الأحد، 28 أبريل 2013




تأثير ما يُسمى بالقوة الناعمة في العلاقات الدولية

المقصود بالقوة الناعمة قوة الجذب والإبهار النابعة من المبدأ والثقافة والحضارة، وبمعنى آخر فهي القوة الفكرية المستمدة من القيم العليا للمجتمع، أو من  قوة النموذج الذي يفرض طراز معيشته على الآخرين.
لقد ظهر مصطلح القوة الناعمة أو القوة اللينة أول ما ظهر في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وأول من طرحه المفكر السياسي الأمريكي جوزيف ناي الذي كان رئيساً لمجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ومساعداً لوزير الدفاع في إدارة كلينتون، ثم أصبح فيما بعد عميداً ومحاضراً كبيراً في جامعة هارفارد الجامعة الأهم في العالم والتي تُعتبر الجامعة رقم واحد في أحدث تصنيف دولي للجامعات في العالم.
اعتبر جوزيف ناي أن القوة الناعمة هي القوة التي تقابل كلا القوتين العسكرية والاقتصادية والتي أطلق عليهما القوة القاسية. وقال ناي أن الولايات المتحدة الأمريكية إن أرادت أن تبقى قوية فعليها أن تتنبه لقوتها الناعمة، حيث أن بإمكانها الوصول إلى أهدافها في السياسة الدولية من خلال جعل الدول الأخرى تسعى للحاق بها، واتباعها إعجاباً بقيمها، أو تقليداً لنموذجها، أو تطلعاً للوصول إلى مستوى ازدهارها، ورفاهها، وانفتاحها. لذلك كان من الأهمية بمكان من وجهة نظر ناي أن تضع الولايات المتحدة برنامجاً في السياسة الدولية يجذب الآخرين إليها، ولا يجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوة العسكرية أو الاقتصادية. ولخص ناي هذا النوع من القوة بالعبارة التالية: "جعل الآخرين أن يريدون ما تريده أنت، وهو ما أسميه أنا بالقوة الناعمة وبهذه الطريقة تكسب الناس بدلاً من إجبارهم".
إن هذا الكلام يعني أن الأولويات في اعتبار القوة - أية قوة يميل دائماً نحو الارتباط بمصادر القوة المعنوية كالثقافة الجذابة والأيديولوجية والمؤسسات، وهذه الأمور لا تعتمد على الإجبار وإنما تعتمد على الإتباع.
ويوضح ناي تأثير تلك القوة الناعمة بقوله: "إن القوة الناعمة ليست تماماً كالتأثير مع أنها مصدر من مصادره المتعددة، فهي لا تعني الإقناع والبرهنة بالجدل بل هي أكثر من ذلك إنها الإغراء والجذب التي تؤدي بالآخرين إلى الرضوخ والتقليد"، ثم يفلسفها بقوله: "إنها شبيهة بالحب فهو صعب القياس والتحمل".
وهو لا ينكر دور القوى (القاسية أو الخشنة) لكنه يعتبر أن القوتين الخشنة والناعمة ترتبطان ببعضهما البعض وتدعمان بعضهما، فكلاهما مظهر من مظاهر القدرة على إنجاز الأهداف عبر التأثير في طريقة تصرف الآخرين، سواء عن طريق الإجبار أو عن طريق الجذب والإغراء.
ويختزل ناي ملخّصاً نظريته عن القوة الناعمة بالكلمات البسيطة التالية: "جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت وبأقوى وأصوب وأنجح مما تتصور وتتوقع".
هذه هي نظرية القوة الناعمة في السياسة الدولية كما تصورها صاحبها جوزيف ناي. أما تطبيقات هذه النظرية فبدأت تظهر في تسعينيات القرن الماضي من خلال تركيز المخططين الاستراتيجيين في الحزب الديمقراطي على ترويج أفكار حقوق الإنسان والحريات وقوة الاقتصاد المفتوح وتكنولوجيا المعلومات من منظور أمريكي، مشفوعة بالمظاهر السطحية لطراز العيش الأمريكي كنموذج يُقتدى به ويُراد تعميمه في سائر دول العالم، ومن أشكال هذا النموذج أمور سطحية كوجبات الطعام السريعة من مثل الماكدونالد والبرغر كينج والكولا، ومن الملابس الأمريكية بصرعاتها الكثيرة من مثل الجينز، وكالإنتاج السينمائي الهوليودي بإيقاعاته السريعة، وكالموسيقى الصاخبة بألوانها المتعددة وما شابهها.
لكن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وتولي الجمهوريين الحكم في عهد بوش الابن تراجعت القوة الناعمة، وتراجع الحديث عنها كثيراً، ووقع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وبلغت العنجهية الأمريكية مداها مع إشاعة أفكار وسياسات المحافظين الجدد التي تميل إلى فرض الثقافة الأمريكية على العالم فرضاً حيث تبنوا فكرة تغيير مفاهيم الشعوب باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية، ووضعوا آلية الحرب الاستباقية كإحدى أهم وسائل نشر الليبرالية الرأسمالية الأمريكية في العالم بقوة السلاح باعتبارها أرقى نموذج بلغه البشر وفقاً لنظرية نهاية التاريخ التي أرساها فرانسيس فوكوياما.
وبعد تطبيق المحافظين الجدد لتلك النظرية طيلة فترة حكم بوش الابن لمدة ثمان سنوات، تبين للعالم أن أمريكا دولة عدوانية أثارت الحروب والتوترات في العلاقات الدولية، وأن نموذجها الليبرالي الجديد غير مقبول لدى غالبية الدول الأخرى، وأنها بسبب رأسماليتها المتوحشة أوقعت العالم في أزمة اقتصادية خانقة نتج عنها تحويل أكثر من نصف سكان العالم إلى أناس فقراء، خمسهم من الجياع.
لذلك رأى الديمقراطيون أنه لا مفر لديهم من التنصل من أفكار المحافظين الجدد والعودة إلى أطروحات عهد كلينتون الواقعية، فاغتنموا الفرصة وعادوا للحديث عن القوة الناعمة في السياسة الخارجية. فانتعشت نظرية القوة الناعمة من جديد، وأصبح صاحبها مرة ثانية محط أنظار الصحافة والإعلام، فضلاً عن المحافل الأكاديمية والمجالس السياسية.
ومن بواكير التطبيقات الجديدة لهذه النظرية لدى إدارة أوباما الحالية اختلاف لهجة خطابات أوباما وأحاديثه عن التغيير، وتوجهه نحو العالم الإسلامي بشكل خاص متودداً له ظاهرياً، وداعياً للتصالح والتعاون معه، ومعيداً النظر في لغة وخطابات وتصرفات إدارة بوش العدائية السابقة.
لقد ظهر على إدارة أوباما أنها تسعى جاهدة للتخلص من تركة بوش الثقيلة على أمريكا، وسعت بشكل واضح لإزالة آثار حقبة بوش التي ما زالت مضارها عالقة في وعي الشعوب، حيث أن أفكار إدارة بوش عن غرور القوة والتفرد واعتبار أمريكا فوق الجميع ما زالت حاضرة في أذهان الناس.
ولعل أهم عقبة كأداء خلّفتها إدارة بوش لإدارة أوباما في هذا الصدد ذلك الانهيار المالي الكبير الذي أثّر على سعر صرف الدولار، وما تمخض عنه من انعكاسات سلبية على اقتصاد وعملات العالم.
ولقد أدّى بروز القوى الاقتصادية الناشئة وبالذات مجموعة دول بريك والمؤلفة من روسيا والصين والهند والبرازيل وتأثيرها النوعي في الاقتصاد العالمي، ومساهمتها في تعزيز الاقتصاد العالمي، كل ذلك أدّى إلى اعتبار أحاديث إدارة أوباما عن القوة الناعمة مجرد ثرثرة سياسية لا وجود لها في الواقع. لأنه لم يعد لدى أمريكا شيئاً من قوة الإبهار أو التأثير في الآخرين، فالناس قد كشفوا زيف النموذج الأمريكي الذي بطل سحره بعد حروب أمريكا وانهيار بنوكها.
وكل ما يتذكره العالم ويلمسه عن أمريكا هو قوتها العسكرية الغاشمة، وحتى قوتها الاقتصادية فلم تعد تمثل قوة جذب واقتداء لدى الدول الضعيفة والتابعة، فمظاهرات الطبقة المتعلمة في كوريا الجنوبية والفلبين على سبيل المثال تُظهر مدى كراهية هذه الدول والتي هي بمثابة المستعمرات الأمريكية - للنموذج الأمريكي الحضاري، ومعلوم أن الدولة التي تعاني من انحدار في اقتصادها تفقد قدرتها بالتدريج على صياغة منظومتها من المفاهيم والنماذج الجاذبة للآخرين.
إن المبدأ الرأسمالي بعد ما ظهر فساده للعيان، وما ينبثق عنه من مفاهيم حضارية مرفوضة، لا يمكن أن تتشكل عنه قوة ناعمة ذاتية تنتج من المبدأ نفسه، بدليل أن الدول الرأسمالية الأخرى غير أمريكا لا توجد لديها أي مظهر من مظاهر القوة الناعمة.
يبقى القول إن وجود شيء من عناصر القوة الناعمة لدى أمريكا ليس مرده إلى المبدأ الرأسمالي نفسه الذي تتبناه أمريكا، وإنما مرده إلى قوة أمريكا العسكرية الطاغية المتغلبة، ومعلوم أن طبيعة الشعوب المغلوبة تميل دائماً إلى تقليد الشعوب المتغلبة، فالمسألة في تقبل النموذج الأمريكي عند بعض الشعوب مسألة تقليد أكثر منها مسألة قوة ناعمة أو خشنة. فالقوة العسكرية والقوة الاقتصادية لأمريكا هي التي فرضت حضورها على الشعوب المغلوبة، وهي التي أوجدت لديها بالتالي تبعية معينة اعتبروها زوراً وبهتانا قوة ناعمة.
إن قوة الجذب الحقيقية للمفاهيم وللمظاهر الحضارية أو ما باتوا يسمونها بالقوة الناعمة يجب أن تنبع من قوة المبدأ نفسه ومن قوة أدلته وقناعاته، بغض النظر عن قوة الدولة المادية التي تحمله.
صحيح إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وصحيح أن قوة الدولة تؤثر على الشعوب أكثر من قوة الفكرة نفسها أحياناً، إلا أن هذه القوة لا بد لها إن أريد لها البقاء والاستمرار أن تستند إلى قوة الفكرة لكي تزداد تركيزاً ورسوخاً.
إن قوة الجذب والإبهار المتعلقة بالأفكار والعقائد والحضارات، أو ما باتوا يطلقون عليها اصطلاح القوة الناعمة تجسد عند المسلمين بشكل عام أكثر من أي أمة أخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإسلام أهل إندونيسيا وما جاورها على أيدي التجار المسلمين لهو التجسيد الحقيقي لمثل هذه القوة. وما اعتناق مئات الأوروبيين والأمريكيين الإسلام شهرياً إلاّ مثال حقيقي على أن الإسلام كعقيدة وكمعالجات هو الذي يُصلح الإنسان، وهو الذي يتوافق مع حاجاته الغريزية والعضوية، وهو بذلك يجب أن يكون الأجدر من غيره في اعتباره يشكل أساساً ثابتاً لما يُثيرونه من كلام عن القوة الناعمة، لأنه هو الدين الصحيح الحق، وما سواه من أديان ومعتقدات ما هي سوى أوهام وأباطيل.
ولكن هذه القوة غير ملاحظة اليوم لدى غير المسلمين بسبب كون جميع الدول القائمة في العالم الإسلامي هذه الأيام تفتقد لأهم عنصر من عناصر هذه القوة الناعمة ألا وهو عنصر العالمية، فكيف يُتصور أن تملك دولاً كمصر والسعودية والباكستان أو إندونيسيا أي مظهر من مظاهر القوة الناعمة بينما هي تُركز في وسائل إعلامها على القطرية والوطنية والعرقية؟ إن من يزعم أنه يمتلك القوة الناعمة يجب أن يحمل فكراً وحضارة وطراز معيشة إلى شعوب العالم الأخرى، وهذا يقتضي أن تكون دعواه دعوة عالمية. أما أن تدعو هذه الدول إلى هويات ضيقة تحرسها بالأسيجة والحدود فان مثل هذه الدعوات لن تفلح يوماً في امتلاك مثل هذه القوة.
إن وجود دولة إسلامية حقيقية تكون وظيفتها الرئيسية حمل الدعوة إلى العالم يعني منذ البداية إضافة قوة المبدأ والحضارة إلى قوة الدولة العسكرية وسلطانها المادي، وإذا أولت الدولة لطريقة نشرها للمبدأ أهمية قصوى، وإذا أحسنت تطبيق أحكام الإسلام، فإنها ولا شك ستبدع في إيجاد الأساليب التي تؤدي إلى جعل قوة المبدأ الناعمة قوة جذب وإبهار حقيقية تُؤثر في البشرية جمعاء، وتنقل العالم من حالة الضياع والضلال والتخلف الذي يعيش فيها إلى أفضل حالة يمكن أن يحياها البشر في ظل نظام الإسلام الرباني العادل الذي يضيء ظلام البشرية الدامس بنوره وضيائه وهداه.



 
4




الأحد، 21 أبريل 2013

المصالح الحيوية للدول



المصالح الحيوية للدول


المصالح هي عبارة عن حاجات ورغبات للدول ذات السيادة تتعلق بمجالها
الخارجي ، تدركها وتحددها القيادات الحاكمة في تلك الدول . وتقسم هذه المصالح إلى : مصالح حيوية ومصالح مهمة ومصالح ثانوية ، وكلها تتعلق بالدول حصراً و لا تتعلق بالمنظمات ولا بالأفراد ، ولذلك يسمونها بالمصالح القومية ، وان كانت المصالح حيوية فتسمى بالمصالح العليا للمجتمع.
وتقسم المصالح الحيوية بحسب المفاهيم الغربية إلى أربعة أقسام هي:
1- المصلحة الدفاعية: و تتعلق بحماية الدولة من أي تهديد خارجي ، وتعتبر هذه المصلحة الأهم والأكثر تأثيرا من سائر المصالح الأخرى بل وتؤثر تأثيرا بيّنا عليها فلا تقوم تلك المصالح إلا بها وعادة ما يستخدم مصطلح الأمن القومي للدلالة عليها.
2- المصلحة الاقتصادية : و تتعلق بغنى الدولة وزيادة ثرائها ووفرة مواردها وعليها تعتمد المصلحة الدفاعية بالدرجة الأولى.
3- المصلحة العقائدية: وهي مجموعة القيم والأفكار التي تؤمن بها غالبية السكان في الدولة ، أو تؤمن بها المجموعة الأكثر تأثيرا ً فيها فيوجد لديهم إكبار لها بحيث يدافعون عنها لاعتقادهم بصلاحيتها.
4- المصلحة الدولية: وهي مصلحة تتعلق بالنظام الدولي التي تؤمن الدولة بضرورة الانضواء تحته ضمن إطار دولي معين أو تكتل دولي يساعد في حفظ أمنها.
إن هذه المصالح الحيوية التي تُعنى بما يسمونه بالأمن القومي والذي تتكفل المصلحة الدفاعية بتوفيره لا ينطبق إلا على الدول ذات السيادة ،وبالتالي فيخرج منها الأقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي، كما يخرج منها أي أقاليم ناقصة السيادة، ويخرج منها كذلك منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية. وهذه المصالح الحيوية الأربع غالبا ما تكون ثابتة وغير قابلة للتغير والتبدل ، وتقوم الدول بصياغة الاستراتيجيات لتحديدها و لتثبيتها وللحفاظ عليها.
والإستراتيجية في الأصل كلمة يونانية تعني القائد أو فن القيادة العسكرية، ويمكن تعريف الإستراتيجية كاصطلاح بأنها تعني استخدام القوة العسكرية بالفعل أو بالتهديد لتحقيق الأهداف السياسية وإذا أردنا توسيع التعريف فنقول بأنها تعني استخدام القوى العسكرية وكل أنواع القوى الأخرى المتوفرة لدى الدولة لتحقيق الأهداف السياسية المرجوة.
وتوضع الاستراتيجيات عادة لتطبق على مراحل ، أو لتطبق على التراخي لتصل في النهاية إلى الأهداف المحددة المرسومة، وبمعنى آخر فهي خطط بعيدة المدى تهدف إلى تحقيق الأهداف العليا للدولة التي وضعت لحفظ تلك المصالح.
ولو أخذنا مثالين لإستراتيجيات الدول ولمصالحها بحيث يتعلق أحدهما بأميركا ويتعلق الآخر بالإسلام ودرسنا الأهداف الإستراتيجية لكليهما، ولاحظنا من خلال هذه المقاربة كيفية نصرف الدول الكبرى وكيفية تحديد الدول لمصالحها وكيفية وضعها للإستراتيجيات لوجدنا أن المبدأ وبغض النظر عن صحته أو فساده هو فقط الذي يتحكم بتلك الكيفيات.
أما بالنسبة لأميركا فإن أهدافها الإستراتيجية في الستين سنة الماضية والتي حدّدتها قياداتها المتعاقبة يمكن حصرها في خمسة أهداف هي:
1.     حماية أرضها وحدودها وفضائها.
2.     فرض حرية التجارة على العالم للوصول إلى المواد الخام العالمية وعلى رأسها البترول.
3.     نشر القيم الرأسمالية كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق.
4- إضعاف خصومها والهيمنة على حلفائها وشركائها.
5- احتكار تكنولوجيا المعلومات بقدر الإمكان لاستمرار التفوق على جميع دول العالم في المجال العسكري وفي الصناعات المتطورة جداً.
وفي سعيها لتحقيق تلك الأهداف استخدمت أمريكا وسائل سياسية كصناعة شعارات الإرهاب والأصولية والتطرف وانتهاك حقوق الإنسان وما شاكلها، واستخدمت وسائل اقتصادية كالمعونات والمساعدات أو كالعقوبات والحصار، واستخدمت وسائل عسكرية كالحروب المباشرة أو كالحروب بالوكالة.
ولو استعرضنا أهم الاستراتيجيات الأمريكية الفعلية التي صيغت بعد الحرب العالمية لثانية لوجدناها عبارة عن خطط متوسطة أو بعيدة المدى، وغالبا ًما اقترنت بأسماء الرؤساء الأميركيين لأهميتها وسميت بالمبادئ وهي:
1- مبدأ ترومان عام 1947
ويُعتبر أول خطة احتواء استخدمتها أمريكا ضد أوروبا حيث تدخلت اقتصاديا من خلال خطة مارشال فسيطرت بها على اقتصاديات الدول الأوروبية المنهارة ، وتدخلت عسكريا من خلال تأسيس قواعد عسكرية ضخمة لها في معظم الدول الأوروبية بزعم حمايتها من الشيوعية. ثم كانت النقطة الرابعة في العام 1949 امتدادا لخطة مارشال في اليونان وتركيا وإيران ، ثم تبعها في العام 1950 تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري للدولة اليهودية من أجل ربطها بها وإبعادها عن بريطانيا وفرنسا بشكل تدريجي.
2- مبدأ إيزنهاور عام 1957
تضمن هذا المبدأ نفس معاني الاحتواء التي جاءت في مبدأ ترومان من حيث تقديم المساعدات المختلفة إلى دول كثيرة في القارات الخمس لربطها بها، وأضيف إليه التمهيد والاستعداد للتدخل الأميركي المباشر في حروب إقليمية كحرب فيتنام ، بحيث يتجاوب هذا المبدأ مع واقع توازن القوى بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة السائد في ذلك الوقت.
3- مبدأ نيكسون عام 1969
ظهر هذا المبدأ بعد استنفاذ حرب فيتنام لأهدافها وبعد حالة الوفاق التي سادت العلاقات بين العملاقين وتململ الرأي العام الأمريكي ومن ثم رفضه لفكرة التدخل الأميركي المباشر ، فطرأ تعديل على مبدأ إيزنهاور بحيث تم إعطاء دور اكبر للدول الإقليمية في خوض الحروب ، ومن أبرز التطبيقات على مبدأ نيكسون حرب 1973وقد استمرت بالمشاركة الإقليمية الفاعلة محاولة تحقيق الردع والسيطرة من دون إرسال قوات.
4- مبدأ كارتر عام 1980
وهو من أهم المبادئ المتعلقة بالشرق الأوسط والخليج ، ويركز على السيطرة التدريجية على نفط المنطقة وردع السوفيت وإنهاك قواهم. وقد استمر السير على هذا المبدأ طيلة حكم ريغان وأوائل حكم جورج بوش الأب.
5- قاعدة التعددية الدولية مع التفوق الأميركي والتمهيد للقطبية الأحادية وهي التي سار عليها الرئيس بيل كلينتون ، حيث كان عهده مرحلة تحول من التعددية إلى الأحادية للوصول إلى التفرد والهيمنة.
6- سياسة القطبية الأحادية التي تبناها الرئيس الحالي جورج بوش وفريقه من جناح المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري ، وهي السياسة التي كرّست مفاهيم الهيمنة والتفرد، متخذة من محاربة الإسلام تحت مسمى محاربة الإرهاب حجر الزاوية في تطبيقاتها ، كما كرّست سياسة القطبية الأحادية مفاهيم تهميش دور الأمم المتحدة واستخدامها فقط في حالات تأييد السياسات الأمريكية ، وصاحبها في الجانب الاقتصادي التوسع في مفاهيم العولمة والخصخصة وتوظيف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية (الجات) وصولا ً إلى اقتصاد السوق ودمج الاقتصاديات المحلية في الاقتصاد العالمي ، وقد نتج عن هذه السياسة غزو أفغانستان تحت شعار مواجهة الإرهاب ، وغزو العراق بهدف السيطرة على آخر قطرة من النفط في العالم.
ولقد رضخت أوروبا لهذه الإستراتيجية الأميركية ، فقد وقّع رومانو برودي في 26/6/2003 بوصفه رئيسا للمفوضية الأوروبية ومعه رئيس وزراء اليونان التي كانت ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي وقّع على وثيقة أملاها الأمريكان على الأوروبيين بحيث تجعل من السياسة الأوروبية لصيقة بالسياسة الأمريكية ،وتضمنت هذه الوثيقة أربعة بنود وهي:
1.     مكافحة الإرهاب.
2.     موافقة السياسات الأوروبية للسياسات الأمريكية بكل ما له علاقة بالأزمات الإقليمية.
3.     مكافحة الانتشار النووي.
4.     مكافحة الجريمة المنظمة.
وبشكل عام يمكن تلخيص الأسس التي بنيت عليها الاستراتيجة الأمريكية الحالية بسبعة أمور هي:
1.     الحفاظ على القوة والتفوق العسكري باعتبارهما المعيار الوحيد عندها لاستمرار التفوق والهيمنة.
2.     حمل فكرة الليبرالية الرأسمالية إلى العالم كثقافة .
3.     الاستمرار في محاربة الإسلام تحت شعار مكافحة الإرهاب لأنه البديل الحضاري الأخطر الذي يهدد أمريكا .
4.     نشر الديمقراطية والتعددية السياسية بالمقاييس الأمريكية.
5.     استخدام حلف الناتو في حروب أمريكا الاستباقية الحاضرة والمستقبلية .
6.     ترويج العولمة والخصخصة وتعميمهما على كل دول العالم .
7.     السطو عل البترول ومصادر الطاقة المتجددة .
هذه هي الإستراتيجية الأميركية النابعة من المبدأ الرأسمالي وهذا هو فهمها لمصالحها الحيوية وهي مثال للدولة الأولى في عالم اليوم الذي ُيحكم بالرأسمالية.
وأما المصالح الحيوية للمسلمين فإن وجودها يستوجب أولاً وجود دولة إسلامية تحددها وتحفظها ، والله سبحانه وتعالى يقول " يا أيها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم " فالاستجابة للإسلام فيها حياة لمن يستجيب له ، والمصالح التي يجب تلبيتها بهذه الاستجابة لا شك بأنها مصالح حيوية لان فيها إحياء وحياة ، ولو حاولنا من هذا المنطلق السياسي تحديد مصالح الأمة الإسلامية الحيوية في هذه الأيام لوجدناها تتمثل في المصالح الآتية:
1- وجود قاعدة مجتمعية إسلامية راسخة يُعبر عنها من خلال إيجاد منظومة "جماعة المسلمين" والحرص الشديد إبراز حقيقتها الشرعية من حيث جوهرها ومظهرها، والمحافظة على دوام استمرارها،وبذل أقصى ما في الوسع لعدم فقدانها ، والأدلة عليها كثيرة منها:
1.     " من مات مفارقا للجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من نفسه " البخاري .
2.     " ... فان من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية " مسلم .
3.     " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات ، مات ميتة جاهلية " مسلم .
4.     في حديث الدعاة على أبواب جهنم ورد " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، فقلت فان لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " مسلم .
وإيجاد مفهوم جماعة المسلمين يعني في الحقيقة إيجاد الخليفة المبايع مبايعة شرعية من المسلمين في دار العدل، أي أنها تتضمن ثلاثة عناصر هي : الخليفة والمسلمون المبايعون والبيعة ، و الجماعة بهذا المفهوم هي من أهم المصالح الحيوية للأمة الإسلامية على الإطلاق، لان بوجودها توجد الدولة التي تحدد ا لمصالح ، وبانتفائها لا قيمة لتحديد المصالح .
2.         تحكيم الإسلام في العلاقات داخل دار الإسلام وأدلتها كثيرة منها :
1.     قوله تعالى " وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك "المائدة 49
2.     قوله تعالى " يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فان تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " النساء 59
3.     أحاديث الصحيفة ومنها :
1.     " وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شيئ يُخاف فساده فان مرده إلى الله عز وجل والى محمد رسول الله " .
2.     " وانه لا يخرج منهم احد إلا بإذن محمد " .
3.                 وحدة المسلمين " وحدة الدار والدولة والجماعة"، وحمايتها، ومن أدلتها :
1.     قوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " آل عمران 3
2.     قوله عليه الصلاة والسلام " ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين " .
3.     حديث " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ".
4.     حديث عرفجة " من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد منكم يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " مسلم .
5.     إجماع الصحابة على بيعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
4.                 حماية كل من يعيش داخل دار الاسلام ، والادلة على ذلك :
1.     قوله تعالى " المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " .
2.     حديث " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناها ، فمن اخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " البخاري.
3.     حديث " المدينة حرم فمن احدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف وذمة المسلمين واحدة... " مسلم .ولفظ "المدينة الحرم " إنما تُعبر عن الدولة والدار .
4.     فتح الرسول عليه الصلاة والسلام مكة بسبب نقض قبيلة بنو بكر المتحالفة مع قريش الذمة .
5.     وما أورده الماوردي في الأحكام السلطانية وما ورد في الحاوي عن الرسول r أنه قال: "منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها".
6.     حماية أهل الذمة كما جاء في الوثيقة : " وانه من تبعنا من يهود فان له النصر والأسوة " بمعنى أن من تبعنا وهو الذي يملك التابعية للدولة فعلى الدولة حمايته، ومعاملته بالأسوة، كما يعامل المسلم سواء بسواء ، ويطبق عليه الإسلام، ويُنصر، ويُمنح الامان .


5.                 حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم عن طريق الجهاد وأدلتها كثيرة منها:
1.     قوله تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "
2.     ما ورد في الصحيفة " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم امة واحده من دون الناس ".
3.     وأيضا ما جاء في الصحيفة " وان سلم المؤمنين واحدة " وهذا معناه أن حربهم واحدة.
4.     القول المأثور " ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا ".
6.                 إحسان تطبيق الإسلام من قبل الحاكم على الرعية:
ومن أدلة الإحسان:
1.     " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل الجنة " مسلم.
2.     " ما من وال يلي رعيته من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا ّحرّم عليه الجنة " البخاري.
وبإحسان تطبيق أحكام الإسلام يشعر الناس بالعدل فيدافعون عن دار الإسلام ودولة المسلمين ويطيلون من عمرها، وأما إساءة تطبيق أحكام الإسلام فتؤدي إلى الثورات والتمرد والانشقاق وهدم الدولة ، وهذا ما حصل مع الدول الأموية والعباسية والعثمانية التي كان من أهم أسباب انهيارها إساءة تطبيق الإسلام .
7.                 العمل على هدم القوانين الدولية والمنظمات الدولية ومن أدلتها:
1.     استخدام الرسول للأعراف الدولية في علاقاته مع الفرس والروم وغيرهم من الدول التي كانت قائمة في زمانه كحصانة السفراء المستنبطة من قوله : " لو كنت قاتلا رسلا لقتلتكما" ويقصد رسولي مسيلمة.
2.     حلف الفضول وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لمعانيه مع أنه حدث قبل البعثة فقال: "لو دعيت إليه لأجبت".
هذه هي أهم سبعة مصالح حيوية في الإسلام ، وعلى السياسيين والأحزاب والعلماء والمفكرين تحديدها وإدراكها وشرحها للناس من اجل تحويلها إلى رأي عام كاسح في الأمة يتحول إلى وعي عام يساعد في بناء الدولة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية وتطبيق الإسلام تطبيقاً انقلابياً شاملاً ومواجهة الكفار وعملائهم من أعداء الأمة.
وتُصاغ الاستراتيجيات للدولة الإسلامية للحفاظ على هذه المصالح وتّستخدم كل قوى الأمة من اجل تحقيق الأهداف التي تحفظها.