الأربعاء، 29 نوفمبر 2023

روسيا تعلن عن رغبتها في إنشاء هيئة عسكرية في افريقيا لمواجهة النفوذ الغربي

روسيا تُعلن عن رغبتها في إنشاء هيئة عسكرية في إفريقيا لمواجهة النفوذ الغربي

ظهر مُنذ عدة أشهر تعاون عسكري واضح بين السلطات الروسية وبين خليفة حفترالحاكم العسكري لمنطقة شرق ليبيا، وذلك بهدف إنشاء فيلق عسكري روسي في أفريقيا، وقد قام نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك إيفكوروف بزيارة إلى ليبيا بدعوة من حفتر، وتُعد هذه الزيارة - وفقاً لوزارة الدفاع الروسية - هي أولى ثمار المحادثات الروسية الليبية في مؤتمر موسكو الدولي الـ11 للأمن والمنتدى العسكري التقني ومنتدى الجيش في بطرسبورغ في آب من العام الجاري 2023، وتهدف هذه الزيارة لإيفكوروف ترتيب مُهمّة التنفيذ العملي للاتفاقيات الروسية الليبية التي تم التوصل إليها في إطار المؤتمر المذكور.
 وذكر بيان روسي عن الكرملين أنّ المعارضين الرئيسيين لروسيا في القارة السوداء هم الولايات المتحدة وحلفاؤها في النات بما في ذلك فرنسا، وذكرالبيان بالنص: "ستعمل وزارة الدفاع الروسية على مواجهة النفوذ الغربي وتعزيز مكانة موسكو في أفريقيا، وسيتعين على الفيلق الأفريقي الروسي إجراء عمليات عسكرية واسعة النطاق في القارة لدعم البلدان التي تسعى إلى تحرير نفسها أخيرًا من التبعية الاستعمارية الجديدة، وتطهير الوجود الغربي وتحقيق السيادة الكاملة".
إنّ سعي روسيا لانشاء هيئة عسكرية تكون بمثابة قوة ردع لروسيا في افريقيا، أو لتكوين فيلق عسكري مُتكامل يكون مُخصّصا للقارة الافريقية، ويكون مُشابهاً للقوة العسكرية الأمريكية افريكوم يُعتبر من ناحيةٍ نظرية إنجازاً استراتيجياً كبيراً، وله قيمة كبيرة فيما لو ظهر له آثار على الارض، أو لو كان سعياً ذاتياً خاصاً بالدولة الروسية لوحدها، ولكن ما يجعله جهداً عبثياً ضائعاً لا وزن له على أرض الواقع، وما يجعله مُجرد مُحاولة إعلامية روسية فاشلة لا تُشكّل أي خطر على القوى الدولية التي لها تأثير في افريقيا الأمور التالية:
1 – لم تظهر أية أخبار جدية عن هذا الموضوع في وسائل الاعلام المشهورة، فلم يتم تداولها، ولا تسليط الضؤ عليها، وهو ما يدل على عدم جدية الاعلان عنها لأنّها لو كانت جدية لما تجاهلتها تلك الوسائل، والغريب أنّه لم يتم الاعلان عن هذه الهيئة بشكلٍ صريح الا في مناسبة واحدة، وهي زيارة نائب وزير الدفاع الروسي الى ليبيا بدعوة من خليفة حفتر، وكأنّ خليفة حفتر هو الذي يُشجّع الروس على الاعلان عن هذه الهيئة الوهمية.
2 – وإذا علمنا أنّ حفتر هذا هو رجل مخابرات أمريكي منذ خمسين عاما، وعلاقته حالياً وثيقة بعملاء أمريكا وبريطانيا كحكام مصر والسعودية والامارات فهذا دليل على انّ روسيا دولة هزيلة وضعيفة كونها تعتمد في الاعلان عن مشروع يتعلق بأمنها القومي على مثل هذه النوعية من الرجال.
3 – لو كانت روسيا جادة في انشاء مثل هذه الهيئة لأنشأتها منذ بدء توسع نشاطاتها في افريقيا خاصة في عهد رئيس مجموعة فاغنر الراحل يفغيني بريغوزين الذي أعطى زخماً قوياً للنشاط الروسي في القارة الافريقية آنذاك، والذي بعد موته ظهر ضعف واضح لروسيا في افريقيا، وتراجعت نشاطاتها العسكرية كثيراً في افريقيا.
4 – إنّ روسيا ومع كل نشاطاتها العسكرية في إفريقيا فهي لا تملك حتى الآن قاعدة عسكرية ثابتة واحدة فيها، وعجزت حتى الان عن اقامة قواعد عسكرية صغيرة ولو محدودة، بينما دول كالصين وتركيا والامارات وهي دولاً اقليمية وتابعة تملك قواعد عسكرية في افريقيا.
5 – إنّ انشغال روسيا في مستنقع حربها في أوكرانيا أضعفها كثيراً واستنزفها وأشغلها عن التوسع خارج مجالها الاقليمي الحيوي فيما لو رغبت في ذلك.
6 – ما زال الوضع الاقتصادي الروسي الضعيف أصلاً يزداد ضعفاً وهو ما لا يسمح لها باقامة هيئة عسكرية قارية مُوازية للافريكوم الامريكية.
7 – إنّه ومُنذ الاعلان عن رغبتها في التوسع العسكري في افريقيا الذي ظهر في المؤتمر الروسي الافريقي في بطرس بورغ قبل ثلاثة أشهر لم يترجم ذلك الاعلان منذ ذلك الوقت بأي عمل مادي على الأرض، ولم تظهر له أية بوادر روسية جدية تدل على البدء في تطبيقه، أو حتى وضع مُخطّطات له.
صحيح أنّ المؤسسة العسكرية الروسية كانت قد قامت بتوطيد علاقاتها مع نظيراتها الإفريقية مُنذ عام 2015 فوقّعت إحدى وعشرين اتفاقية عسكرية مع دول من بينها: أنغولا، وبوتسوانا، وبوركينا فاسو، وتشاد، وإثيوبيا، وغينيا، ومدغشقر، ونيجيريا، والنيجر، وسيراليون، وتنزانيا، وزيمبابوي، وصحيح أنّ الدولة الروسية استخدمت مجموعة فاغنر في تدخلاتها في عشر دول افريقية وهي: السودان وإفريقيا الوسطى وليبيا وزيمبابوي وأنغولا ومدغشقر وغينيا وغينيا بيساو وموزمبيق والكونغو الديمقراطية، صحيح ذلك كله، ولكن كل هذه العلاقات والنشاطات العسكرية الروسية الكثيرة في افريقيا لا تزيد عن كونها نشاطات (ميليشياوية) أكثر من كونها نشاطات دول كبرى.
وقد لوحظ أنّ أوسع نشاط عسكري لروسيا في افريقيا ضد القوى المنافِسة الدولية لها كان ضد فرنسا بشكل خاص، وفي دول غرب ووسط افريقيا بشكل أخص، وهذا يدل على أنّها لا تخدم المصالح الروسية على المدى البعيد، بل تخدم - من ناحية فعلية - المصالح الأمريكية الآنية كونها أسهمت في زعزعة الوجود الفرنسي في افريقيا، كما حصل من خلال الانقلابات العسكرية ضد فرنسا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وبالتالي كان ذلك النشاط العسكري الروسي عاملاً من العوامل التي ساهمت في الضغط على فرنسا للقيام بإجلاء قواتها من مستعمراتها السابقة، وهذا بلا شك أفاد الوجود الامريكي في افريقيا، والذي أصبح يحل محل الوجود الفرنسي في القارة الافريقية عموماً.
وكما قلنا أعلاه فإنّه مع كل هذا النشاط الروسي العسكري في افريقيا فإنّ روسيا لم تتمكّن من بناء قواعد عسكرية أو ايجاد أوضاع عسكرية ذات قيمة في افريقيا مُقارنة بأمريكا وفرنسا، فأمريكا مثلاً تمتلك 34 قاعدة عسكرية في افريقيا، وفرنسا تمتلك 16 قاعدة، بينما روسيا لا تملك الا عناصر فاغنر ومستشارين روس، وهي تبيع الأسلحة الروسية للدول الافريقية، لكنّ هذه الأدوات وما يُشابهها لا تنفع ولا تكفي في ايجاد نفوذ دولي استراتيجي.
وأخيراً نقول إنّ أمريكا قد كشفت بصراحة أنّها لا تخشى الوجود العسكري الروسي في افريقيا كما تخشى الوجود الصيني، ولعل أوضح تعبير في هذا السياق ما ذكره الجنرال ستيفن تاونسند قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) في إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس في حديثه عن المنافسة الروسية والصينية لبلاده في إفريقيا فقال:"أنا أقل قلقًا بشأن المنافسة الروسية.. أعتقد أنهم [الروس] أقل أهمية بالنسبة لي على المدى الطويل مقارنة بالصين. الصين هي مصدر القلق اليوم وعلى المدى الطويل".

الجمعة، 17 نوفمبر 2023

ترامب يفجر فضيحة مدوية تكشف حقيقة العلاقات بين أمريكا وايران

ترامب يُفجّر فضيحة مُدوّية تكشف حقيقة العلاقات بين أمريكا وإيران 


 
كشف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن طبيعة العلاقة اليومية التي كانت موجودة بين القيادات الايرانية في العراق وبين المسؤولين العسكريين الأمريكيين، وأوضح مدى حجم التنسيق بين الطرفين، وما ترتب عليه من خنوع النظام الايراني للاحتلال العسكري الأمريكي في العراق خنوعاً تامّاً، وهو ما عكس حالة من التبعية الايرانية الصريحة للسيّد الأمريكي في العلاقات الديبلوماسية والعسكرية بينهما.
وكان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد كشف يوم الثلاثاء 7 – 11 - 2023 وتناقلتها وكالات أنباء عديدة، ومنها حقيقة ما جرى بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وما حصل من قيام النظام الإيراني باستئذان الرئيس ترامب بالرد على عملية الاغتيال لحفظ ماء وجهها، وخشيتها من رد فعل أميركي أقوى، وذلك بحسب ما ذكر ترامب الذي كان يتحدث في شؤون انتخابية في ولاية تكساس بمدينة هيوستن الأميركية فنقلت الـ بي بي سي قول ترامب بما يلي:" قمنا بتخريب بعض الرادارات، وبعدها قتلنا سليماني، لقد كان عليهم أن يردوا لحفظ ماء وجههم، وهذا أمر طبيعي، ثم أبلغونا أنه سيتم إطلاق 18 صاروخاً على قاعدة أميركية في العراق (عين الأسد) لكنها لن تستهدفها مباشرة، بل ستستهدف فقط محيط القاعدة".
وأكّد ترامب ان أي جندي أميركي لم يصب بأذى في القصف الايراني، وأوضح أنه ذكرهذه القصة (السر) لأول مرة من أجل (إثبات احترام أميركا)، وادّعى بأنّ إيران في عهد بايدن لا تحترم الولايات المتحدة كما كانت تحترمها في عهده.
لم يأبه ترامب بفضح إيران على الملأ، وبذكره هذه القصة، لأنّ كل همّه كان الدعاية الإنتخابية لشخصه ولحزبه، ولو على حساب كشف تبعية ايران لأمريكا.
فهذه القصة التي رواها ترامب عن استئذان ايران لقصف محيط قاعدة عين العرب قصفاً شكلياً لحفظ ماء الوجه، هي في الواقع فضيحة سياسية لايران ولموقعها في محور المُقاومة، وهي كشف واقعي لطبيعة العلاقات العميقة بين امريكا وايران، وبيان أنّ العداء بينهما موجود فقط في وسائل الاعلان.
إنّ سياسة الدجل الايراني هذه تؤكّد أنّ الكلام عن قيادة ايران لمحور المُقاومة ما هو سوى مُزايدات ايرانية تُغطي بها حقيقة قيام ايران بطعن المُقاومة من الخلف، والدليل على ذلك أنّ هذه الحرب الشرسة التي تشنّها قوات دولة يهود على سكان غزة هي فرصة ذهبية لإيران بوصفها زعيمة محور المُقاومة لأنْ تتدخّل، وتُساعد فصائل المُقاومة - وهي في أمسّ حاجة للمُساعدة - لتمكينها من الثبات والصمود أمام تلك الحرب الضروس التي تستهدف وجودها وبقائها.
كانت إيران تُمنّي المُقاومة بأنّها سوف تتدخّل في المعركة لو دخلت دولة يهود في الحرب البريّة، وإنّها لن تتخلّى عنها إن وقعت تلك الحرب، وها هي بدأت الحرب البريّة، واجتاح جيش يهود قطاع غزّة، وقطّع أوصاله، وما زالت إيران تُمارس نفس  لعبتها المعهودة، فتُهدّد كلامياً، وتُثرثر إعلامياً، لكنّها لم تفعل شيئاً على أرض الواقع لنصرة غزة.
 وهكذا نجد أنّ محور المُقاومة الذي تتزعّمه ايران قد أثبت كذبه وزيفه، فحان أوان سقوطه، وإنّ سقوط قيادة أي مجموعة يستلزم معها سقوط المجموعة نفسها، فقد انتهى اليوم ما سمّي بمحور المقاومة، وبعد حرب غزة لن يكون له أي وجود.
فالمقاومة بالنسبة لإيران كانت دائماً لعبة سياسية تُمارسها، وليس عملاً مُقاوماً تتلبّس به، وهي تقوم بها كدور وظيفي ينحصر فقط في خدمة المصالح الأمريكية من خلال احتواء مجموعات المُقاومة، وحرف مسارها، وتوهين قواها، وكشف نقاط ضعفها، وجرّها إلى خوض معارك جانبية لإرهاقها وتشتيت قواها.
وبات واضحاً ما هي مادة هذه اللعبة الإيرانية والتي تتلخّص في إطلاق التصريحات النارية، وصياغة الفذلكات الكلامية التي يُراد بها رسم صورة وضّاءة لايران تُخالف حقيقتها المُظلمة، فمثلاً استبق الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي القمّة العربية الإسلامية في الرياض بالقول: إنّنا لا نريد كلاماً وإنّما نريد أفعالاً، وهو يعلم في قرارة نفسه أنّ هذه القمّة التي سيشارك هو فيها لا يخرج عنها شيئاً سوى الكلام.
ومثلاً عندما سُئل المندوب الإيراني في الأمم المُتّحدّة عن أحداث السابع من أكتوبر، وبعد أنْ تبرأ من أية علاقة لإيران بها، أجاب بأنّ ايران لو كانت مكان حماس فإنّها لا تفعل ما فعلته حماس في ذلك التاريخ.
هذه هي إيران، وهذه هي حقيقتها، إنّها مزيج من الكذب والتحايل والخداع، تتحدّث أمام الغرب بلغة، وتتحدّث أمام الشعوب الإسلامية بلغةٍ مُعاكسة تماماً.
والحقيقة أنّ الفضيحة التي فجّرها الرئيس الأمريكي ترامب بخصوص إيران تؤكّد طبيعة القيادة الايرانية المُتواطئة مع أمريكا دوماً، والمُرتبطة بها دائماً، وتُبيّن أنّها لا تختلف عن الدول العربية إلا بالشكل الخارجي، فإذا كانت الدول العربية تابعة لأمريكا والغرب ظاهراً وباطناً فإنّ إيران تابعة لأمريكا والغرب باطناً ومُعادية لهما ظاهراً.

الاثنين، 13 نوفمبر 2023

الرئيس الفرنسي يلعق تصريحات سابقة له عن غزة

الرئيس الفرنسي يلعق تصريحات سابقة له عن غزة!
 
 
الخبر:
 
تراجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اتصال تليفوني يوم الأحد الماضي بنظيره (الإسرائيلي) إسحاق هرتسوغ عن تصريحاته التي أدلى بها خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية يوم الجمعة الماضي - والتي أثارت ضجة داخل كيان يهود - فاتصل الرئيس الفرنسي بهرتسوغ وقال له إنّه "يدعم بشكل لا لبس فيه حق (إسرائيل) في الدفاع عن النفس"، وقال المتحدث باسم الرئاسة في كيان يهود إنّ "الرئيس ماكرون أوضح أنه لا يقصد إلقاء اللوم على (إسرائيل) لتعمدها إيذاء المدنيين الأبرياء في حربها ضد حماس، ولكن من المهم مواصلة البحث عن حلول للأزمة الإنسانية في غزة".
 
وكان الرئيس الفرنسي قد قال يوم الجمعة بشكلٍ لا لبس فيه: "إنّ القصف (الإسرائيلي) بات يستهدف المدنيين والنساء والأطفال، ولا مشروعية له، داعيا (إسرائيل) إلى التوقف عن ذلك"، وأضاف في مقابلة مع بي بي سي: "في الواقع، اليوم يتم قصف المدنيين، هؤلاء الأطفال، هؤلاء النساء، هؤلاء المسنين، يتعرضون للقصف والقتل، وليس هناك مبرر لذلك ولا شرعية، وندعوها لوقف إطلاق النار"، وأكّد على أنه: "لا يوجد مبرر للتفجيرات، وأن وقف إطلاق النار سيفيد (إسرائيل)".
 
التعليق:
 
لم يصمد الرئيس الفرنسي على تصريحاته المُندّدة بشدّة بقصف جيش دولة يهود للمدنيين في غزة لأكثر من أربع وعشرين ساعة! فبين يوم الجمعة ويوم الأحد انقلبت تصريحاته رأساً على عقب، وتراجع عن تحميل كيان يهود قصف المدنيين، كما تراجع عن الدعوة إلى وقف إطلاق النار بشكلٍ مُذلّ بعد أنْ أدرك حجم الغضب اليهودي عليه.
 
وجاء هذا التراجع بعد أن هوجم ماكرون بشدة من جانب رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو ووزراء حربه، حيث قال نتنياهو في تصريح مشترك مع غالانت وبيني غانتس، حسب ما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية: "لقد ارتكب ماكرون خطأً فادحاً، خطأ واقعياً وأخلاقياً".
 
فالرئيس الفرنسي في تصريحاته الأولى يوم الجمعة حاول أنْ يخرج قليلاً عن مواقف الدول الغربية الخانعة لأمريكا والمُمالئه لجرائم كيان يهود، وحاول أنْ يجد لدولته مكاناً فيه شيء من الاستقلالية، والابتعاد عن تلك المواقف المُساندة لدولة يهود بطريقةٍ فجّة، والتميّز عنها بشكلٍ من الأشكال، لكنّه ما إنْ خرج قليلاً عن الخط المرسوم حتى تلقى الصفعة فوراً من نتنياهو فأفقدته صوابه، وأعادته إلى رشده في السير باتجاه طريق الانحياز الأعمى لكيان يهود.
 
فهل فرنسا بهذه القيادة المهزوزة ما زالت دولة عظمى مُستقلّة؟! فإذا كانت عاجزة عن اتخاذ موقف مُستقل في قضية إقليمية صغيرة، فهل تملك التأثير الحقيقي في الموقف الدولي؟! وهل بقي لها وزن أصلاً في المسرح الدولي؟! فهي حتى لا تستطيع أنْ تكون في مُستوى دولة كالصين المعروف أنّها لا تأثير لها في منطقة الشرق الأوسط كفرنسا، ولكنّها مع ذلك لا تنجر انجرار فرنسا الأعمى لدعم دولة يهود.
 
إنّ هذا التراجع الفرنسي السريع عن موقف مبدئي حاولت فرنسا أنْ تتبنّاه في خضم هذا الصراع الشرق أوسطي يدل على أن فرنسا لا تعدو كونها دولةً ذليلة هزيلة، لا تستطيع أنْ تخرج عن محور السياسات الأمريكية، بل لا تجرؤ على مُجرد مُخالفتها.

الأربعاء، 30 أغسطس 2023

أبعاد صفقة أمريكا مع ايران

أبعاد صفقة أمريكا مع إيران
تمّ إبرام صفقة غريبة بين أمريكا وايران بوساطة قطرية أفرج بموجبها عن خمسة مواطنين امريكيين مقابل الافراج عن ستة مليارات دولار أمريكي من الأموال الإيرانية المُجمّدة في بنوك كوريا الجنوبية بسبب العقوبات الامريكية.
ووجه الغرابة في الصفقة كون المبلغ ضخم جداً ولا يتناسب مع قيمة الفدية المدفوعة لاطلاق سراح المساجين المُفرج عنهم والذين هم ليسوا من الأمريكيين الاصليين من وجهة نظر الساسة الأمريكيين المُتنفذين، فهم على أية حال ايرانيين ولسوا أمريكيين.
وأصرّت إدارة بايدن على تمرير الصفقة بالرغم من اعتراض دولة يهود الشديد عليها واعتراض اللوبي اليهودي في أمريكا واعتراض الكونغرس الامريكي على تلك الصفقة.
ولأنّ إدارة بايدن لا تستطيع تمرير الصفقة في الكونغرس بصورة قانونية قامت بتمريرها خلال استخدام صلاحيات الرئيس وذلك بتمرير صفقة وتفاهمات، وهذا يدل على مدى اهمية هذه الصفقة بالنسبة للإدارة الامريكية، وأهمية إيران وحكومتها بالنسبة للسياسين الأمريكيين الفاعلين.
وادّعت الادارة الأمريكية أنّ الصفقة ضرورية لها للأسباب التالية:
1 – اندراجها تحت استراتيجية الردع والضغط والديبلوماسية التي تنتهجها إدارة بايدن.
2 – كونها تُساهم في احتواء الصين وإفشال روسيا في أوكرانيا.
3 – الضغط على إيران لوقف بيع طائراتها المسيرة إلى روسيا.
4 – تخفيف حدة التوترمع ايران وإحياء محادثات اوسع نطاقاً معها حول برنامجها النووي.
وهذ المُبررات التي قدّمتها امريكا لتمرير الصفقة لا تُسهم إلا في تحسين وضع ايران الاقتصادي والسياسي ورفع مكانتها اقليمياً، وهو ما يتناسب مع كون ايران تسير في فلك أمريكا، وتُلبي الاحتياجات الأمريكية وتُساهم في زيادة النفوذ الامريكي في المنطقة، لذلك فأمريكا معنية بمساعدتها ورفع العقوبات عنها بمنحها المليارات من الدولارات لحاجتها الشديدة إليها لتخفيف أزمتها الاقتصادية الخانقة، ولتمكينها من القيام بلعب دورها المرسوم لها في المنطقة لخدمة المصالح الأمريكية على احسن وجه.
ولإكمال المسرحية بين أمريكا وإيران عبر هذه الصفقة قامت الحكومة الايرانية بإطلاق بادرة حسن نية من جانبها تتعلق بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم دون الستين بالمائة، وبالمُقابل وعدت امريكا بعدم فرض عقوبات جديدة على ايران.
ودافعت الخارجية الأمريكية امام مُنتقديها عن الصفقة بأنّ المبالغ المُفرج عنها هي أموال إيرانية مُستحقة لها من بيع النفط لكوريا الجنوبية، ورفضت الافصاح عن تفاصيل عملية إتمام صفقة تبادل السجناء مع ايران بحجة انّها ما زالت جارية.
وأمّا بالنسبة لكوريا الجنوبية فاستفادت هي الأخرى من الصفقة باعتبارها تابع مهم لأمريكا في الشرق الأقصى فكوفئت بمليار دولار امريكي جراء خفض قيمة عملتها أمام الدولار الأمريكي لأنّ اصل الصفقة سبعة مليارات فخسرت ايران ملياراً منها بسبب فرق العملة ذهب لصالح كوريا الجنوبية.
ولعل من أهم دلالات هذه الصفقة ضعف تأثير كيان يهود على إدارة بايدن، وتأكيد أهمية الدور الايراني في المنطقة بالنسبة لأمريكا، فهو دور لا غنى عنه بالنسبة لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط.
ويُفهم من هذه الصفقة انّ امريكا لا زالت اللاعب المُهيمن في العالم، فهي وحدها التي تُقُرّر فرض العقوبات على الدول وهي لوحدها التي تُقرّر رفع العقوبات عن الدول كما يحلو لها.
وهذه الصفقة أيضاً كشفت دور ايران المشبوه في التعاون مع أمريكا، وأظهرت أنُ الصراخ الاعلامي والسباب والتلاعن بين الدولتين هو مجرد طنين أجوف لا يؤثر في طبيعة العلاقات المصلحية بينهما.
إنّ الطريق الوحيد الصحيح في التعامل مع امريكا هو عدم التعاون معها تحت اي ظرف من الظروف، فهي دولة عدوة حاقدة ضد المسلمين، بل هي الدولة الأولى في العالم التي تُحارب الاسلام وتتآمر على المسلمين مع جميع أعداء الأمة الاسلامية، وتنتهك حُرُماتهم، لذلك يجب اتخاذ استراتيجية الحرب الفعلية معها، وعدم الانحناء لها مطلقاً كما يفعل حكام العمالة والخيانة معها هذه الايام، ويجب رفض التفاهم معها بأي أسلوب من الاساليب، ولأي سبب من الاسباب.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

سر العلاقة بين السعودية ولعبة الجولف

سر علاقة السعودية بلعبة الجولف

قامت السعودية في الآونة الأخيرة باستحداث بطولة رياضية جديدة غير معروفة على مستوى الجماهير، ولا يوجد لها أي حضور شعبي في المنطقة، ألا وهي بطولة الغولف، وقد تكفلت السعودية بدعم هذه اللعبة بكل بذخ، والتزمت بدفع مبلغ 100 مليون دولار بشكل دوري لتمويلها.

وبالتدقيق في هذا الخبر الغريب يتبيّن أنّ سر هذه العلاقة تقف وراءه أصابع رئيس أمريكا السابق دونالد ترامب الذي اعترف صراحة بحاجة منظمته للغولف لملايين الدولارات السعودية في مُقابل حاجة محمد بن سلمان لحمايته من السقوط وهذا ما دفعه لتبني هذه اللعبة المكلفة، فهو إذاً نوع جديد من الابتزاز الأمريكي لحكام آل سعود، وقد قال ترامب ذلك بوضوح: "إنّ كل الأغنياء الذين أعرفهم أموالهم محدودة، ولا يريدون أن يخسروا 100 مليون دولار لبقية حياتهم، وإنّ السعوديين على استعداد للإنفاق في هذا الشأن، ولديها جيوب غير محدودة"، وزعم أنّ: "السعودية تحب الغولف"!

فالسعودية التي استحدثت هذه البطولة التافهة ستنفق الملايين على أحداثها المغمورة التي وصلت إلى الحدث الثالث منذ تأسيسها في تموز/يوليو الماضي، وتُشكّل حلقاتها الكثيرة المُرهقة ما يُسمّى بسلسلة: "Live Golf Invitational" ويُشاركها نادي ترامب المعروف باسم بيد مينيستر
ولم تكتفِ السعودية بتمويلها لهذه البطولة وحسب، بل إنّها قامت أيضاً ومن خلال شركة دار الأركان بتوقيع صفقة مع منظمة ترامب بقيمة 1.6 مليار دولار لبناء مشروع ضخم للعبة الغولف في دولة عُمان يتكون من 3500 وحدة سكنية، وملعب غولف، وفندقين يضمان 450 غرفة، ومنتجع، وتمّ في هذه الصفقة استخدام العلامة التجارية لترامب الذي سيتم منحه أرباحاً مُقابل استخدام اسمه في المشروع.

ويأتي توقيع هذه الصفقة في التوقيت نفسه الذي أعلن فيه ترامب عن ترشحه رسمياً لمنصب الرئيس في انتخابات 2024.

إنّ هذا الإنفاق السخي من محمد بن سلمان لمنظمة ونادي ترامب ما هو في الحقيقة إلا عبارة عن تمويل قام به ابن سلمان لدعم حملة ترامب في الترشح للرئاسة بعد سنتين، إذ أصبحت السعودية بهذا المشروع من أكبر الممولين لحملة انتخابات الحزب الجمهوري، وأصبحت وكأنّها جزء من اللعبة الانتخابية الأمريكية.

وليس غريباً أنْ تقوم الحكومة الأمريكية بعد هذا الإنفاق السعودي السخي على ترامب وحزبه، وعلى الشركات الأمريكية المتعاقدة مع السعودية، ليس غريبا أن تقوم بمنح الحصانة القانونية لمحمد بن سلمان بما يضمن عدم ملاحقته ومساءلته على جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي مستقبلا.
قد يقال إنّ الرئيس الحالي بايدن والحزب الديمقراطي لا يستفيد من هذا التمويل السعودي لترامب وللحزب الجمهوري فلماذا تقبل إذاً إدارة بايدن بمنح الحصانة لابن سلمان، والجواب نجده في طبيعة الانتخابات الأمريكية التي تسمح للممولين بدفع أموالهم لصالح الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي، فالموضوع ليس ترامب وحزبه، أو بايدن وحزبه، بل الموضوع هو أمريكا بكل أحزابها، فما تدفعه السعودية من أموال ضخمة للعبة الغولف لا يستفيد منها ترامب فقط، بل تستفيد منها الشركات الأمريكية، واللاعبون الأمريكيون، والدولة الأمريكية نفسها، لذلك كانت عملية الابتزاز الأمريكي لابن سلمان تعود بإيرادات مالية ضخمة على الدولة الأمريكية لا مجال لرفضها.
وهكذا يُهدر ابن سلمان أموال المسلمين في مثل هذه الألعاب لا لشيء إلا لأجل تلبية مصالح أمريكا ولا يخدم أحداً في البلد إلا نفسه للحفاظ على منصبه، ولرفع اسمه من القائمة السوداء التي وضعتها أمريكا لملاحقة المطلوبين في ارتكاب جرائم واضحة من الصعب التكتم عليها.
فلو أنّ ابن سلمان استخدم هذه الأموال في بناء المصانع الحقيقية، وفي سد حاجات الناس الضرورية، وفي الاستثمار الجاد في البُنى والمرافق الحيوية لدولته، لو أنه فعل ذلك لتحولت السعودية إلى دولة مستقلة أو حتى دولة عظمى، أو لو أنّها أنفقت مثل هذه الأموال على فقراء المسلمين لما بقي فقير واحد في الأرض.
مّا إنفاقها على ملاعب الغولف والمنتجعات التي يتمتع بها اللاعبون الأجانب فهذا لا يخدم إلا أعداء الأمة، بل ويجعل من النظام السعودي أضحوكة أمام العالم يُضرب بها الأمثال على حجم تبذير وإضاعة الأموال على الآخرين بكل سفاهة وبلاهة.

الأربعاء، 30 مارس 2022

علماء الحرفة وحمل الدعوة

علماء الحرفة وحمل الدعوة

يمتاز العلماء المُتخصّصون بأداء أدوار عظيمة في خدمة الأمّة، سواء أكان هؤلاء العلماء فقهاء أو مفسرين أو أهل حديث أو أهل لغة أو مؤرخين أو غير ذلك، فالله سبحانه قد ميّزهم بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فيبيّنون أحكام الإسلام التي يحتاج إليها الناس، وينفون عنه تأويل المُبطلين، ويتصدّون للمستشرقين فيسردون حوادث التاريخ، ويُحلّلون وقائعه من منظار إسلامي صحيح.
والمقصود بالعلماء هنا هم علماء الحرفة المُختصون المؤهلون لا عُلماء السلاطين المأجورين، ولا علماء الأهواء المنحرفين.
وبالرغم من عظم دور العلماء وأهميته إلا أنّ دور حملة الدعوة أعظم وأهم، فحمل الدعوة واجب عيني دائم لا ينقطع، وهو يشمل جميع المكلفين سواء أكانوا علماء أم عامّة، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ أي ولأنذر من بلغه، فالإنذار لكم أيّها الناس ولمن تقومون بتبليغه إيّاه، أي هو دعوة لهم أنْ يبلغوه عن الرسول ﷺ الذي قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي إلى الإسلام، وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إلى دينه، فحمل الدعوة واجب يتعلق بالأفراد والجماعات والأحزاب والدولة التي تقوم بواجبها في حمل الدعوة عن طريق الجهاد لقوله عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فحمل الدعوة عمل عظيم لا ينقطع، يغفل عنه كثيرون، وبه تحيا الأمّة بالإسلام، ومن خلاله تنهض.
والصحابة الذين حملوا الإسلام وطبّقوه لم يكونوا في جملتهم من العلماء، بل كان جلهم من حملة الدعوة، فالموضوع ليس متعلقاً بالعلماء المتخصصين أو ما يسمى بعلماء الحرفة، بل هو متعلق بحملة الدعوة، سواء أكانوا علماء أو غير ذلك، ونهضة الأمّة لا تتوقف على وجود العلماء أو العسكريين أو الإداريين، بل تتوقف على حملة الدعوة المُتكتلين الذين تحتضنهم الأمة.
فاستئناف الحياة الإسلامية والحكم بما أنزل الله والجهاد في سبيل الله أعمال تحتاج إلى حملة الدعوة قبل وأثناء وبعد الاحتياج إلى العلماء المُتخصّصين، أو المُقاتلين المُدرّبين، أو الإداريين من ذوي الكفايات العالية.
إنّ حملة الدعوة هم سياسيون جادون يتبعون قيادةً مخلصة واعية يعملون في الأمة ومعها، ويحملون همّها وحاضرها ومُستقبلها، ويعملون على رعاية كل شؤونها بمبدأ الإسلام العظيم بشموليته وربانيته، وبوصفه عقيدةً ونظام حياة، وفكرةً وطريقة، ولا يتمّ ذلك إلا بإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة.
فالعبرة تكون بحمل دعوة الإسلام والتلبس بها سواء أكانوا من العلماء أم من غيرهم، أمّا العلماء فإن كانوا من حملة الدعوة فلا يُخشى عليهم من الانزلاق والزلل، فيستطيعون تمييز الأمور، والإصابة فيها، وأمّا إنْ لم يكونوا من حملة الدعوة، ولا مُتلبسين بها، فربما يكونون عرضة للزلل والوقوع بالأخطاء الفادحة، وإطلاق الأحكام المجانبة للصواب، ولنأخذ مثالاً واحداً يوضح هذه الفكرة ويتعلق بعالم تاريخ معاصر هو راغب السرجاني في تفسيره للواقعة التاريخية المتعلقة بالصدام السياسي والعسكري بين الدولة العثمانية والدولة المملوكية، وهزيمة الأخيرة وسقوطها، فيصف السرجاني الدولة العثمانية بأنها المعتدية، وأنّ حربها على المماليك كانت انحرافاً كبيراً، فيقول: كان على العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول في ذلك الوقت أنْ يختاروا واحداً من أربعة اختيارات، الأول: حسم مسألة الدولة الصفوية، والثاني: الاستعداد لمواجهة القوى الكبرى التي برزت في غرب أوروبا كإسبانيا والبرتغال والنمسا، والثالث: ردع فرسان القديس يوحنّا، والرابع: الاهتمام بالأوضاع الداخلية للدولة، ويُضيف: "كان من المُتوقّع لسليم الأول أنْ يختار واحداً من هذه الاختيارات أو بعضها، ولكنّه أعرض عنها كلها واختار دون مُبرّر عقلي أو شرعي أنْ يجتاح دولة المماليك المُسلمة ليضمّها إلى أملاكه. إنّ هذا انحرافٌ كبير وشنيع في فكر الدولة العثمانية... وتخبّطٌ في الرؤية، فهو يُريد زعامة ومكانة بالسيطرة على مكة والمدينة والقدس، ولو على أشلاء المسلمين من الطرفين".

إنّ عدم تلبس راغب السرجاني بحمل الدعوة، وعدم إدراكه لمفهوم وحدة الأمة حول قيادة واحدة وخليفة واحد، وتأثّره بمفهوم الدولة القومية جعله ينحاز في تفسيره للتاريخ بعيداً عن الصواب واتباعاً للهوى، والرد الصحيح على كلامه من مُنطلق الفكر الإسلامي الصحيح، ومن زاوية حمل الدعوة وإيصال الإسلام إلى الحكم، ووضعه موضع التطبيق والتنفيذ يُمكن بلورته في النقاط التالية:

1- إنّ ما قام به سليمان الأول من توحيد مصر وبلاد الشام والأناضول وتراقيا في دولةٍ واحدة هو عمل عظيم واختيار أهم من الاختيارات الأربعة التي ذكرها السرجاني، لأنّه أمر يتعلق بوجوب وحدة المسلمين في كيان واحد قوي وليس إبقاءهم في كيانات ضعيفة متفرقة.

2- إنّ تحوّل هذه البلاد الإسلامية الواسعة إلى دولة خلافة واحدة، ونقل الخليفة العباسي الشكلي من القاهرة إلى إسطنبول، ومبايعته لسليم الأول بوصفه خليفة المسلمين هو عمل شرعي عظيم، أعاد به عصر الخلافة الحقيقية الذي كان يحكم الخليفة فيه بنفسه بعد أنْ كان مُجرد ألعوبة بيد المماليك.

3- أمّا الاختيارات التي ذكرها السرجاني وقال بأنّ سليم الأول لم يخترها فهذا غير صحيح، لأنّه ثبت أنّ سليم الأول قد هزم الدولة الصفوية واحتل عاصمتها، وهذا ما لم تفعله دولة المماليك، وقد غزا المناطق الشرقية لأوروبا، ومهّد الطريق لابنه سليمان لغزو وسط أوروبا ومحاصرة فينّا عاصمة النمسا، وواجه هو وابنه من بعده الأساطيل الإسبانية والبرتغالية، وهذا أيضاً لم يفعله المماليك، وحارب القراصنة الصليبيين هو وابنه من بعده، ونظّفوا البحر المتوسط من سيطرتهم، ولا أدل على ذلك من غزوات برباروسا البحرية المشهورة للجزر والموانئ التابعة للدول الأوروبية، وهذا أيضاً لم يفعله المماليك، وأمّا الاختيار الرابع فإنّ سليم قد قام بضبط أعمال الدولة وإيجاد الاستقرار فيها بقدر الإمكان، ومهّد لابنه سليمان القانوني الذي قام بأعظم الإصلاحات في الدولة العثمانية، وسمّي بالقانوني لأنّه أكثر من سن القوانين الشرعية لإصلاح الدولة، وهذا ما لم يفعله المماليك.

فلماذا إذاً هذا التحامل غير اللائق على رجل عظيم كسليم الأول قام بأعمال عظيمة في توحيد المسلمين وحماية بيضتهم، ولماذا وصَفَ أعماله بالانحراف الشنيع والتخبط في الرؤية، وأنه يريد الزعامة والمكانة ولو على أشلاء المسلمين؟

إنّ كلام السرجاني هذا واتهاماته الباطلة لسليم الأول بهذه الألفاظ لا يدل على موضوعية في تفسير التاريخ، بل يدل على تحامل وحقد بدوافع أشبه ما تكون بدوافع المستشرقين.

ما كان السرجاني وهو الباحث العميق المتخصص بالتاريخ أنْ يقع في مثل هذه الزلات الخطيرة لو كان حاملاً للدعوة، لأنّ حمل الدعوة يضبط علم العالم، ويحرسه من السقوط في مستنقع الأهواء.

السعودية تتنصل من إرثها الوهابي

السعودية تتنصل من إرثها الوهابي
 
تقوم السعودية بالتنصّل من إرثها الوهابي بخطوات مُمنهجة ومُتسارعة كان آخرها إعلان الملك سلمان عن يوم 22 شباط – فبراير – من كل سنة يوماً لتأسيس الدولة السعودية، واعتباره إجازة رسمية تحتفل الدولة فيه بذكرى تأسيسها سنوياً، وذلك باعتبار انّ محمد بن سعود قد أعلن عن تأسيس الدولة السعودية بتاريخ 22 – 02 – 1727 ميلادي.
وكانت السعودية في السابق لا تعتبر هذا التاريخ هو تاريخ التأسيس، بل كانت تعتبر تاريخ تأسيسها الحقيقي يعود إلى العام 1745 وليس إلى العام 1727، ففي العام 1745  تمّ الاتفاق التاريخي بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب على تأسيس الدولة، والفرق بين التاريخ الاول والثاني ثمانية عشر عاماً.
ففي العام 1727 كانت إمارة آل سعود صغيرة وضعيفة وغير قادرة على البقاء، وظلّت كذلك إلى أنْ  انضم محمد عبد الوهاب إلى محمد بن سعود في العام 1745 فأعطاها الزخم، وتوسّعت الدولة، وتمدّدت وترسّخت، وتمّ إرساء قواعدها المبنيّة على أساس المذهب الوهابي، فنالت بذلك ثقة المُستعمر الانجليزي الذي دعمها بقوة ضدّ الخلافة الاسلامية العثمانية، ووضع كل ثقله خلفها لتكون هذه الدولة السعودية الوليدة – فيما بعد – هي قاعدة السياسة البريطانية في المنطقة، ولتتحوّل إلى خنجر مسموم تستخدمه بريطانيا لتطعن به قلب الأمّة الاسلامية، ولتقود أكبر عملية انفصالية عن الدولة العثمانية.
هكذا إذاً تمّت ولادة الدولة السعودية الاولى وذلك بتقاسم السلطة بين الأمير والشيخ، فالحكم والسياسة والحرب للأمير، والدين والفتوى والعبادة للشيخ، فالأول ولي الأمر والثاني يمنحه الشرعية والطاعة الواجبة مُقابل احتكار المنصب الديني، وبذلك أصبح أبناء آل سعود هم الحكام، وأصبح أبناء آل الشيخ هم المشرعنون، وتأسّست الدولة على هذا الأساس، واستمرت كذلك لأكثر من قرنين من الزمان، وامتدت على هذا المنوال حتى هذه الأيام.
لكنّ السعودية اليوم بدأت تتجاهل هذا الاتفاق وتتنصل منه، وأصبحت تُغيّر الاسس التي بُنيت عليها الدولة منذ اكثر من مائتي سنة، فتتجاهل الاتفاق التاريخي بين ابن سعود وابن عبد الوهاب، وأصبحت تفصل الصفة الوهابية عن الدولة، وتُقدّم نفسها على أنّها دولة علمانية بستار وذريعة الدولة المدنية، وهذا هو السبب الراجح في اختيار تاريخ 1727 كذكرى تأسيس، والتخلي عن تاريخ 1745 والذي هو الذكرى الحقيقية له.
 يقول تركي الحمد أحد أبواق النظام:" إنّ تحديد يوم 22 شباط من كل عام لذكرى تأسيس الدولة باسم يوم التأسيس بدلاً من يوم الاتفاق التاريخي بين الأمير والشيخ إنّما هو للتأكيد على مدنية الدولة في جذورها الأولى، إذ قد جاء الشيخ إلى الدرعية مستنصرا وليس داعما أو مؤسّساً" ، وهذا الكلام الذي يتفوه به أبواق النظام فيه تزوير واضح للتاريخ لأنّ ابن عبد الوهاب لم يكن مستنصرا بل كان مؤسّساً وشريكاً لابن سعود.
ويُشبّه تركي الحمد الحركة الوهابية بالحركة المسيحية التاريخية فيقول: " كانت حركة عبد الوهاب التطّهرية الوهّابية أيديولوجية دينية ساعدت الدولة السعودية الاولى في التوسع بلا شك، وبعد ذلك انتهت مُهمّتها التاريخية مثل ما انتهت التطّهريّة المسيحية في بريطانيا وأمريكا حين التأسيس، واليوم انتهت هذه الضرورة وأصبحت جزءاً من التاريخ".
وكلام تركي الحمد هذا يدل بشكل قاطع على تنكر السعودية لدور ابن عبد الوهاب في تأسيس الدولة، ويدل على تعمّد  تحجيم دور الوهابية في بناء الدولة، ويدل كذلك على مُحاولة تفكيك الإرث التاريخي الذي يجمع بين مملكة آل سعود وبين الوهابية.
ومن الخطوات المُتسارعة الاخرى التي تخطوها السعودية في هذا الاتجاه التحضير لتغيير العلم السعودي وإزالة عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله من صفحته، والاستبدال بها عبارة المملكة العربية السعودية، إلا أنّ حكام السعودية عندما وجدوا استنكاراً شعبياً كبيراً ضد هذه الخطوة التي طرحها ما يُسمّى بمجلس الشورى السعودي، تراجعوا مؤقتاً عنها، وتراجعت حكومتهم عن هذه الخطوة مؤقتاً ريثما تتهيّأ الأجواء.
إنّ هذه المناسبات السعودية المخترعة مثل يوم التأسيس الذي شُرع حديثاً، واليوم الوطني الذي شُرّع من قبل، تُساهم في فضح الدور السعودي المُتآمر على الأمّة، ويكشف مدى عداء السعودية للاسلام، ويُشعل في نفوس أبناء نجد والحجاز الثورة ضد حكام آل سعود الذين تورّطوا حتى النخاع في الخيانة.
بقلم  احمد الخطواني