السبت، 17 نوفمبر، 2012

الفصل بين السلطات أساس النظام الديمقراطي


الفصل بين السلطات أساس النظام الديمقراطي

لا يوجد نظام حكم ديمقراطي في العالم يخلو من وجود ثلاث سلطات منفصلة عن بعضها البعض ولو نظرياً على الاقل. فقاعدة الفصل بين السلطات في الديمقراطية قاعدة أساسية في الحكم ولا يُسمى نظام الحكم بالديمقراطي إلا إذا وجدت مثل هذه القاعدة.
والمعنى السياسي لهذه القاعدة يقصد به أن لا يتم الجمع بين السلطات في يد شخص واحد أو هيئة واحدة وذلك لتفادي الحكم الاستبدادي على ما يرون، وهذا يقتضي أن يتم توزيع وظائف وسلطات الدولة العامة على عدة جهات مختلفة ليوجد التوازن فيما بينها فلا تطغى واحدة منها على الأخرى.
وأصل الفكرة في الغرب آتية منذ أيام الإغريق،  فأفلاطون يرى أنه لكي تنجح الدولة بالقيام بوظيفتها وتحقق أهدافها فيجب عليها أن تفصل أعمالها وتوزعها على عدة هيئات تباشر هذه الأعمال.
وبدأت الفكرة بالتبلور في بلاد الغرب على يد (جون لوك) والذي وضّحها في كتابه [الحكومة المدنية] الذي أصدره في العام 1690 فوضع أسس هذه النظرية وقسّم سلطات الدولة إلى سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة اتحادية، بحيث تكون السلطة التشريعية مختصة بسن القوانين، وتكون السلطة التنفيذية خاضعة للسلطة التشريعية مع ضرورة أن تنفصل كل منهما عن الأخرى بينما تكون السلطة الاتحادية هي المسؤولة عن الشؤون الخارجية كإعلان الحرب وإبرام المعاهدات.
وأضاف (لوك) سلطة أخرى سمّاها سلطة التاج وهي التي تحتفظ بمجموعة الامتيازات التي يختص بها الملك أو ما يُسمى بالتاج البريطاني.
لكن (جون لوك) منح الملك صلاحيات كبيرة منها السلطة القضائية ولم يمنح البرلمان إلا صلاحيات محدودة وبالتالي كانت نظرية الفصل بين السلطات عنده ناقصة وهي أقرب إلى أن تكون تمييزاً بين الوظائف أكثر منها فصلاً بين السلطات.
ثم تطورت هذه النظرية على يد (مونتسكيو) الذي قسّم وظائف الدولة إلى ثلاث: الوظيفة التشريعية وهي سلطة صنع القانون، والوظيفة التنفيذية وهي سلطة تنفيذه، والوظيفة القضائية وهي سلطة البت في الخلافات التي تنشا عن مخالفة أحكامه.
فوزع (مونتسكيو) وظائف الدولة إلى ثلاث سلطات بشكل واضح، وأكّد على ضرورة الفصل بين هذه السلطات الثلاث، فحرم الحاكم من سيطرته على السلطة القضائية وأعطى لكل سلطة الاستقلالية التامة عن الأخرى، ومنحها حق مراقبة السلطات الأخرى لمنع الاعتداء والتجاوز فيما بينها.
وهكذا تشكل النظام الديمقراطي على أساس هذه القاعدة التي كانت بمثابة جوهر النظام وعلة وجوده.
ثم ظهرت تيارات فكرية في نظام الحكم الديمقراطي اختلفت فيما بينها حول أساليب وآليات الفصل بين السلطات ولكنها لم تختلف على مبدأ الفصل نفسه، ثم وجد شكلان اساسيان لنظام الحكم القائم على قاعدة الفصل هذه وهما:
1-  الفصل المطلق ويغلب عليه النظام الرئاسي كما هو الحال في فرنسا وأمريكا.
2-  الفصل المرن ويغلب عليه النظام البرلماني كما هو الحال في بريطانيا.
وقد رأى المفكرون الغربيون أن قاعدة الفصل بين السلطات هي الضمانة الوحيدة لصيانة الحريات ومنع الاستبداد وإيجاد دولة سيادة القانون وضمان مراعاة المساواة بين المواطنين واحترام حرياتهم وحقوقهم. وقد تم تضمين هذه القاعدة ضمن قوانين الأمم المتحدة في إطار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وهكذا فُرضت هذه الفكرة على العالم، وأصبحت  قاعدة الفصل بين السلطات في الحكم فكرة عالمية وعرف عالمي يصعب على معظم الدول التخلي عنها، ولا يتم تجاوزها إلا إن وجد نظام فردي ديكتاتوري مستبد لا يأبه لارادة شعبه.
وبهذه الفكرة تم تضليل العالم بأنه لا يوجد أمامه أي خيار بعيداً عن فكرة الفصل بين السلطات إلا خيار الدكتاتورية والاستبداد، فكان على العالم ان يختار بين نمطين من الحكم لا ثالث لهما: امّا الفصل بين السلطات ضمن النظام الديمقراطي واما الجمع بين السلطات ضمن النظام الدكتاتوري ولا يوجد نظام غيرهما.
وبسبب غياب الدولة الإسلامية وتغييب نظام الحكم الإسلامي من الوجود، ونظراً لانحطاط العالم الإسلامي سياسياً فقد تقبل الكثير من المفكرين والفقهاء المسلمين فكرة الفصل بين السلطات، وراحوا يؤولون النصوص الشرعية بما يجعلها تتماشى مع هذه الفكرة، وزعم بعضهم أن الإسلام هو أول من دعا إليها، وأنّه طبّقها قبل الغرب بمئات السنين.
ولا يوجد اليوم أي نظام في العالم بما فيه العالم الإسلامي إلا ويلتزم بوجود السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ويلتزم بضرورة الفصل بين هذه السلطات ولو نظرياً على اقل تقدير.
وقد شاهدنا مؤخراً بعد اندلاع الثورات العربية كيف تم إبراز الفصل بين هذه السلطات بشكل فعلي  وذلك كما حدث في مصر، عندما تمكن المجلس العسكري في مصر من استغلال السلطة القضائية المتمثلة في المحكمة الدستورية العليا وجعلها تقوم بدور كبير في الحياة السياسية فقامت بحل مجلس النواب المنتخب وقامت بإلغاء لجان دستورية منتخبة من المجلس. وكل ذلك جرى وفقاً لقاعدة الفصل بين السلطات واحترام صلاحيات تلك السلطات.
ومن ابرز مظاهر الفصل الردئء بين السلطات ما وقع في مصر من عجز الرئيس المصري محمد مرسي عن اقالة النائب المصري العام عبد المجيد محمود بالرغم من ان اقالته كانت على راس مطالب الثورة وبالرغم من انه مازال يدافع عن فلول النظام ويمنع من اجراء محاكمات عادلة لهم.
وفي الباكستان وجدنا أن السلطة القضائية قامت بتنحية رئيس الوزراء يوسف جيلاني، كما قامت من قبل بإسقاط رؤساء وزراء عديدين وتهدد الآن بإسقاط الرئيس نفسه.
إن قاعدة الفصل بين السلطات في اي نظام حكم توجد عدة قوى سياسية  داخل الدولة، وتتحول الدولة بموجبها إلى عدة دول متنافسة متناحرة متباغضة وهو الأمر الذي يضعفها ويهدد وجودها.
وقد استطاع الغرب بما اكتسبه من خبرة طويلة أن ينظم العلاقات بين تلك السلطات واستطاع أن يرسي نظاماً توافقياً إلى حد ما بين تلك السلطات.
ولكن دهاة الغرب من السياسيين ودهاقنته قاموا بايجاد مراكز قوى تتستر بالقانون وتتكون من تكتلات الأثرياء والشركات والعائلات الأرستقراطية العريقة فقامت بحشد قواها وجاءت بممثليها في السلطات الثلاث وتحكمت بالدولة،، وحقّقت أهدافها في السيطرة على السلطة والثروة باسم القانون.
أما في البلدان الإسلامية وبلدان العالم الفقيرة فقوى الجيش في الغالب هي التي تقوم بالتحكم في السلطات الثلاث مستعينة في ذلك بالقوى الاستعمارية الكبرى.
لا شك أن هذا النظام القائم على الفصل بين السلطات نظام فاسد يتناقض تماماً مع نظام الحكم الإسلامي. فهو يوجد الميوعة والتناقض في نظام الحكم لما فيه من ثغرات تستطيع بكل بساطة أن تتسلل القوى المختلفة من خلالها لتسيطر على الدولة بسهولة ويسر.
إن البديل الوحيد لهذا النظام الفاشل هو نظام الحكم الإسلامي الذي يمنح كل السلطات للخليفة المبايع من قبل الأمة فهو يجمعها كلها بيده ولا يوزعها بين القوى المتصارعة، فإذا ما ظهر في الخليفة عجز أو عيب في أدائه عزلته الأمة صاحبة السلطان وجاءت بآخر ينوب عنها في الحكم.
وبذلك تكون الدولة متجانسة لا يوجد فيها مراكز قوى تتنافس وتتشاحن وتتصارع على السلطة فيتمكن الانتهازيون والوصوليون وأصحاب الثروة والجاه من الوصول إلى الحكم تحت اسم تعددت السلطات والفصل فيما بينها.
فالسلطة في الإسلام واحدة، والحكم في الدولة الإسلامية مركزي وإن كانت الإدارة لا مركزية، والقائمون على أجهزة الدولة في الإسلام هم معاونون للخليفة في الحكم والإدارة وليسوا شركاء معه. فالحاكم واحد وهو الخليفة المبايع ولا يوجد من ينازعه الحكم. وبذلك تكون الدولة في الإسلام مستقرة ومنسجمة مع نفسها، وتكون قراراتها قوية، وإجراءاتها فعّالة. فلا انقسام ولا تشاحن فيما بين أجهزتها وتكويناتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق