم، فبقاؤها بالتالي يظل متوقفاً على قوة الإسناد الخارجية وعلى ضعف القوة المحلية الطبيعية.


2- التنازع وتفريق الجماعة: قال تعالى: )وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ((الأنفال/46).
وقال: "مَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ"(رواه أحمد)، وقال r أيضاً: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"(رواه ابن حبان).
وواضح أن تنازع القوى الحاكمة والخروج من بيعة الإمام الأول، أو إمام دار العدل إنما هو ترك صريح للجماعة - الإمام المبايع بيعة شرعية صحيحة من قبل المسلمين في دار الإسلام - وذلك التنازع والخروج على الجماعة يؤدي حتماً إلى فشل الدولة وتمزيقها كما هو حاصل الآن في غياب دولة الخلافة الإسلامية.


3- الدعوة إلى العصبيات القومية والوطنية والطائفية: قال: "وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ"(رواه مسلم).
فالقتال تحت لواء القومية العنصرية البغيضة، والوطنية السقيمة القاصرة، والطائفية المثيرة للصراعات الدموية، مذموم شرعاً باعتباره قتالاً من أجل العصبية الجاهلية، وليس من أجل رفع كلمة الله تعالى وجعلها العليا. وكذلك الدعوة أو الانتصار لتلك الروابط العصبية الجاهلية مذمومة شرعاً، وتنطبق على الحكام الذين يعتمدونها ما ورد في الحديث الشريف من صفة ضرب الأمة برها و فاجرها، وعدم الاستحياء من مؤمنها، وعدم الوفاء بإعطاء العهود لمستحقيها، كما هو حاصل في هذه الأيام حيث تقوم الأنظمة القومية والوطنية بضرب وسجن حملة الدعوة، كما تقوم بملاحقة المجاهدين ووصمهم بالإرهاب.
ومن أبرز مظاهر هذه الحالة وجود تباغض وتلاعن بين هؤلاء الحكام وبين الناس كما قال صلّى الله عليه وسلم:"وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"(رواه مسلم)، كما هو حاصل في هذه الأيام.


4- عدم السماح بمحاسبة الحكام: قال: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ"(رواه أحمد)، وقال: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ"(رواه أبو داود). وقد استشهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم بهذا الحديث وهو على منبر الخطابة معلماً الناس ضرورة محاسبة الحكام، وسمح جميع الخلفاء الراشدين للرعية بمحاسبتهم بجميع أشكال المحاسبة حتى أصبحت محاسبة الحكام الحقيقية من الحقوق الطبيعية للمحكومين في تلك الفترة.
لذلك كان تغييب محاسبة الحكام أو إلغائها في الدولة، وعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، من شأنه أن يؤدي قطعاً إلى فشل الدولة، وهزالها، وبالتالي يؤدي إلى تسلط حفنة ظالمة منتفعة من الحكام ومن لف لفها من بطانات السؤ على الأكثرية المقهورة من الدهماء.
وهذه المعايير الأربعة جمعها الرسول rفي قوله: "إِنَّ أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ"(سنن الدارمي) ويتضمن هذا القول النبوي الشريف جميع صفات الحكام الذين يُحولون دولهم إلى دول فاشلة خائبة كجميع الدول القائمة في بلدان العالم الاسلامي في هذه الايام.
فالحكام المضلون إذاً هم الذين يجمعون بين الظلم والكذب والخروج على الجماعة والدعوة إلى العصبيات القومية والوطنية والجاهلية أو القتال تحت لوائها، وهم الذين يمنعون الرعية من محاسبتهم على ظلمهم وكذبهم وجاهليتهم وعمالتهم. وقد وصف الرسول r هذا النوع من الحكام بقوله: "يَكُونُ أُمَرَاءُ تَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ، وَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ" قَالُوا: أَفَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ قَالَ: لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ"(رواه أحمد).
وقد ربط سيدنا عمر بن الخطاب t بين حكم الأئمة المضلين وبين فساد العلماء وأهل البدع، فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"(رواه الدارمي).
وفساد الحكام يعني فساد الدول وفشلها؛ لأن الدول في الحقيقة هي الحكام، والحكام هم الدول. وكان الصحابة والتابعون والعلماء يفهمون ذلك جيداً، فقد أخرج الجبرتي في عجائب الآثار قال: "وسأل معاوية الأحنف بن قيس وقال له: كيف الزمان؟ فقال: أنت الزمان إن صلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان".
وأخرج ابن عساكر عن بكر العابد قال: [قال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: "إني لأعلم رجلاً إن صلح صلحت الأمة قال ومن هو؟ قال: أنت"]. وروى البخاري عن مروان بن قيس أنه سمع ابن مسعود يقول: "لن تزالوا بخير ما صلحت أئمتكم".
هذه هي معايير الدولة الفاشلة من وجهة نظر إسلامية، وهي المعايير الحقيقية الصحيحة التي نستطيع من خلالها إصدار الحكم القطعي على الدول بمقاييس شرعية تتوافق مع فطرة البشر.
وبناء على هذه المعايير يمكننا أن نقطع بالقول إن كل الدول القائمة في العالم اليوم هي دول فاشلة لا تسعد شعوبها وان امتلكت بعض منها أسباب القوة والتقدم.



1



الأحد، 5 مايو 2013

الغرب الصليبي الحاقد يُصعِّد من حملاته المسعورة ضد رموز الإسلام والأمة الاسلامية تتصدى له بإيمانها وصمودها



الغرب الصليبي الحاقد يُصعِّد من حملاته المسعورة
ضد رموز الإسلام والأمة الاسلامية تتصدى له بإيمانها وصمودها

مع إشراقة كل صباح تطلع علينا وسائل الإعلام الغربية بأخبار جديدة عن آخر الحملات الصليبية المسعورة التي تشنها الدول الغربية ضد رموز الإسلام وقيمه ومفاهيمه الحضارية، وكأنه لا شغل لهم إلاّ التطاول على المسلمين.
فتارة يستهدفون الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بالرسوم المسيئة فينشرونها في شتى وسائط الإعلام، ثم يجددون نشرها وتوزيعها وعلى فترات زمنية بالتراخي في الصحف والمجلات الغربية التي تصدر في هذا القطر الأوروبي أو ذاك، وتارة أخرى يتناولون الحجاب والجلباب والنقاب بالقدح والذم والتجريم، وتارة ثالثة يعتدون بأسلوب همجي على المساجد والمصاحف، ويدنسون الآيات القرآنية فيضعونها في مواضع قبيحة لا تليق بقداستها لاستفزاز مشاعر المسلمين وإذلالهم، وتارة رابعة يمنعون بناء المآذن في هذه الدولة أو تلك، والاعتداءات على رموز الاسلام لا يبدو انها ستتوقف في القريب العاجل لأنها سياسة موجهة ضد الاسلام والمسلمين تتبناها الدول الغربية وتُحرض العوام على اتباعها.
إنها حرب قذرة يشنها الصليبيون الأوروبيون والغربيون ضد الإسلام وأهله ورموزه في محاولة يائسة منهم لإبعاد المسلمين عن دينهم وإسقاط المفاهيم الإسلامية من واقع حياتهم.
لقد اتخذوا من الإسلام عدواً وحيداً ورئيسياً لهم بعد سقوط الشيوعية، ولعل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر قد عبَّرت عن ذلك مبكراً في العام 1989م بعد اجتماع حلف شمال الأطلسي عندما صرَّحت أمام الصحفيين بالحرف: "إننا الآن على وشك الانتهاء من الخطر الذي كنّا نخاف منه في الاتحاد السوفياتي، ولكن هناك الخطر الأكبر القادم من خلف البحر المتوسط، وعلينا أن نستعد له".
وبعد هذا التصريح الصليبي الحاقد ضد المسلمين ظهر مصطلح (الإسلاموفوبيا) وذاع في وسائل الإعلام الغربية وأصبح التخويف من الإسلام أمراً شائعاً في جميع الدول الغربية، وتم ربط الإسلام بالإرهاب والفاشية والتطرف، ونُعت القرآن الكريم بأنه كتاب إرهابي يُخرّج الارهابيين، وتحدث الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001م عن الفاشية الإسلامية فردَّد عبارة الحرب ضد الإسلام الفاشي عشر مرات في خطابه، وتقاسمت الدول الأوروبية مع أمريكا وكندا واستراليا الأدوار في هذه الحرب، فتولت فرنسا الحرب على الحجاب والنقاب، وتولت سويسرا الحرب على المآذن، وتولت الدانمارك الحرب على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم فنشرت الرسومات المسيئة، وتناوبت سائر الدول الأخرى في تحمل مسؤوليات هذه الحروب الحضارية الشرسة ضد رموز الإسلام ومفاهيمه الحضارية تحت ذرائع حرية الرأي وحرية التعبير وحرية المعتقد وحرية الصحافة، وقد صدق الله سبحانه في وصف هؤلاء الأعداء بقوله: )وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْأَذًى كَثِيراً(.
وهذا الأذى الذي أوقعوه بالمسلمين هو ما ظهر صراحة على جوارحهم، وهو عينه الذي خرج إفكاً من أفواههم، وإن ما لم يظهر وما لم يخرج لا ريب أنه أكبر وأعظم بكثير مما ظهر لقوله تعالى: )قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ(.
إنهم يستنفرون كل قواهم السياسية والفكرية والإعلامية في محاربة الإسلام وذلك في نفس الوقت الذي يدعون فيه إلى حوار الأديان وتعايش الحضارات فيا لها من مهزلة!!.
وبدلاً من قيام الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين بإيقاف حملاتهم الصليبية المسعورة ضد الإسلام قامت بالترويج لمفاهيم حوار الأديان والتعايش الحضاري واحترام الآخر وما شاكل ذلك من مفاهيم زائفة، بينما تنشط الدول الغربية في توجيه سمومها نحو المسلمين في كل مناسبة. فشيخ الأزهر السابق الذي كان يقف على رأس أكبر مؤسسة علمية شرعية في العالم - بحسب ما يقولون - وبدلاً من أن يتصدى لهذه الحملات الصليبية الواضحة، نجده يتواطأ مع قادة تلك الحملات المسعورة، فيطمئن ساركوزي عندما كان وزيراً للداخلية في مسألة الحجاب فيقول له: "إذا كانت المرأة المسلمة تعيش في دولة غير إسلامية كفرنسا وأراد المسؤولون بها أن يقرروا قوانين تتعارض مع مسألة الحجاب للمرأة المسلمة فهذا يُعد من حقهم وأُكرر هذا حقهم الذي لا أستطيع أن أعارض فيه كمسلم لأنهم غير مسلمين ... وفي هذه الحالة عندما تستجيب المرأة المسلمة لقوانين الدولة غير المسلمة تكون من الناحية الشرعية في حكم المضطر"، ثم يؤكد شيخ الأزهر هذا الرأي لساركوزي نفسه عندما صار رئيساً للجمهورية الفرنسية فيقول: "أنا ليس لي شأن بقرار الرئيس الفرنسي بمنع ارتداء النقاب في بلاده لأن لكل دولة قوانينها التي تحكمها وهذا أمر داخلي تنظمه كل دولة كيفما تشاء".
فإذا كان شيخ أكبر مؤسسة إسلامية دينية يتواطأ مع أعداء الاسلام في الهجوم الفكري على أهم رمز من رموز المسلمين فهل يبقى بعد ذلك أي قيمة لتلك المؤسسة؟!
إن تركيز الغرب هجومه على الحجاب بشكل خاص لأنه رأى أن حجاب المرأة مانع من أهم الموانع التي تحول دون تفتيت الأسرة المسلمة، ودون تمييعها، وبالتالي تحول دون تفتيت مجتمعات المسلمين، وتدمير ما تبقى من روابط الناحية الاجتماعية الإسلامية التي ما زالت موجودة عندهم، كونها تحافظ على الحد الأدنى من الشخصية الإسلامية المتميزة.
فالهجوم على الحجاب يعني الهجوم على معاني العفة والطهر والنقاء عند المرأة، وهي المعاني التي تُجسد هوية المرأة المسلمة وتُميزها عن المرأة الغربية التي تُعامل في الغرب كسلعة جنسية يتلهى بها الرجال.
فالحجاب إذاً ليس هو مجرد غطاء للرأس وحسب، بل إنه مظهر من أهم مظاهر الحياة الإسلامية، وانتشاره أو انحساره بين المسلمين يعكس بالفعل حالة الصحوة أو الغفوة لديهم.
إن انتشار الحجاب في بلاد المسلمين وفي الجاليات المسلمة في بلاد الغرب بات معياراً ومقياساً حقيقياً للتعبير عن إقبال المسلمين على دينهم والتزامهم بأحكام شريعتهم. والحرب الشعواء المعلنة اليوم على الحجاب ما هي إلاّ امتداد للحرب على الإسلام بمبررات جديدة وذرائع جديدة.
على إن انتشار الحجاب في بلاد الغرب تحديداً يمنع تحقيق ما يسمى بفكرة اندماج المسلمين الذين يقطنون في الدول الغربية، لذلك كان ذلك الانتشار ظاهرة مقلقة جداً لدى الغربيين بمختلف مشاربهم لأنهم لم يجدوا حلاً لها إلا بسن القوانين والتشريعات الجائرة والمخالفة حتى لفكرة الحريات عندهم والتي تضع العقبات أمام المحجبات للضغط عليهن، ولمنعهن من المشاركة في الحياة العامة إذا ما استمروا بارتدائه.
لقد انساقت غالبية الشعوب الإسلامية الواقعة تحت تأثير الاستعمار الفكري بعد سقوط الخلافة الاسلامية في عدم التزام المسلمات بالحجابن وكانت تلك الأيام حلماً جميلاً للدول الاستعمارية ، واستمر لعدة عقود، لكن الحلم الجميل سرعان ما تحول إلى كابوس ثقيل مزعج بالنسبة للغربيين، وذلك عندما عاد الحجاب لينتشر بين المسلمات انتشار النار في الهشيم في معظم البلدن الاسلامية وفي جميع البلدان الغربية، فجنّ جنون القادة الغربيين بسبب انهيار ما كان أمراً واقعاً بسرعة عجيبة .
فلقد كان خلع الحجاب وإحراقه أيام سعد زغلول في مصر نقطة تحول مهمة في حياة المرأة المسلمة نحو السفور وتقليد المرأة الغربية في مطلع القرن العشرين، إلاّ أن ذلك قد تلاشى وأصبح أثراً بعد عين.
كما أنه لم ينفع تشدد العديد من الأنظمة العلمانية الحاكمة في العالم الإسلامي ضد الحجاب، وقد أدّى إلى نتائج عكسية وزاد من إقبال النساء على الحجاب بدلاً من إحجامهم عنه.
وكذلك لم تُجد نفعاً تلك المؤتمرات التي رعتها الأمم المتحدة عن ما يسمى بتحرير المرأة ومساواتها بالرجال، وإعطائها الحق في التبرج والتعري والعهر، ولم يتمخض عنها أية نتائج تُذكر.
وبقيت المرأة المسلمة متمسكة بأوامر الله عز وجل الذي طالبها بارتداء الحجاب ضاربة بعرض الحائط كل محاولات الغربيين الكفار وعملائهم الرامية إلى خلعه. استجابت النساء لقوله تعالى )يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ( ولم تستجب لكل الأبواق الناعقة التي تدعوها إلى مخالفة أمر ربها.
إننا في حزب التحرير ندعو شعوبنا الإسلامية في كل مناطق تواجدها لأن تحافظ على رموز الإسلام وفرائضه وشعائره، ومنها حجاب المرأة باعتباره أحد أهم حلقات الدفاع عن الأسرة المسلمة، وعن الفرد المسلم، وعن المجتمع المسلم. وإننا وإذ ندعو المسلمات بشكل خاص وفي مؤتمرات خاصة بهن لمعرفة واجباتهن في الحفاظ على الأسرة، وبناء الأجيال الرائدة في خدمة دينها وقضايا أمتها.
وإننا نُضمن جزءاً من الدعوة الإسلامية التي نحملها للعالم كثقافة إسلامية نُضمّنها أفكاراً تتعلق بالنظام الاجتماعي الذي ينظم العلاقات السوية بين الرجال والنساء في مجتمعاتنا وفقاً للأحكام الشرعية المستنبطة من كتاب الله وسنة نبيه، ونعتبر هذه الثقافة جزءاً لا يتجزأ مما يجب حمله، وتبنيه، والدعوة إلى الالتزام به، بوصفه أحد أسيجة الحماية القوية التي تفرضها الدعوة الإسلامية علينا لحماية نسائنا وأطفالنا من قذارات الحضارة الغربية.
والاسلام يرى أن حصانة المرأة والأسرة في المجتمع الإسلامي هي النواة الأساسية الصلبة في بناء الدولة الإسلامية وطيدة الأركان، وأنها هي الحصن الأول الذي يذود عن حمى الاسلام ويحمي بيضة المسلمين ويحول دون تسرب أي غزو فكري دخيل لمجتمعات المسلمين.

ولعل من تمام القول وفي هذه المناسبة الطيبة  أن نُذكّر بإن حزب التحرير قد جهّز دستوراً متكاملاً للدولة الاسلامية الآتية بإذنه تعالى، وفصَّل فيه مواد النظام الاجتماعي تفصيلاً دقيقاً، وجعل هذا الدستور بمواده تلك حاضراً للتطبيق في دار الإسلام فور قيام دولة الخلافة.
ولن يُفلح الغرب الصليبي الحاقد في نفث سمومه وبث شروره في مجتمعاتنا الاسلامية مهما حاول ومهما جرّب من مؤامرات، فقد سأمت الامة الاسلامية الثقافة الغربية بعد تجرعت بسببها الويلات، وها هي تعود إلى حضنها الاسلامي الحاني، وتلفظ ثقافة الغرب المادية الهابطة، وتنبذ عملاءه من الحكام والمضبوعين بثقافته المنحطة، وها هي سهام الغرب المسمومة قد أخطأت أهدافها، وارتدت على قاذفيها.
وإذا كان الحكام العملاء قد تآمروا مع هجمات الغرب الصليبية الحاقدة، فإن الامة لم تتوقع منهم غير ذلك، لأنها أصلاً قد فقدت أي أمل في إصلاحهم، ولم يبق أمامها سوى الانتفاضة ضدهم، وعصيانهم، والإطاحة بهم، لتتمكن من تنصيب خليفة تُبايعه على كتاب الله وسنة نبيه، وليتم بمبايعته إقامة الخلافة واستئناف الحياة الاسلامية التي توقفت منذ ما يُقارب التسعين عاماً، فتصد هجمات الكفار عن المسلمين، وترد عليهم الصاع صاعين، وتُعيد هيبة الأمة، وتُنسي الصليبيين وساوسهم، وتُلاحقهم في عقر دارهم، ليعلموا أن الله حق، وليتحقق وعد الله للمسلمين بالاستخلاف، ولينجز وعيده للكافرين بالثبور، والله غالب على أمره فهو سبحانه لا يُخلف وعده، ولينصرن الله من ينصره انه لقوي عزيز.

الأربعاء، 1 مايو 2013

معنى الزاوية الخاصة في الأعمال السياسية



معنى الزاوية الخاصة في الأعمال السياسية

النظرة إلى الأحداث السياسية من زاوية خاصة تعني أن تسيطر تلك الزاوية الخاصة في النظرة إلى الحوادث والأعمال السياسية، فلولا وجود الزاوية الخاصة في النظرة لكانت الأعمال السياسية لا معنى لها، ولا فائدة تُرجى منها، ولا قيمة فيها يُهدف إلى تحقيقها.
والزاوية الخاصة في النظرة قد تتعلق بعمل عام، وقد تتعلق بعمل خاص، فإذا ركَّزت الدولة في نظرتها على دولة كبرى عدوة لها، وحصرت أعمالها السياسية والحربية فيها كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش، حيث ركز عليها في حروبه وفي أعماله السياسية، واكتفى من الآخرين بالتفرج أو بالوقوف على الحياد، إذا ركَّزت الدولة في نظرتها على ذلك كانت الزاوية الخاصة للنظرة تتعلق بعمل عام.
وأما إذا تم التركيز على هدف معين وتم جعله الزاوية الخاصة في النظرة كان العمل خاصاً، وذلك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش عندما صالحها في الحديبية، وتفرغ لسحق يهود خيبر بعد أن علم بوجود حلف بينهما، فهو بذلك قد حدَّد زاوية العمل فكانت الزاوية الخاصة التي انطلق منها في نظرته عملاً خاصاً.
والرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كلا العملين قد انتقل من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى الأخص منه، حيث كانت الزاوية الخاصة في النظرة السياسية بالنسبة إليه ابتداء هي حمل الدعوة الإسلامية وهي هدف عام، ثم لما ركّز على محاربة قريش ثم تخصيص الزاوية في هدف أخص، وبعد أن تفرغ لسحق يهود خيبر ومهادنة قريش انتقل إلى هدف أكثر تخصيصاً. وهكذا ممكن أن تتغير الزاوية الخاصة من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى الأخص منه.
ومثال آخر في الانتقال من العام إلى الخاص أو من الخاص إلى الأخص منه في النظرة السياسية ما حصل مع الدول الأوروبية بعد مؤتمر مدريد في القرن السادس عشر الميلادي، وذلك بعد ظهور علامات الضعف في الدولة العثمانية، حيث اتخذت الدول الأوروبية من نهب أملاك الدولة العثمانية زاوية خاصة لها في التعامل مع الدولة العثمانية ومع بعضها البعض، ولم تتخذ من هدف القضاء على الدولة العثمانية زاوية خاصة، مع أنها بحثت في الأمرين معاً وقررت الثاني وهو النهب وليس القضاء، ودخلت في صراع سياسي واستعماري مرير استمر قروناً ضد بعضها البعض وضد الدولة العثمانية، حتى انتهى الأمر بها إلى نجاحها في إزالة الدولة العثمانية وتقاسم ممتلكاتها. وهكذا كانت الزاوية الخاصة للدول الأوروبية في ذلك الوقت هي نهب أملاك الدولة العثمانية، وهي الزاوية التي تمكنت من جميع أعمالها السياسية، وسيطرت على كل تصرفاتها.
وكذلك ما حصل مع أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية حيث اعتبرت أن العالم شركة بين الدول العظمى، وأن لها أكثر الأسهم فيها، وأنها هي من يجب أن تتولى إدارة الشركة، فكانت هذه هي الزاوية الخاصة التي نظرت أمريكا من خلالها إلى العالم، وصارت أعمالها تتكيف وفقاً لهذه الزاوية، وهو ما جعلها تتحالف مع روسيا ضد حلفائها الأوروبيين وذلك بعد أن تم في العام 1961م الاتفاق في فينا والذي عُقد بين الرئيس الأمريكي جون كنيدي والرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف، حيث تنكرت بعده للأوروبيين خصوصاً لكل من بريطانيا وفرنسا.
ثم غيرّت أمريكا الزاوية الخاصة في نظرتها مرة ثانية وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991م، وتنكرت للجميع، وانسحبت من اتفاقية كيوتو، ورفضت اتفاقيات زرع الألغام الأرضية، ورفضت الدخول في محكمة الجرائم الدولية، وأصبحت الزاوية الخاصة التي تنظر من خلالها إلى العالم تقوم على أساس عدم وجود أنداد لها تتحالف معهم على قدم المساواة، فمالت إلى التفرد، وأصبحت تتعامل مع سائر الدول العظمى الأخرى بأسلوب الهيمنة والتفوق.
هذه هي الكيفية التي تسير على أساسها النظرة من زاوية خاصة إلى الأحداث السياسية التي تجري في العالم، وهي الكيفية التي تستخدمها كل الدول التي تملك قرارها السيادي في غالبية الاعمال السياسية.
ومن هنا كان ينبغي على الامة القيام بالأعمال السياسية من زاوية خاصة لأن ذلك هو من أهم واجباتها.
ومن ناحية ثانية فإن العقيدة الإسلامية التي تعتنقها شعوب الأمة الإسلامية لا بد أن تتحول إلى قيادة فكرية سياسية تقوم عليها جميع المكونات التي تتألف منها الأمة، والعالم اليوم الذي يفتقد لقيادة سياسية إسلامية عقائدية يتخبط في دياجير الفوضى، ويكتنفه الظلم السياسي، والشقاء الاقتصادي، والاستعمار بكل أشكاله وصوره.
ولا شك أن البشرية اليوم تئن تحت كوابيس الإذلال والتعاسة والعبودية، ولا تملك قوة في الأرض إخراجها من تلك الكوابيس غير القوة الاسلامية المبدئية. فالأمة الإسلامية التي تملك تلك العقيدة السياسية الدينامية الجبارة هي وحدها القادرة على إنقاذ العالم من حالة التردي التي يحياها، لذلك لا يجوز أن تنشغل الأمة أو تتلهى بمشاكلها المصطنعة في تحرير نفسها بوصفها شعوباً وقوميات صغيرة وتتجاهل حقيقة كونها خير أمة أخرجت للناس، وكونها المسؤولة الطبيعية عن سائر الأمم الأخرى. فلا يكفي من الأمة العمل على تحرير شعوبها من سطوة الاستعمار، ولا يُكتفي منها أن تعمل على إنهاض مجتمعاتها في كل مجالات الحياة، بل لا بد لها علاوة على ذلك أن تُفكر في حمل الدعوة ونشر رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء.
فالأصل أن تتحمل الأمة الاسلامية مسؤولياتها تجاه الامم والشعوب الأخرى، ولا يوجد أدنى شك بأنها قادرة على تحمل ذلك، لانها أمة أصيلة، والأصالة جزء لا يتجزأ من طبيعة المسلمين، فلا يمكن أن تتغير طبيعتها مهما لحقها من عسف وفقر واضطهاد . وما على الأمة الإسلامية اليوم إلا أن تتحرك وتقوم بالأعمال السياسية الحقيقية المنبثقة عن القاعدة الفكرية الإسلامية المتمثلة بعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، تلك العقيدة التي من شأنها إذا ما بُنيت عليها دولة أن تدك سلاطين الطفر وعروش الطغيان، وأن تقوم بها من زاوية خاصة.
إن الأمة الإسلامية وقد خبِرت الصراع مع الكفار لمئات السنين، وتعلم أن الله سبحانه وتعالى قد فرض عليها أن تقاتل عدوها حتى ولو كانت قوته ضعفي قوتها، لقوله تعالى : "  الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ"، وتعلم هذه الأمة أن قوى الكفر قد تجمعت في الماضي ضد الإسلام والمسلمين، وقد تتجمع في المستقبل ضدهم أيضاً، لذلك فليس عجيباً أن تقف الأمة الإسلامية وحدها في وجه دول العالم بأسرها، وليس غريباً أن تواجه المؤامرات المستمرة للقضاء على وجودها، وهذا أمر طبيعي وموجود منذ بدء الصدع بالدعوة.
والرسول صلى الله عليه وسلم عندما بلغه أن هناك مفاوضات تجري بين قريش ويهود خيبر لمحو الإسلام من الوجود صمَّم على الذهاب إلى مكة للقيام بالعمرة ولمقابلة قريش ومهادنتها ومصالحتها، ثم بعد أن أمن شر قريش رجع إلى خيبر فحارب اليهود وقضى على كيانهم، وكان ذلك من أعظم أعماله السياسية من زاوية خاصة. فالرسول صلى الله عليه وسلم قد علَّمنا كيف نكون حاسمين دائماً ضد قوى الكفر التي تُناصبنا العداء، وتريد القضاء على كياننا وعقيدتنا ووجودنا السياسي، وقد جمع عليه الصلاة والسلام الأنصار قبيل فتح مكة ذات مرة وقال لهم: "إن قريشاً قد وبَّشت أوباشها فاحصدوهم حصداً، وسحق إحدى كفيه بالأخرى". وهذا يدل على مدى الحسم والقسوة التي ينبغي التزامها ضد الاعداء الخطرين.
فالحسم والحذر يجب أن يكونا من أهم أسس علاقاتنا مع الكفار المعاهدين، فإن استقامة الدولة الإسلامية مع دول الكفر المعاهدة مرتبطة باستقامة العدو لنا، وبالتزامه بالعهود المبرمة معنا، لكي نستقيم معه مصداقاً لقوله تعالى  : " فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ"، وأما إن خيف منهم خيانة، وظهرت لنا علاماتها، فإننا نطبق عليهم وقتها قوله تعالى:" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء".
وهكذا فالأعمال السياسية والحربية من زاوية خاصة بالنسبة للمسلمين لا تعتبر إرثاً معرفياً تاريخياً وحسب، بل هي دراسة واختبارات تشكل أفكاراً من عقائد الأمة ، وأحكاماً من شريعتها، إذ هي متغلغلة في حنايا نفوس المسلمين، ومتأصلة في تكوينهم، وتسري في دمائهم.
إن علينا أن نعلم أن الاستعمار لا يعني نهب الخيرات وسرقة الثروات من بلداننا الإسلامية وإن كان هو الجاري، بل المقصود من الاستعمار - بعد أن تمكن من السيطرة على دولنا - أن يحول دون أن يعود المسلمين خير أمة أخرجت للناس تحمل الرسالة إلى العالم أجمع مرة ثانية. فالموضوع إذاً ليس الاستعمار وحسب، بل هو تحطيم هذه الأمة تحطيماً تاماً، وشل حركتها، ومحوها من الوجود، بوصفها أمة إسلامية تعمل على هداية الأمم الأخرى.
لقد حدَّث التاريخ عن الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت حين غزا مصر واحتلها أنه جمع كبار ضباطه وأركان جيشه في غرفة واسعة، فيها سجادة كبيرة، ووضع في وسطها قبعة، وقال لضباطه :" من منكم يأتيني بالقبعة؟؟"،  فمشى أحد ضباطه على السجادة لإحضار القبعة، فقال له لا تطأ على السجادة، فحاول آخر أن يأخذ القبعة بعصا طويلة، فقال له: هاتها بيدك. فلما فشل عدة ضباط بإحضارها بعدة طرق قال لهم نابليون:" نطوي السجادة ونتناول القبعة"، ثم التفت إليهم وقال: "إن هذه القبعة مثل الخلافة، وهذه السجادة مثل البلاد الإسلامية، فلا يمكن أخذ القبعة باليد إلا بطي السجادة، ولا يمكن إزالة الخلافة إلا بأخذها بلداً بلداً كطي السجادة، ثم يمكن بعد ذلك إزالة الخلافة بكل يسر، وها نحن قد أخذنا مصر، ثم نأخذ بلاد الشام، وهكذا حتى نزيل الخلافة"، وهذا هو بالضبط ما حصل، فلقد تم طي البلاد الإسلامية وتقطيعها، حتى انتهى الأمر بإسقاط الخلافة العثمانية الاسلامية، وبعد ذلك تحولت الأمة الإسلامية إلى دويلات وقوميات متناحرة متباغضة تابعة لدول الكفر الغربية الكبرى لا وزن لها ولا حول ولا قوة.
لقد أصبح معروفاً لدى غالبية الأمة أنه من البديهيات القول إن أنظمة الحكم القائمة اليوم كلها عدوة للإسلام وللمسلمين، وهي أنظمة كافرة تتربص بالعالم الإسلامي وبوحدته الدوائر. وإن الأمة الإسلامية هي أمة واحدة، ولها عقيدة واحدة، ويجب أن تحكم بدولة واحدة هي دولة الخلافة، من قبل حاكم واحد هو الخليفة. ولذلك كان على الأمة بكل شعوبها أن تقوم بأعمال سياسية تسبق وترافق وتصاحب الأعمال السياسية لدولة الخلافة، وذلك للتمهيد لعودة اقتعاد الأمة الإسلامية مكانتها التي تليق بها بين الامم، وحتى تعود كما يجب أن تكون ذات قوة وعزة وهيبة وكرامة يحسب لها الكفار ألف حساب.
وخلاصة القول أنه لا بد أن تتركز الأعمال السياسية حول حمل الدعوة ونشر رسالة الإسلام إلى العالم، وهي الزاوية الأصلية التي يجب الانطلاق منها في العمل السياسي، وهي عينها التي انطلقت منها جميع أعمال الرسول السياسية التي قام بها قبل وبعد الهجرة.
وباستعراض بعضاً من هذه الأعمال السياسية التي قد تغني عن خوض غمار الحروب نجدها كلها تنطلق من تلك الزاوية الخاصة، وهذه خمسة عشر عملاً سياسياً قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم تظهر فيها الزاوية الخاصة بشكل واضح:
1)  عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل وطلبه للنصرة.
2)  أخذ بيعة العقبة الثانية وهي بيعة القوة والمنعة والاستعداد للحرب.
3) إرسال عبد الله بن جحش يتنطس أخبار مكة.
4)  محاولة الرسول صلى الله عليه وسلم الاستيلاء على تجارة قريش والتي تسببت في موقعة بدر.
5)  إرسال نعيم بن مسعود لتثبيط القبائل وإثارة الشكوك في نفوس الكفار أثناء حصار الأحزاب للمدينة في موقعة الخندق.
6)  الإصرار على الذهاب لأداء العمرة وما نتج عنه من إبرام صلح الحديبية مع قريش الذي أدّى إلى كسر التحالف السياسي العدواني بين كفار مكة ويهود خيبر.
7)  تحكيم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة.
8)  إرسال الدعاة إلى القبائل.
9)  إرسال الرسل إلى الملوك.
10)  جلب العباس لأبي سفيان قبيل فتح مكة واطلاعه على كتائب الجيش الاسلامي لتيئيسه وتخويفه لقريش من القتال والمواجهة.
11)  عقد المعاهدات مع القبائل.
12)  استقبال الوفود من جزيرة العرب.
13)  مباهلة نصارى نجران.
14)  إجلاء يهود بني النضير.
15)  تعيين حاكم اليمن من قبل فارس حاكماً لها من قبله بعد إسلامه.
هذه النماذج من الأعمال السياسية التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم توضح لنا كيف أن مثل هذه الأعمال كانت تنطلق من زاوية رعاية شؤون المسلمين وإدارة مصالحهم على وجه يؤدي إلى تحقيق النصر والظفر والغلبة على الكفار، ويمكن المسلمين من تطبيق أحكام الشرع على الرعية وحمل الدعوة إلى العالم.