الأربعاء، 13 مارس 2013

العولمة وتأثيرها على جودة البيئة



العولمة وتأثيرها على جودة البيئة


العولمة هي نسخة مطورة من الرأسمالية ذات النكهة الأمريكية، فقد ظهرت العولمة بعيد سقوط الشيوعية في العام 1991واندثار الاتحاد السوفياتي، فاستغلت أمريكا تفردها في الموقف الدولي وطالبت دول العالم بالتوقيع على اتفاقية التجارة العالمية محولة اتفاقية جات للتعرفة الجمركية إلى منظمة دولية، لتفسح المجال أمام رؤوس الأموال والسلع والمنتجات بحرية المرور بين الأسواق العالمية بدون قيود أو سدود أو حدود في محاولة منها للهيمنة على قوى الاقتصاد العالمية.
فالعولمة اذا هي رأسمالية من حيث الفكر والأيديولوجيا، أمريكية من حيث المولد والنشأة والهوى. والفرق بين العولمة والعالمية أن العولمة تهدف إلى تحويل الشيء من حالته القطرية إلى الحالة العالمية، بمعنى إكساب الشيء الصفة العالمية مع أنه ليس بعالمي، بينما العالمية تعني أن الشيء في أصله كان عالمياً. لقد شاع في الآونة الأخيرة استخدام تعبير العولمة في كل الشؤون والعلوم والمعارف بحيث لم تسلم من تأثيره حتى العلوم الاجتماعية والإنسانية كالأدب والشعر والثقافة والسياسة... .ومن تعريفات العولمة لدى من يناصرونها أنها: "حركة اجتماعية اقتصادية سياسية تشمل المكان والزمان بحيث يبدو العالم صغيراً واحداً". فوفقاً لهذا التعريف اعتبر العالم واحداً تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والسلوك، ولا أهمية للحدود السياسية والانتماء الوطني أو العقائدي، ففي العولمة تنصهر كل تلك الارتباطات. ومثل هذا التعريف غير مطابق للواقع؛ لأن القيود المفروضة على سبيل المثال من قبل الدول الغنية على المهاجرين القادمين من الدول الفقيرة تزداد صرامة وقساوة يوماً بعد يوم، ولأن العنصرية التي تمارسها الدول المتقدمة ضد الدول المتخلفة والتي أدَّت إلى وقوع الكوارث البشرية والبيئية والحروب الأهلية وانتشار الأوبئة والمجاعات وفرض الحصار وبناء الجدران ومراقبة الحدود وسن قوانين منع الهجرة وما نجم عن ذلك من انتشار ظاهرة قوارب الموت وما شاكلها، كل ذلك من شأنه أن يجعل من التعريف السابق للعولمة نكتة سخيفة، فلا حصلت الحركة السياسية والاجتماعية التي تحدثوا عنها، ولا توحد العالم، ولا تعدت الحركة الزمان والمكان، ولا ذابت الانتماءات العقائدية والوطنية في خضم العولمة، ولا حصل أي شيء مما ورد في التعريف. وبالتالي فهذا التعريف وأمثاله من التعريفات التي تتحدث عن "صبغ العالم بدهان واحد وتوحيد أنشطته الثقافية والفكرية والاجتماعية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والحضارات" غير صحيحة وغير مطابقة للحقيقة. والشيء الوحيد الذي عرفته البشرية من هذه العولمة الرأسمالية الاستعمارية هو ترويج النمط الرأسمالي الإنتاجي الأمريكي على اقتصاديات العالم وذلك برفع القيود عن الأسواق والبضائع ورؤوس الأموال التي تتحكم فيها اقتصاديات الدول الرأسمالية الكبرى وفي مقدمتها أمريكا. أما التعريفات الكثيرة التي وضعوها للعولمة فيغلب عليها الدعاية والتلميع وتظهر فيها الناحية الإنشائية الكلامية وهي ما أضفت شيئاً من الغموض والإبهام على العولمة لتمييع المفهوم ولجعل التعريف فضفاضاً يلتبس على الكثيرين بقصد إبعاد الناحية الرأسمالية الاستعمارية عنه لتنطلي تلك الخدعة على الكثيرين، فيظنون أن العولمة شيء جديد مختلف عن الرأسمالية، وأنها قدر لا يُرد، وعلى جميع الشعوب القبول به والاستسلام له. وبالتدقيق في واقع العولمة الرأسمالية نجد أن لها أربعة أرجل اخطبوطية وهي:
(1)  تحرير التجارة العالمية: وتعني فتح الأسواق المحلية أمام القوى الاقتصادية الكبرى وإخضاعها لمبدأ (التنافس الحر) الذي يساوي بين القوى الكبيرة والقوية وبين القوى الصغيرة والضعيفة، وهذا يعني بكل بساطة هيمنة مطلقة للقوى الاقتصادية الكبرى على الاقتصادات الصغيرة وذلك بحجة أن الاقتصاد يجب أن يخضع لما يسمى بفكرة (اقتصاد السوق) والتي تعني رفع (الحمائية) عن الأسواق لتكريس الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية للقوى الكبرى على أسواق الدول الضعيفة والصغيرة.
(2)  تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة:  ويعني ذلك فتح الأسواق المالية المحلية (البورصات) من غير قيود للرساميل العالمية دون أية عراقيل، وتحويل البنوك المحلية إلى بنوك شاملة بمشاركة بنوك الدول الكبرى للاستفادة من الصفقات والعمولات باستخدام التطور في آليات الاتصالات التي تسمح بتدفق رؤوس الأموال الأجنبية وحرية حركتها.
(3)  الدور المتعاظم للشركات متعددة الجنسيات:  حيث تتحكم الشركات عابرة القارات في جميع مفاصل الاقتصاد القطري بما لها من إمكانية كبيرة على استغلال الفوارق بين الدول في الموارد والقوى الاقتصادية المختلفة، وبما تملك من مزايا جغرافية تمنحها المرونة في السيطرة على المرافق الاقتصادية للدول الصغيرة والضعيفة بالتعاون مع الرأسماليين المحليين، وبفرض تشريعات وقوانين تنتهك الحمائية التي كان معمولاً بها لحماية الاقتصاد المحلي، لذلك كان ضرورياً أن تقوم الشركات الكبرى بإعادة هيكلة صناعاتها الضخمة مستغلة بذلك الأيدي العاملة الرخيصة في إنتاج سلعها، حيث قامت بفتح فروع لها في كثير من الدول وهو الأمر الذي زاد في ربحها وقضى على الصناعات المحلية قضاءً شبه تام.فطائرة بوينغ الأمريكية777 على سبيل المثال أصبحت تصنع في 12 دولة بعد أن كانت تُصنع فقط في دولة واحدة. وكل الشركات الكبرى الأخرى قامت بفتح مصانع لها في دول كثيرة لتجني الأرباح الباهظة، ولتستغل الأيدي العاملة الرخيصة ولتهيمن على حقل الصناعة المحلي في الدول الصغيرة والفقيرة.
(4)  ثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي:  لقد تم استغلال تكنولوجيا المعلومات لتحقيق هدف تسهيل حركة الأموال والسلع والأفراد الممثلين للمصالح الاقتصادية للدول والشركات الاستعمارية. هذه هي الأرجل الأخطبوطية الأربعة للعولمة التي بواسطتها تتم السيطرة على الاقتصاد العالمي. فالعولمة في واقعها إذاً تعني إيصال النمط الرأسمالي الإنتاجي في التسويق والتداول والتوزيع والتمويل والتجارة من مستوى القطرية والمحلية إلى مستوى العالمية، وهي حركة رؤوس الأموال الأجنبية بين الأسواق المحلية لجني الأرباح واحتكارها لصالح القوى الاقتصادية الرأسمالية الكبرى بحيث أن الاقتصادات القوية والسريعة تستحوذ على الاقتصادات الفقيرة والبطيئة.
إن العولمة بهذه الصفة هي استعمار جديد وسريع للسيطرة على الأسواق والمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة باستخدام تكنولوجيا المعلومات، وبالاستعانة بفرض تشريعات ترفع القيود المحلية أمام انسياب الرساميل الأجنبية. وهي بهذه المعاني أصبحت تمثل أشرس أنواع الاستعمار وأعلى مراتب الرأسمالية، ومنذ ظهورها في العقدين الأخيرين فتكت في البشرية آفات المرض والجوع والفقر والأمية والهجرات والحروب والاستغلال والعنصرية، وانعدمت جميع الخدمات الضرورية، وفقدت المياه النقية للشرب في معظم البلدان وتلوثت، وتحولت شعوب كثيرة بفعل العولمة إلى شعوب مستجدية لقوتها اليومي، وأصبحت عالة على منظمات الإغاثة الإنسانية التي تلقي لها بفضلات الدول الغنية، وأصبحت جودة الحياة لمعظم الشعوب في أدنى مستوياتها.
هذه هي الرأسمالية الفاسدة التي نخرها السوس بكل ما فيها من جشع وطمع واستغلال، وتدمير للبيئة والحياة، وهذه هي معالجاتها الظالمة للأزمات الدورية التي نتجت عنها.
الرأسمالية سبب نشوء كل الأزمات الاقتصادية في العالم ومنها أزمة البيئة
إن النظام الرأسمالي المهيمن على الأنظمة الاقتصادية في العالم هو الذي يتسبب في اندلاع الأزمات المالية والاقتصادية المتعاقبة في جميع أرجاء المعمورة بما فيها الأزمة العالمية الأخيرة والتي ضربت جميع دول العالم وألحقت بها أفدح الخسائر، فما إن تهدأ أزمة حتى تنفجر أزمة أشد منها عنفاً ودماراً، حتى أصبح اندلاع الأزمات الاقتصادية في العالم هو الأصل وهو الأمر الثابت والمشاهد بشكل دائمي، بينما بات الاستقرار المالي والاقتصادي هو الاستثناء.
إن حقيقة المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي نفسه، فهذا النظام هو أصل الداء وشر البلاء؛ لأن الأسس التي تنبني عليه الحياة الاقتصادية هي أسس مدمرة بطبيعتها. فطغيان الملكية الفردية في الرأسمالية على ملكية الدولة وعلى الملكية العامة قد أحال الدولة والمجتمع وغالبية القوى الاقتصادية الموجودة في الدول الرأسمالية إلى رهائن تتحكم بهم حفنة قليلة من الأثرياء الجشعين والاحتكاريين والمتخمين لا تتجاوز نسبتها في المجتمع العشرة بالمائة بمعظم ثروة البلد الإجمالية.
وليس من نافلة القول أن ركائز النظام الرأسمالي الاقتصادي قد تم إرساؤها منذ آدم سميث الأب الأول للرأسمالية من أجل خدمة طبقة متنفذة من الأثرياء الذين يتحكمون في مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية بسبب حيازتهم لغالبية الثروة في الدول الرأسمالية التي تحولت إلى مال سياسي يُسير العلاقات الدولية ويؤثر في الموقف الدولي.
وأهم هذه الركائز:
1)  النظام الربوي والمصارف الربوية:  وهذا النظام هو مصدر لا ينضب لتجميع الأموال والثروات بأيدي المرابين الكبار
2)  الأسواق المالية والشركات المساهمة:  وهي المصدر الثاني الذي يعتمد عليه ملاك الأسهم الكبار في تجميع أكبر الثروات بخبطات سريعة من خلال المضاربات التي تشبه إلى حد كبير ألعاب القمار والتي غالباً ما تُبدد مدخرات الفقراء ومتوسطي الحال.
3)  العملات الورقية الإلزامية غير المغطاة بالذهب أو الفضة والتي لا تعتمد إلا على قوة الإبراء القانونية:  وهذا الوضع للعملات الإلزامية الهشة أدّى إلى جعل الدولار الأمريكي عملة رئيسية للعالم فإذا انخفض سعر صرف الدولار انخفضت معه أسعار صرف معظم عملات العالم.
إن أمريكا بفعل هيمنة دولارها على عملات العالم أصبحت تتحكم في القوة الشرائية للمواطنين من سائر دول العالم. والنتيجة المأساوية التي آلت إليه أوضاع العملات المحلية بسبب تخفيض سعر الدولار هي أنه من بين كل عشرة دولارات تطبع هناك دولار واحد فقط له قيمة حقيقية بينما الدولارات التسع الأخرى هي مجرد أوراق لا تساوي قيمتها ثمن الورق الذي استخدم في طباعتها.
وما زاد الطين بلة أن الرأسمالية تم تحويلها في السنوات الأخيرة إلى نظام عالمي جبري تحت اسم العولمة وهو ما أدّى إلى زيادة في الفتك الاقتصادي العالمي وهو ما أدّى بالضرورة إلى إصابة الاقتصاديات الضعيفة بضربات قاتلة أدَّت إلى انتشار المزيد من المجاعات والفقر المدقع وما نجم عن ذلك من بؤس وشقاء.
أما الأغنياء في الدول الرأسمالية فلم يتأثروا بالأزمة الاقتصادية العالمية التي اجتاحت العالم منذ العام 2008م بل إنهم ازدادوا غنى على غناهم، وقد أثبتت الإحصائيات الأخيرة أن الأغنياء في بريطانيا والدول الرأسمالية الكبرى ازدادوا ثراءً فعدد المليارديرات قد ازداد في هذه الدول بينما غالبية السكان في هذه الدول قد هبط مستواها إلى الحد الأدنى من المستوى الاقتصادي فيها. وبالرغم من هذا الهبوط الحاد لمستوى العامة إلا أن الحكام ما زالوا من الطبقة الغنية المنتفعة.
وعلى سبيل المثال فسبعة عشر وزيراً من أصل ثلاثة وعشرين وزيراً في بريطانيا هم من أصحاب الملايين وهو ما يؤكد أن الديمقراطية الزائفة في الغرب والتي هي انعكاس للرأسمالية الفاسدة لا توصل للحكم إلا من كانوا من أصحاب الثروات أو من خُدّامهم.
وحتى علاج الأزمات الاقتصادية في الدول الرأسمالية إنما كان على حساب الفقراء ومحدودي الدخل، فما يُسمى بخطط التحفيز ما هي في واقعها سوى ضخ لأموال الشعب أو ما يُسمى بدافعي الضرائب لملء المصارف المفلسة بالأموال ليبقى المرابون لديهم من الأموال ما يمكنهم من الاستمرار في العمليات الربوية لمص دماء الفقراء واستغلال عرقهم وجهودهم.
أما نظرة الإسلام للاقتصاد فهي نابعة من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع صحابة وقياس. وهي نظرة لا يمكن أن تؤدي إلى ظهور أية أزمات اقتصادية أو مالية لأنها بكل بساطة وضعت نظاماً ربانياً يحول دون سيطرة أي طبقة في المجتمع على سائر الناس. ومن أهم الأسس الشرعية التي أرساها النظام الاقتصادي العالمي في الدولة الإسلامية هي:
1)  اعتماد الذهب والفضة كغطاء دائم وثابت للعملات:  وهو ما من شأنه أن يمنع حدوث أي انهيارات للعملة لأنه لا يسمح بتعريضها للانكشاف مطلقاً، وهو ما من شأنه إيجاد الاستقرار النقدي الدائم.
قال تعالى: )وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (، وقال عليه الصلاة والسلام: "في كل عشرين ديناراً نصف دينار وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم"، وقال: "وعلى أهل الذهب ألف دينار".
2)  إلغاء النظام الربوي وإبطال جميع الفوائد الربوية التي تم إبرامها قبل قيام الدولة:
قال تعالى: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(، وقال: )فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ(.
وعن أبي بكرة قال: "نهى النبي r عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا"(أخرجه البخاري ومسلم)
فالربا هو شر الأموال وهو أس البلاء وأصل الداء. وبهذا الإلغاء يتم القضاء على مراكز القوة الربوية وعلى تأثير المال السياسي في الدولة.
3)  إغلاق الأسواق المالية وتحويل الشركات المساهمة إلى شركات إسلامية تعتمد على البدن (الجهد) في تنمية المال.
أي أن لا يتم إنشاء شركة إلا بوجود شريك البدن الحقيقي الذي يتحمل مسؤولية تشغيل المال وتكون يده يد أمانة. روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي r قال: "إن الله يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما".
وبتطبيق أحكام الشراكة في الإسلام ومنع وجود أسواق الأسهم والسندات نتخلص من تحول الأموال إلى أرقام وبيانات لا رصيد لها في الواقع وهذا يجعل الناس تشتغل بالأموال الحقيقية في اقتصاد حقيقي ويتم القضاء على الاقتصاد الطفيلي وعلى الاقتصاد الوهمي وعلى آفة المضاربات الشبيهة بالقمار التي تحقق الأرباح الخيالية للأثرياء الذين يجنون الأموال دون بذل أي مجهود.
4)  إلغاء حرية الأفراد للتملك وتقييد حيازة الأموال بالضوابط الشرعية التي تمنع الأفراد من الاستغلال والاحتكار وتمنعهم من الاعتداء على الملكية العامة وعلى ملكية الدولة.
فيمنع الأفراد من تملك المنافع العامة كما يمنعوا من حيازة أملاك الدولة. قال r: "المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار"
إن تطبيق هذه الأسس الأربعة لوحدها كفيل بإعادة توزيع الثروة توزيعاً عادلاً في المجتمع فلا يبغي أحد على أحد ولا تتسلط حفنة من الأثرياء على مقدرات المجتمع.
كما أن تطبيق هذه الأسس يضمن عدم وقوع هزات وأزمات اقتصادية في العالم.
ان نشوب الأزمة المالية الاقتصادية في العالم منذ عامين، لم تكن وليدة إجراءات مصرفية ائتمانية خاطئة كما يُروج البعض، ولا كانت بسبب تعاملات في الأسواق المالية تغلبت فيها المضاربات الاحتكارية في بيع الأوراق المالية كما يزعم البعض الآخر، بل إن نشوب هذه الأزمة كان بسبب فساد النظام الرأسمالي باعتباره مبدأ ونظام حياة، وذلك لأن الأسس التي يقوم عليها هذا النظام من شأنها أن توجد - وبشكل تلقائي - أزمات اقتصادية باستمرار، وبشكل دوري، وأحياناً منتظم.
ومن أهم هذه الأسس المدمرة للحياة الاقتصادية والبيئية في الرأسمالية إطلاق حرية التملك وحيازة الأفراد للأموال من دون تدخل من الدولة، ومن دون وضع أية قيود أو ضوابط لكبح تلك الحرية، وهو ما أدّى بالضرورة إلى تمكين قلة من الأفراد من السيطرة على اقتصاد الدولة، والتحكم في جميع مفاصلها الحيوية، وذلك تحت ذرائع حرية اقتصاد السوق.
إن طغيان الملكية الفردية في النظام الرأسمالي على الملكية العامة وعلى ملكية الدولة نفسها قد حوَّل الدولة والمجتمع وغالبية القوى الاقتصادية الموجودة في البلاد إلى رهائن بأيدي حفنة قليلة من الأثرياء المتخمين الجشعين الاحتكاريين، الذين مكّنهم ذلك الطغيان من الاستحواذ على أكثر من 90% من الثروة الإجمالية في الدولة، بينما لا يتجاوز عددهم العشرة بالمائة.
وما يساعد هذه الحفنة من تكريس الأموال في المجتمعات الرأسمالية على حساب الغالبية العظمى من المواطنين وجود ثلاثة أمور في النظام الرأسمالي تعتبر من الركائز الأساسية في المبدأ، وتمثل المصادر الحقيقية لجمع الأفراد للثروة وهي:
(1)  النظام الربوي والمصارف الربوية.
(2)  الشركات المساهمة الرأسمالية والأسواق المالية.
(3)  العملات الورقية الإلزامية.
فهذه الثلاثة ركائز هي أفضل من يخدم أولئك الأفراد في تكديس الملايين بشكل دائمي.
أما المصارف الربوية التي تنشئها مجموعات من الأفراد الأثرياء فتقوم بتوفير الأموال الدائمة الكثيرة لهم من خلال تحصيل فوائد القروض التي لا يستطيع أي مواطن القيام بأي عمل في البلدان الرأسمالية إلا من خلال التعامل مع فتح الاعتماد وأخذ القروض الربوية، وبالتالي فالفائدة الربوية الالزامية التي يدفعها المقترض للمصرف تذهب أوتوماتيكياً إلى جيوب أصحاب الثروات الكبار من أعضاء هذه الحفنة التي تسيطر على المصارف، وبذلك تكون هذه الفوائد الربوية مصدراً ممتازاً ودائمياً لجمع الأموال من دون أي مجهود.
وأما الشركات المساهمة الرأسمالية فهي المصدر الثاني من مصادر تجميع الأفراد للثروات الضخمة حيث يقوم هؤلاء بتأسيس الشركات المساهمة برؤوس أموال متواضعة نسبياً ثم يتم تضخيمها أضعافاً مضاعفة بمشاركة أعداد هائلة من المساهمين الفقراء أو من ذوي الدخل المحدود في تلك الشركات، وهو الأمر الذي يوجد تجميع مدهش للثروة بأيدي المؤسسين الذين يستحوذون على هذه الأموال، فتزيد أرباحهم زيادة غير طبيعية من خلال التحكم بمدخرات هؤلاء الفقراء ومتوسطي الحال، وبالتالي يشكّلون ثروة ضخمة تتجمع في شركاتهم لم يكونوا يحلموا بإيجادها بمثل هذه السهولة.
فإذا ربحت الشركات – وغالباً ما تربح في الأحوال الطبيعية - تزداد ثرواتهم بينما لم يحصل غالبية المساهمين إلا على الفتات، وأما إذا خسرت الشركات في حالات معينة فالمساهمين الصغار هم من يخسروا معظم ثرواتهم بينما يحافظ مؤسسو الشركات الأثرياء على رؤوس أموالهم كاملة غير منقوصة.
وأما المضاربات التي تجري في الأسواق المالية فإنها تُمكن المتلاعبين فيها كما تمكن الدول الغنية من تشغيل أموال غير موجودة في الواقع، وإنما هي مجرد بيانات تتحرك على شاشات العرض الإلكترونية، فإذا ما حصل انكشاف لحقيقة الأوضاع المالية لأصول الأسهم والأوراق المالية نتيجة وجود تضخم كبير في أسواق الأموال بما لا يتناسب مع الأصول الموجودة على أرض الواقع، ويتسبب ذلك في حدوث فقاعات يتم التخلص من خلالها من الفوائض المالية الوهمية، غالباً ما يذهب ضحيتها محدودي الدخل، فتطير مدخراتهم، وتتبخر في الهواء، بينما يبقى أصحاب الأموال الكبيرة في مأمن عن ضياع ثرواتهم.
وأما العملات الورقية الإلزامية فإن هبوطها وارتفاعها بشكل طبيعي الناتج عن ضعف اقتصاديات الدول صاحبة العملات، أو الناتج عن تلاعب الدول في أسعار عملاتها يؤدي وبشكل تلقائي إلى حدوث زيادة في ثروات الأفراد العليمين بتغيير أسعار صرف العملات، وهؤلاء غالباً ما يكونون من الأثرياء الذين يستطيعون معرفة اتجاه الحكومة في تخفيض أو رفع أسعار العملة، ويكون عندهم من المتخصصين أو من النافذين في الدولة بما يؤهلهم لمعرفة تلك التغيرات في سعر العملة، وبذلك تتجمع الثروة للأفراد الأثرياء عن هذا الطريق، وبالمقابل يخسر غالبية الفقراء أو من لديهم مدخرات بسيطة الكثير من مدخراتهم في حالة انخفاض سعر العملة انخفاضاً ملموساً.
إن الأزمة المالية الاقتصادية العالمية ما نشأت في الواقع إلا بسبب هذه الركائز الثلاثة للنظام الرأسمالي، ولكن الذي جعل هذه الأزمة تتميز عن غيرها من الأزمات العادية الدورية التي تنشأ عن النظام الرأسمالي هو تأثير العولمة وتشابك الاقتصادات المحلية مع بعضها البعض لتشكل اقتصاداً عالمياً شبه موحد وليشكل السوق الناشئ عنها سوقاً واحداً كبيراً.
فهذه العولمة هي التي جعلت الأزمة تفتك أكثر في اقتصاديات معظم دول العالم، وهي التي ضربت الأسواق العالمية، وأوجدت البطالة غير المسبوقة في معظم الاقتصادات الكبيرة.
فالعولمة كانت بمثابة الأوكسجين الذي ساعد الحريق الاقتصادي على الانتشار وزيادة اللهيب، لذلك كانت الأزمة الحالية بخلاف أزمات كثيرة تمتاز بالشمول والامتداد والمفاجأة.
ولم تجد الدول الرأسمالية من حل لهذه الأزمة المدمرة التي بدّدت غالبية المدخرات التي يملكها محدودو الدخل سوى بضخ الأموال العامة في المؤسسات والمصارف المنهارة تحت اسم خطط التحفيز لتبقي على وجود نظام المصارف الربوية التي توفر للأثرياء أفضل مصدر للثروة.
فهذا العلاج كان علاجاً في منتهى الظلم والسوء، إذ هو ساعد الأغنياء على الحفاظ على أموالهم بضخ الأموال للمؤسسات المالية التي يمتلكونها من الأموال العامة أي من أموال الفقراء ومحدودي الدخل.
فغالبية الناس قد فقدت مدخراتها في هذه الأزمة بينما كبار الأثرياء هم فقط الذين حافظوا على ثرواتهم كما هي، بل ربما زادت قليلاً.
إن خطط التحفيز هي في الواقع خطط لمعالجة وضع المؤسسات التي يمتلكها الأغنياء بأموال الفقراء على مستوى الأفراد، وهي معالجة لوضع الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة على مستوى الدول.
فما زال صندوق النقد الدولي يتحكم في سياسات الدول الاقتصادية والنقدية ويضع الوصفات التي تبقي غالبية الدول في حالة تبعية لحفنة من الدول الغنية.
وما زال البنك العالمي يقوم بدور المرابي الأكبر لغالبية دول العالم وهو ما يجعلها في حالة دائمة من المديونية التي لا تنتهي منها ما دامت تتعامل مع هذا البنك.
إن هذا الحل الرأسمالي للأزمة الاقتصادية العالمية هو حل ترقيعي يؤدي إلى إطالة عمر النظام الرأسمالي وإطالة عمر الاحتكار والاستغلال والظلم، ويؤدي بالتالي إلى زيادة إفقار البشر وتجويعهم.
فهل من العدل أن تتحكم مجموعة من الدول لا يزيد عددها عن العشرة في مصير أكثر من 180 دولة فقيرة؟ وهل من العدل أن يبقى عشرة بالمائة من السكان يملكون من الثروات في كل بلد أكثر من 90% من الثروة؟
هذه هي الرأسمالية بكل وحشيتها وظلمها، وهذه هي حلولها الظالمة للمشاكل الناتجة عنها!!
فمعالجاتها لا غاية لها سوى إطالة عمرها والتكيف مع الواقع بكل تبدلاته وتحولاته، فالمهم في هذه المعالجات والحلول هو عدم سقوطها وترقيع عوراتها وعيوبها.
أما النظرة الإسلامية للأزمات الاقتصادية العالمية الناتجة عن الرأسمالية المتداعية، والنظرة الإسلامية لكيفية الحل فهي ببساطة تقوم على عدة أسس وإجراءات شرعية أرساها النظام الاقتصادي الإسلامي وهي:
(1)  اعتماد الذهب والفضة كغطاء دائم للعملة وهذا من شأنه منع وجود أي تغير في أسعار الصرف يؤثر على الوضع الاقتصادي للدول وللأفراد تأثيراً سلبياً غير ناتج عن حقيقة قيمة العملة.
(2)  تقييد ملكية الأفراد وحصرها في الأملاك الخاصة والحفاظ على الأموال العامة وأموال الدولة بأيدي الدولة وإبعادها عن سياسات الخصخصة الرأسمالية التي يتسلط فيها الأفراد على ممتلكات الأمة والمجتمع.
(3)  منع الربا والمصارف الربوية منعاً قطعياً لأنه أس البلاء وأصل الداء.
(4)  تحويل الشركات المساهمة إلى شركات إسلامية يكون للبدن [الجهد] من قبل الشريك الدور الأكبر في عمل الشركة وبذلك نتخلص من استحواذ الأفراد على أموال العامة من دون بذلهم لمجهودات حقيقية.
(5)  إلغاء الأسواق المالية التي تتحول فيها الأموال إلى أرقام وبيانات لا رصيد لها في الواقع، ويؤدي ذلك إلى إشتغال الناس بالأموال الحقيقية في اقتصاد حقيقي.
وبهذه الإجراءات المحددة التي قرَّرها الإسلام ستتولى دولة الخلافة الإسلامية القادمة قريباً بإذنه تعالى تطبيقها، ومعالجة المشاكل الاقتصادية الناشئة عن النظام الرأسمالي، وبهذه الإجراءات سيُقضى على الرأسمالية كمبدأ فاسد وستنتهي البشرية من شرورها.

الاثنين، 11 مارس 2013

قضية العراق



قضية العراق
 
العراق أرض الأنبياء ومهد الحضارات، فتحه المسلمون زمن عمر بن الخطاب t ما بين 13-23هـ الموافق 634-644م، وأصبح من أهم بلاد الإسلام وأصبحت عاصمة بغداد عاصمة الخلافة العباسية لعدة قرون.
يمتاز موقعه الجغرافي الذي يعتبر مدخلاً إلى إيران والهند وعامة الدول الآسيوية، كما أنه يطل على الخليج الذي يعتبر من أهم الطرق البحرية في العالم.
والعراق صنو الشام وامتداد لجزيرة العرب يخترقه نهرا دجلة والفرات اللذان يحيلان سواده الشاسع المنبسط إلى أعظم الأراضي خصوبة وإدراراً للعطاء.
سقط العراق بيد الاستعمار البريطاني مع سقوط الدولة العثمانية، وجاءت بريطانيا برجلها فيصل بن حسين بن علي بعد أن طردته فرنسا من سوريا.
استمر حكم الهاشميين في العراق المدعوم من بريطانيا والتي كانت تحتفظ بثلاث قواعد عسكرية فيه حتى سنة 1958م عندما أطاح به انقلاب عسكري بقيادة عبد الكريم قاسم بدعم أمريكي قضى على كل ما بنته بريطانيا في العراق من نفوذ عسكري وسياسي.
وفي عام 1961م تم إلغاء امتياز جميع شركات النفط الأجنبية في العراق فأثار حنق بريطانيا والغرب على خسائرهم النفطية الكبيرة في العراق، وفي أواخر حكم قاسم بدأ بالابتعاد عن أمريكا وعبد الناصر وسار مع الشيوعيين الذين بدأ نفوذهم يتزايد في العراق، وهو الأمر الذي ألب عليه بريطانيا وأمريكا على حد سواء، فاتحد البعثيون المدعومون من الإنجليز والقوميون المدعومون من الأمريكان وعبد الناصر وعملوا معاً للإطاحة به.
ووقعت أول محاولة فاشلة لاغتياله بدعم من عبد الناصر كما ذكر أمين سر حزب البعث آنذاك علي صالح السعدي وقال بأن الملحق العسكري المصري في بغداد عبد المجيد فريد دفع مبلغ 7000 جنيه مصري لتسهيل عملية الاغتيال.
واستمرت القوى السياسية بالتجمع ضد عبد الكريم قاسم مدعومة من أمريكا وبريطانيا ومن الشركات النفطية المتضررة وتفاقمت الأمور وأصبحت مهيأة للانقلاب تماماً.
وفي 8 شباط 1963م قام البعثيون والقوميون بالانقلاب بقيادة عبد السلام عارف فقتل عبد الكريم قاسم وسُحق الشيوعيون وعبّر علي صالح السعدي عن ذلك الانقلاب بقوله: "لقد جئنا إلى الحكم بقطار أمريكي" وقال الملك حسين في مقابلة له مع محمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام: "إن ما جرى في العراق في 8 شباط قد حظي بدعم الاستخبارات الأمريكية".
وشارك في الانقلاب من البعثيين ومن المحسوبين عليهم كل مكن علي صالح السعدي ومهدي عماش وأحمد حسن البكر وحردان التكريتي وغيرهم وشارك فيه من القوميين عبد السلام عارف وطاهر يحيى وغيرهما وهم من المحسوبين على عبد الناصر وأمريكا. ثم دب الخلاف بين البعثيين والقوميين فحاول البعثيون إقصاء عبد السلام عارف ملكن أمرهم انكشف وتم دعم عارف بـِ 600 عسكري مصري لإحكام سلطته.
وفي 13 نيسان 1966م توفي عبد السلام عارف بحادث طائرة وتم تنصيب أخيه عبد الرحمن رئيساً للعراق.
ولكن عبد الرحمن كان رجلاً ضعيف الشخصية فاضطربت أمور العراق وعاد البعثيون لتجميع قواهم ونجحوا أخيراً في الإطاحة به في انقلاب تموز 1968م بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.
وتفرد بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ صدام حسين بالسلطة وعزل أحمد حسن البكر وصفّى خصومه السياسيين ثم خاض حرباً ضروساً مع الثورة الخمينية في إيران استمرت ثمان سنوات أكلت الأخضر واليابس ولم يحقق الهدف منها بالقضاء على الثورة، وتوقفت في العام 1988م، ثم خاض صدام حرباً ثانية في العام 1990م حيث اجتاح الكويت وكان الهدف من تلك الحرب إبراز مكانة صدام كرجل المنطقة وتقوية مركز بريطانيا فيها وضمان مشاركة بريطانيا لأمريكا في النفط والنفوذ في الخليج. لكن الرياح أتت لما لا تشته السفن فاتخذت أمريكا من غزو صدام للكويت حجة لها للتدخل وإخراجه من الكويت بالقوة وتخويف دول الخليج من صدام لتبقى أمريكا هي الملجأ الآمن لهم. وحاولت بريطانيا إيجاد حل تفاوضي مع أمريكا فلم تستطع، وكانت فرصة أمريكية ذهبية لأن تصبح سيدة الخليج بلا منازع.
واضطرت بريطانيا للدخول مع أمريكا في ما سُمي بحرب تحرير الكويت بشرط عدم إسقاط نظام صدام في بغداد والاكتفاء بمحاصرته.
ولكت أمريكا في العام 2003م وفي عهد الرئيس بوش الذي كان مدعوماً من قبل المحافظين الجدد ومستغلاً أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 اجتاحت العراق ثانية تحت ذريعة كاذبة تتحدث عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل. واضطرت بريطانيا للسير معه، وسقطت بغداد وتحكمت أمريكا منذ ذلك التاريخ بالعراق شعباً ونفطاً وحكاماً ومؤسسات.
اشتعلت المقاومة في البداية بشكل أقلق أمريكا وجعلها تتخبط في المستنقع العراقي لكنها استطاعت أن تنجو منها بعد أن سار معها العملاء وقاموا نيابة عنها بمواجهة المقاومين لا سيما ما يُسمى بقوات الصحوات العميلة.استغلت أمريكا السلاح المذهبي ولعبت على وتر الطائفية وصاغت الدستور العراقي بطريقة تستطيع معها الإمساك بخيوط اللعبة السياسية من خلال التعامل مع زعماء المذاهب والطوائف.
لقد ابتلي العراق منذ سقوط الخلافة العثمانية بحكام عملاء فاسدين من أبنائه العاقّين نصَّبهم الكافر المستعمر على رقاب العراقيين، وهم الذين أوردوه موارد الهلاك وسلّموه للأعداء البريطانيين أولاً ثم الأمريكيين حالياً.
إن التيارات القومية والبعثية والشيوعية والناصرية ومن قبلها الملكية هي التي دمَّرت العراق وأهله، وهي التي أسلمته لقمة سائغة للأجانب وإنه لا سبيل لعودة العراق إلى شعبه وأمته إلا بعودة الإسلام إلى الحكم فيه عودة كاملة من خلال إقامة الدولة الإسلامية الحقيقية.
إن دولة الخلافة الإسلامية التي يسعى حزب التحرير مع الأمة الإسلامية لإقامتها لقادرة على تجميع المسلمين في العراق وصهرهم في بوتقة الإسلام السياسي العقائدي، فلا يوجد فيها طوائف ولا مذاهب ولا تيارات سياسية علمانية ولا قومية، إن دولة الخلافة لا تقيم وزناً لغير الإسلام ورابطة العقيدة الإسلامية.
وما يوجد اليوم في العراق من آلاف المشاكل السياسية اليومية التي تعقد المشهد السياسي وتجعله متاحاً لقيام أمريكا بدور العرّاب فيه، يمكن حلّه بكل بساطة إذا حكَّمنا الإسلام في علاقات الناس اليومية، وتحكيم الإسلام في العلاقات يقتضي وجود دولة الخلافة الإسلامية التي سيكون أول عمل تقوم به في العراق طرد الوجود الأمريكي والأجنبي منه باستخدام كل ما تملك من قوة ليعود بعدها العراق جزء عزيز من دولة العزة والكرامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة التي تسير على منهاج النبوة.

السبت، 23 فبراير 2013

قضية أفغانستان


قضية أفغانستان
 
تقع أفغانستان في وسط آسيا، وتحدها من الشمال ثلاث جمهوريات إسلامية  تتبع النفوذ الروسي وهي طاجيكستان وأوزبكستان وتركمنستان، ويحدها من الجنوب والشرق باكستان، ولها حدود صغيرة من الشرق أيضاً مع الصين، وأما من الغرب فتحدها إيران.
إن موقع أفغانستان الاستراتيجي هذا جعلها محط أنظار الدول الكبرى الطامعة لأنها تجاور روسيا والصين وتطل على الهند وتتصل بمحيطها الإسلامي في باكستان وإيران.
فروسيا تخشى أفغانستان لأنها تؤثر في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التابعة لها، وكون أفغانستان دولة بلا منافذ بحرية فقد سهّل ذلك للغزاة والفاتحين اعتبارها ممراً وموطئ قدم لهم، فقديماً اتخذها الاسكندر المقدوني مركزاً للاستراحة في غزوه لآسيا عام 329 قبل الميلاد، ودخلها المسلمون في سنة 654 ميلادي، وانطلقوا منها لفتح المناطق التركستانية الشاسعة شرقاً.
احتلت بريطانيا أفغانستان في القرن التاسع عشر بهدف مواجة روسيا ولحماية مناطق نفوذها في الهند وفي إيران آنذاك.
إن الشعب الأفغاني معتاد على الغزو والحروب، ورجاله أشداء لا يعرفون الهزيمة، وقد استطاع الأفغان بقوتهم المحدودة إلحاق الهزيمة المنكرة بقوات الإمبراطورية البريطانية مرتين كانت الأولى ما بين العامين 1839م-1841م وكانت الثانية ما بين العامين 1878م-1880م.
وأما الحرب الثالثة فنجح الغزو البريطاني في السيطرة على أفغانستان وذلك في العام 1919م حيث وقع الملك الأفغاني العميل أمان الله معاهدة استسلام مع بريطانيا، إلاّ أن الشعب الأفغاني ولشدة تدينه ثار على الملك لخيانته، ومحاولته إلغاء الحجاب، وإدخاله نمط الحياة الغربي إلى أفغانستان، وتمكن من إقصائه عن السلطة على يد أحد الثوار وهو حبيب الله الملقب بابن السقا، ولكن بريطانيا تمكنت من قتل ابن السقا عن طريق نادر شاه أحد ضباط الملك أمان الله السابقين والذي كان من الموالين لها.
وفي العام 1933م سلمت بريطانيا الحكم لظاهر شاه ابن نادر شاه وكان عمره إذاك 19سنة، وحكم أفغانستان أربعين سنة تحت رعاية الإنجليز.
في العام 1973م نجحت روسيا في التغلغل إلى أفغانستان فقام ابن عم الملك محمد داود المدعوم من الاتحاد السوفياتي بالإطاحة بالملك، وانتقلت أفغانستان منذ ذلك التاريخ إلى قبضة الشيوعيين التابعين للاتحاد السوفياتي.
ثم في العام 1978م جاء الروس بمحمد نور طاراقي إلى الحكم، ووقع لهم على معاهدة مع الرئيس السوفياتي ليونيد بريجينيف تسمح بدخول القوات السوفياتية إلى أفغانستان، وأثار ذلك حفيظة أمريكا وبريطانيا لأنهما اعتبرا ذلك التوقيع إخلالاً فظيعاً بالتوازن الدولي في أفغانستان.
فدبرت أمريكا انقلاباً على طاراقي على يد شيوعي موالٍ للغرب اسمه حفيظ الله أمين كان قد خدع الروس باظهاره الموالاة لهم، وكان له اتصال مع المخابرات الأمريكية،فقام العام 1979م بالإطاحة بطاراقي، وبقتله، وقتل كَّل جماعته.
وفي 27 كانون الأول من نفس العام رد الروس على ذلك الانقلاب المفاجئ بغزو عسكري شامل لأفغانستان، نصَّبوا على إثره حكومة شيوعية في كابول برئاسة باراك كاراميل الذي جاءوا به معهم من روسيا.
وعلى إثر ذلك اندلعت مقاومة عنيفة ضد الحكم الجديد، وانتظم المقاتلون الأفغان في ميليشيات، وانتشرت الروح الجهادية بقوة ضد الشيوعيين الكفار، واستغلت أمريكا هذا الوضع الجديد، فألقت بكامل ثقلها وراء المجاهدين، وأوعزت إلى الدول العربية كالسعودية وغيرها، بتسهيل حركة المقاتلين الذاهبين إلى أفغانستان و تم إمدادهم بالأموال والأسلحة المتنوعة والتي كان منها صواريخ ستنجر التي شلّت الطيران السوفياتي.
وبعد عشر سنوات من الغزو السوفياتي لأفغانستان أصيب الاتحاد السوفياتي بالإرهاق والعجز عن السيطرة على الأوضاع في أفغانستان وذلك بعد خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات لحقت بقوات الاتحاد السوفياتي.
وللخروج من هذا المأزق استبدل السوفيات بباراك كارميل نجيب الله في العام 1987م وكان رئيساً للاستخبارات على أمل أن يكون أقدر من سلفه على حماية المصالح السوفياتية في أفغانستان، بعد أن قرروا الانسحاب في 14/شباط/1989م.
صمد نجيب الله لمدة ثلاثة أعوام فقط أمام هجمات المجاهدين، وفي العام 1992م سقطت كابول وتولى الحكم برهان الدين رباني.
انتقل الصراع بين المجاهدين أنفسهم لمدة أربع سنوات إلى أن تمكنت حركة طالبان المدعومة من المخابرات الباكستانية مباشرة، والمدعومة من أمريكا بشكل غير مباشر، من السيطرة على الحكم وطرد حكومة رباني من السلطة.
وتفاوضت حركة طالبان بين الأعوام 1996م -1998م مع مسؤولين أمريكيين للاعتراف بحكمها لأفغانستان رسمياً، ولتسلم مقعد أفغانستان الشاغر في الأمم المتحدة، كما تفاوضت الحركة مع شركتي يوماكال الأمريكية ودلتا السعودية لإبرام صفقة نقل الغاز من جمهوريات آسيا الوسطى عبر أفغانستان إلى الموانئ الباكستانية على المحيط الهندي، لكن وقوع تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا أوقف العمل بهذا الاتفاق.
وتغيرت العلاقات بين طالبان وأمريكا جذرياً وساءت بعد وقوع تفجيرات الحادي عشر من أيلول عام 2001م، فغزت أمريكا أفغانستان، وتعاون معها المجاهدين القدامى كبرهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود وغيرهما، كما تعاون معها حكام باكستان الذين جعلوا أرضها وسماءها وقواعدها ومخابراتها تحت تصرف الأمريكان، وقاموا بقطع الشريان الحيوي الذي كان يمد طالبان بالحياة، وهذا ما يفسر السهولة في نجاح قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني في السيطرة على أفغانستان في أيام معدودة بعد الغزو.
وبعد الغزو الأمريكي البريطاني تم وضع وثيقة بون وصاغت أمريكا دستوراً جديداً لأفغانستان يخولها باسم الأمم المتحدة من السيطرة على نظام الحكم في أفغانستان وذلك بتجميع ممثلي (اللويا جيرغا) من المجاهدين السابقين، ومن العملاء الجدد لها ليكونوا شاهد زور على شرعية الاحتلال.
لكن أمريكا فوجئت بعودة حركة طالبان إلى المقاومة بعد تنظيم صفوفها بأشد مما عرف عنها من قبل، وبدأت تنال من القوات الأمريكية والبريطانية وتلحق بها الخسائر الجسيمة في الأرواح والمعدات.
ولم تتوقع أمريكا أن تكون حركة طالبان بمثل هذه القوة، فشحنت المزيد من قواتها إلى أفغانستان، واستعانت بحلف الناتو وبقوات أخرى لكنها لم تستطع إلحاق الهزيمة بطالبان، وعادت قوات طالبان للسيطرة على أكثر من نصف البلاد، وأصبحت أفغانستان تُشكل التحدي الأكبر لأمريكا في الخارج، وباتت أهم مأزق لأمريكا في سياستها الخارجية.
تفاقمت أوضاع القوات الأمريكية في أفغانستان أكثر فأكثر، وارتفعت وتيرة أعداد القتلى من الجنود الأمريكيين، ومن الجنود الآخرين المشاركين في الغزو وخاصة من البريطانيين، وأصبحت الدول المشاركة تتفلت من التزاماتها وتحاول الانسحاب من افغانستان، ولم تستطع أمريكا أن تحسم الوضع عسكرياً فبدأت تبحث عن سبل دبلوماسية، وتحاول الاتصال بحركة طالبان من خلال السعودية والباكستان لوضع حل سياسي بعدما أيقنت بفشل الحل العسكري.
لكن الأوضاع ما زالت شائكة في أفغانستان فظهر العجز الأمريكي العسكري بشكل جلي في أفغانستان وعلقت أمريكا هناك فلا هي تستطيع الانسحاب لأن ذلك إن حصل يعتبر هزيمة مدوية لها وفضيحة كبيرة بخقها بوصفها الدولة الأعظم، ولا هي قادرة على الحسم العسكري في أفغانستان.
إن هذه الأوضاع غير المستقرة ستُساعد دولة الخلافة على طرد الوجود الأمريكي نهائياً من أفغانستان وبالكستان وجميع بلدان العالم الاسلامي، وإن حزب التحرير يسعى منذ الآن مع الأمة وبها من أجل إقامة دولة اسلامية حقيقية في المنطقة تشمل باكستان وأفغانستان ودول الجمهوريات الاسلمية في آسيا الوسطى ليكونوا في دولة واحدة قوية، تنتقل في المرحلة الثانية لتتمدد إلى سائر بلاد المسلمين الأخرى.

الاثنين، 11 فبراير 2013

القوقاز





القوقاز


القوقاز أو القفقاس هي المنطقة الواقعة بين بحر قزوين (الخزر) شرقاً والبحر الأسود غرباً، وهي منطقة جبلية شاسعة وفاصلة بين روسيا من الشمال وبين تركيا وإيران من الجنوب وتقسم إلى قسمين:
1)  القوقاز الشمالي وتشمل الجمهوريات (المحافظات) التابعة لروسيا وهي الشيشان والداغستان والأنجوش ومناطق الشركس.
2)           القوقاز الجنوبي وتشمل الجمهوريات المستقلة وهي ثلاث جورجيا وأرمينيا وأذربيجان.
وأراضي القوقاز غنية جداً بالنفط والغاز الطبيعي خاصة في أذربيجان والمعادن كالحديد والمنغنيز والنحاس والرصاص والزنك والتنجستون.
بدأ الفتح الإسلامي لمناطق القوقاز مبكراً في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب t حيث فتح القائد سراقة بن عمرو أذربيجان في العام 22 هجري، وفي عهد عثمان بن عفان t فتحت جورجيا وأرمينيا.
استمرت مناطق القوقاز بالخضوع للدولة الإسلامية المتعاقبة حتى العام 1722م حيث غزا الروس القوقاز في زمن الإمبراطور بطرس الأكبر وذلك مع بداية ضعف دولة الخلافة العثمانية.
تصدى أهل القوقاز للغزو الروسي لأراضيهم فقام الإمام منصور بمحاربة الروس منذ 1780-1791م إلى أن وقع في الأسر سنة 1794م ومات في سجن سليسبرغ الروسي.
وحمل راية الجهاد ضد الروس بعد ذلك الإمامان غازي مولا محمد وحمزات ما بين العامين 1824 وَ 1832م ثم في العام 1839م تجمع شعوب شمال القوقاز لمحاربة الروس تحت قيادة الإمام شامل لمدة خمس وعشرين عاماً. وتمكن الروس من السيطرة الكاملة على شمال القوقاز في العام 1859م مع انتهاء ثورة الإمام شامل.
وبعد تركيز الروس لنفوذهم في القوقاز ثارت الشعوب الشركسية ضدهم ما بين العام 1862م والعام 1864م وبعد هذا العام بسط الروس سيطرتهم الكاملة على جميع مناطق القوقاز الشمالي.
وبعد نصف قرن من سيطرة الروس تلك قاد الشيخ شيتا استامليون ثورة الحركة القادرية ضد الدولة السوفياتية الشيوعية ما بين العام 1928م والعام 1935م.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحت ذريعة تعاون الشيشان مع النازيين الألمان قام الرئيس السوفياتي جوزيف ستالين في العام 1945م بتهجير مئات الآلاف من الشيشانيين إلى سيبيريا مات منهم 100 ألف خلال عامين.
وظل الشيشانيون يعانون ظروف التشرد والبرد والموت في سيبيريا حتى العام 1957م عندما تسلم الرئيس نيكيتا خرتشوف مقاليد السلطة في الاتحاد السوفياتي فأعادهم إلى بلادهم وكانوا قد فقدوا نصف عددهم في سيبيريا.
ومنذ العام 1957 وحتى العام 1991م هدأت الأمور في القوقاز واستتب لروسيا الشيوعية الأمن فيها إلى أن سقط الاتحاد السوفياتي في العام 1990م حيث سيطر جوهر دوداييف على جمهورية الشيشان وأعلن استقلالها عن روسيا واندلعت الحرب بين الطرفين ما بين العام 94-97 واستشهد دوداييف في هذه الحرب في 21/4/96 بغارة جوية روسية وسقطت العصمة غروزني في الحرب وتولى الرئاسة من بعده سليم خان بندرباييف وتمكن الشيشان وبعمليات قتالية بطولية من إعادة تحرير غروزني وطرد الروس منها وإجبارهم على توقيع اتفاقية هدنة في 31/8/96 تقضي بخروج الجيش الروسي من الشيشان وإجراء استفتاء على الاستقلال في 3/12/2001م.
وفي 28/1/97 فاز أصلان مسخادوف برئاسة الجمهورية الشيشانية ووقع على معاهدة سلام مع الرئيس الروسي بوريس يلتسين في 12/5/97 لا تنص صراحة على الاستقلال ولا تنص كذلك على بقاء الشيشان جزء من روسيا، وأصبحت جمهورية الشيشان بعد هذه الاتفاقية تتصرف كدولة مستقلة. وأصبحت دول العالم تتعامل معها على أنها مستقلة أو في طريقها للاستقلال، لكن في العام 1999م استغلت روسيا وقوع هجمات وتفجيرات قام بها المقاتلون الشيشان في روسيا وداغستان أسفرت عن مقتل أكثر من 250 روسياً فقامت بقيادة فلاديمير بوتين بنقض الاتفاقية السابقة واجتاحت القوات الروسية من جديد جمهورية الشيشان وأسقطت الدولة واحتلت العاصمة وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل وصول جوهر دوداييف إلى الحكم ونُصب حكام عملاء لروسيا في غروزني وعادت الشيشان لتمثل إحدى المحافظات الروسية.
وفي السنوات العشر الأخيرة استمرت المناوشات بين قوات الاحتلال الروسية وبين بعض الثوار المقاومين للوجود الروسي ولكن بوتيرة أخف من ذي قبل.
امتازت أساليب الجيش الروسي في فرض سيطرته على القوقاز بالوحشية في التعامل مع السكان حيث استخدمت الإعدامات الجماعية وحرق القرى وتدمير المدن وتشتيت الأسر واغتصاب النساء وقتل المدنيين لأتفه الأسباب.
ونتيجة لهذه الأساليب الهمجية التي ينتهجها الروس في مناطق القوقاز تحولت المقاومة إلى العمل تحت الأرض، ولكن الروس وإن نجحوا في كسر شوكة المجاهدين القوقاز إلا أنهم لم ينجحوا في حمل الشعوب القوقازية على الرضوخ للاحتلال الروسي والدليل على ذلك أنه بينما كانت مطالب المجاهدين في السابق تركز فقط على نيل جمهورية الشيشان للاستقلال أصبحت مطالبهم اليوم تتعدى الشيشان لتشمل جميع الأراضي القوقازية الشمالية التي عبَّر عنها قائد المجاهدين القوقاز هذه الأيام دوكو عمروف والذي أصبح ينادي بإقامة إمارة القوقاز الإسلامية والتي تتكون من الشيشان وداغستان والانجوش وأوسيتا ومناطق الشركس وما جاورهم.
إن الحل الشرعي الذي يتبناه حزب التحرير لمشكلة القوقاز المزمنة مع الروس هو ما قرَّره الإسلام وهو وجوب تحرير جميع الأراضي القوقازية من نير الاحتلال الروسي وضمها إلى أرض الإسلام ودار الإسلام، فالروس ما هم في الواقع سوى غزاة كفار اقتطعوا هذه الأراضي الإسلامية في فترة ضعف تمر بها الأمة الإسلامية بسبب ضعف دولة الخلافة العثمانية أولاً منذ العام 1722 وبسبب زوالها بعد الحرب العالمية الأولى.
إن دولة الخلافة القادمة قريباً إن شاء الله ستعمل بكل ما أوتيت من قوة لاسترداد هذه الأراضي الإسلامية وانتزاعها من المحتل الروسي وضمها إلى جسم الدولة الإسلامية وتطبيق أحكام الإسلام فيها واعتبارها من أهم الثغور التي سيرابط فيها المجاهدون لمقارعة الروس الكفار في تلك المنطقة وللتحضير بعد ذلك لغزو مناطق قازان موطن الدولة التتارية المسلمة وفتحها وتحرير جميع الأراضي التي كانت خاضعة للدولة القازانية التتارية بما فيها مدينة موسكو وضمها لدار الإسلام من جديد.
أما مهادنة حكام المسلمين اليوم للروس النابعة عن جبن وعدم التزام بأحكام الإسلام فهذا أمر لن يستمر بعد قيام الدولة الإسلامية التي ستعامل الروس كأعداء وتعامل الدولة الروسية باعتبارها دولة محاربة فعلاً فلا تقام معها علاقات دبلوماسية ولا اقتصادية ولا غير ذلك.




الأحد، 10 فبراير 2013

قضية كشمير




قضية كشمير

 
كشمير قيل عنها الكثير فهي سقف العالم أو سقف الدنيا أو جنة الله على الأرض كما أطلق عليها الفاتحون المسلمون، وهي أرض ترتفع عن سطح البحر بما يزيد عن 1200متر، وتحوى على أجزاء من سلسلة جبال الهملايا، وهي مصدر غني لينابيع الأنهار التي تخترق شبه القارة الهندية، وتُغذيها بالمياه والحياة، وتطل كشمير على الهند وباكستان والصين، ويخترقها طريق الحرير المشهورة.
فُتحت كشمير مع بلاد الهند والسند أواخر القرن الأول الهجري على يد القائد محمد بن القاسم سنة 94هـ الموافق 712م في عهد الخليفة العباسي المعتصم، ومنذ ذلك التاريخ دخلت كشمير مع شبه القارة الهندية تحت سلطان الإسلام وأصبحت جزءاً من دار الإسلام.
مع ضعف المسلمين في العصور الأخيرة، وهزال الدولة العثمانية، غزت بريطانيا شبه القارة الهندية سنة 1819م، ووجهت بمقاومة إسلامية عنيفة لمدة ثلاثة عقود، ولم تتمكن من السيطرة عليها إلا في العام 1846م، وذلك بعد أن تعاونت معها بعض القوى المحلية من الهندوس والسيخ والبوذيين.
وبالنسبة لإقليم كشمير ذو الغالبية المسلمة فقد سلّمت بريطانيا الحكم فيه للهندوس الذين استأجروا الإقليم من بريطانيا لمدة مائة عام بموجب عقد إيجار يسري مفعوله من عام 1846م إلى عام 1946م.
وارتكب المهراجا الهندوسي الذي نُصب حاكماً على كشمير كل أنواع المجازر، وكل صنوف العذاب بحق مسلمي كشمير لدرجة أنه قال متبجحاً: "إن الشعب في كشمير يُساق كالماشية ويبطش به ويظلم ولا أحد من المسؤولين يسمع تظلمه".
ومن شدة جور الحكم الهندوسي في كشمير، وبطشه وانتهاكه للمحرمات، ومنها حادثة قيام ضباط الأمن الهندوسي بتدنيس القرآن الكريم، ثار المسلمون في العام 1931م ضد تسلط الحكم الهندوسي وقتل نتيجة لذلك اثنان وعشرون مسلماً في السجن قاموا برفع آذان الظهر بحيث كان كل واحد منهم يتلفظ بجزء من كلمات الأذان فيقتل، فيأتي آخر فيكمل فيقتل، إلى أن أتم الاثنان والعشرون رفع الأذان كاملاً، وشبه مسلمو كشمير هذه الحادثة بمعركة مؤتة.
وفي العام 1947 قام الإنجليز بتقسيم شبه الجزيرة الهندية إلى دولتين: دولة الهند بغالبية مجوسية ودولة الباكستان بغالبية مسلمة، وانضم حاكم كشمير الهندوسي إلى الهند بالرغم من أن غالبية سكانها من المسلمين، ونشبت الحرب بين الهند وباكستان وأسفرت عن استيلاء الهند بدعم بريطاني على ثلثي كشمير وبقي 30% من كشمير لباكستان و5% من أراضي كشمير استولت الصين عليها لمحاذاتها لها.
وبعد انتهاء الحرب صدر قرار عن مجلس الأمن الدولي يمنح سكان كشمير الحق بإجراء استفتاء ليقرر الكشميريون مصيرهم النهائي إما بالانضمام إلى الهند أو إلى باكستان أو بالاستقلال، لكن القرار لم يُطبق وبدلاً من ذلك قام الرئيس الهندي جواهر لال نهرو بإعلان ضم ولاية كشمير إلى الهند في العام 1956م.
واستمرت قوات القمع الأمنية الهندية بقمع مسلمي كشمير، وقتلهم، وسجنهم، وتصفية العلماء والسياسيين منهم منذ ذلك الوقت وحتى هذه الأيام.
وما ساعد الهند على ارتكاب هذه المجازر ضد المسلمين في كشمير هو تقاعس حكام المسلمين لا سيما حكام الباكستان عن نصرة مسلمي كشمير، وهو ما أدّى إلى ضياع كشمير من أيدي المسلمين كما ضاعت فلسطين.
وخاضت الباكستان في العام 1965م حرباً ثانية مع الهند بسبب كشمير خسرت فيها ثلاثة أنهار سلَّمها الرئيس الباكستاني أيوب خان للهند بلا قتال.
وفي العام 1971م أضاع يحيى خان وذو الفقار على بوتو باكستان الشرقية من جسم الدولة الباكستانية و تحولت إلى دولة مستقلة اسماً تحت اسم بنغلادش للهند نفوذ واسع فيها.
وفي العام 1999م وفي عهد نواز شريف أوشك المجاهدون وقوات من الجيش الباكستاني من تحقيق النصر على الهند في مرتفعات كارغيل لولا خيانة نواز شريف الذي سحب الجيش استجابة لأوامر أمريكا من أجل مساعدة فايجبايي رئيس وزراء الهند آنذاك والموالي لأمريكا بالفوز في الانتخابات أمام منافسه حزب المؤتمر على حساب دماء المسلمين، وكان ذلك الانسحاب سبباً في سقوط نواز شريف.
ولكن الرئيس برويز مشرف الذي جاء بعد نواز شريف ارتكب أكبر خيانة في حق المسلمين في كشمير حيث أنه تنازل عن إعطاء شعب كشمير حق تقرير المصير في العام 2003 تحت ضغط الرئيس الأمريكي جورج بوش وقبل بحل المفاوضات عديمة الجدوى والحوار الغقيم مع الهند على غرار التفاوض العبثي بين الفلسطينيين واليهود وفقاً لخارطة طريق أمريكية على مستقبل كشمير على غرار خارطة الطريق التي وضعت للقضية الفلسطينية. ولم يكتف برويز مشرف بهذه الخيانة الفظيعة بل إنه وجه الجيش الباكستاني لقتال الحركات الإسلامية المجاهدة في كشمير التي كانت مدعومة من قبل الجيش الباكستاني نفسه.
وهكذا ظلت كشمير تحت الاحتلال العسكري الهندوسي منذ العام 1947م، وظلت تستصرخ العالم الاسلامي لإنقاذها، ولكن أياً من الدول القائمة في العالم الإسلامي لم تمد لها يد العون والغوث والنجدة، وظلت وحيدة ترزح تحت جبروت الحكم الهندوسي الظالم.
إن الحل الإسلامي لمسألة كشمير سهل ميسور، فما على الباكستان إلا أن توجه جيشها إلى كشمير ليقوم بتحريرها من دنس الهندوس، وباكستان قادرة وبمفردها على تحقيق النصر، وطرد الهندوس من كشمير، وكادوا أن ينجحوا في ذلك في العام 1999 لولا خيانة الحكام التي حالت دون تحقيق ذلك.
إن دولة الخلافة الإسلامية التي يسعى حزب التحرير لإيجادها سوف تعمل فور قيامها على ضم كشمير إلى جسم الدولة، والدخول مع الهند في حرب ضروس، لا لاستعادة كشمير وحدها، بل لاستعادة كل شبه الجزيرة الهندية إلى حظيرة الإسلام لأنها أرض إسلامية منذ القرن الأول الهجري.
ثم إن الهند نفسها عندما قسمها المستعمر البريطاني راعى إيجاد أكثرية فيها من الهندوس لجعل المسلمين أصحاب الحكم والقرار فيها أقلية مهمشة مع أنهم أصحاب الأرض الأصليون منذ قرون بعيدة.
على أن الهند نفسها يقطن فيها قرابة ألمائتي مليون مسلم بمقدورهم أن يعملوا من الداخل لمساعدة الجيش الإسلامي في الخارج على استعادة الهند من المغتصبين الهندوس الذين تواطؤا مع المستعمر الإنجليزي على استبعاد المسلمين من حكم الهند ومنعهم من مجاهدة الكفار المستعمرين فيها.
إن الرؤية الإسلامية التي يتبنّاها حزب التحرير لحل مشكلة كشمير هي نفسها الرؤية التي يتبنّاها في حل مشكلة فلسطين وسائر المناطق المحتلة الأخرى، وهي وجوب تحرير هذه الأراضي من نير المغتصبين، فكشمير أرض إسلامية يجب تحريرها من المحتلين الهنود الذين تواطؤوا مع الاستعمار البريطاني ضد المسلمين في المنطقة.
والجهاد في سبيل الله هو الطريق الوحيد لإستنقاذ كشمير من أيدي الهنود المغتصبين لها، وهو نفس الطريق المؤدي إلى استنقاذ الهند نفسها من أيدي الهندوس، لأن الهند أرض لإسلامية خراجية كانت تُحكم لمدة زادت عن الألف سنة من قبل المسلمين.

الاثنين، 4 فبراير 2013

قضية قبرص




قضية قبرص




تمتاز جزيرة قبرص بموقع حيوي شرقي البحر الأبيض المتوسط، فتقع قبالة السواحل الشامية من جهة الشرق وقبالة السواحل التركية من جهة الشمال.
فتحها المسلمون مبكراً في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان t سنة 649 ميلادي وظلت جزءاً من دار الإسلام لمدة اثني عشر قرناً تقريباً تخللتها فترات قصيرة جداً من السيطرة الفرنجية إبان الحروب الصليبية.
وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومع ضعف دولة الخلافة العثمانية وتعاظم دور القوى الأوروبية الاستعمارية، وتعاظم دور روسيا، خشيت بريطانيا على مصالحها في البحر المتوسط من أن تتعرض للخطر الروسي الذي بات يهدد المضائق بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وبات يُشكل خطورة على سيطرة بريطانيا على الملاحة في المتوسط، والتي كانت معظم تجارتها إلى الهند تمر من خلاله.
وبحجة أنها تريد تحصين وجودها في المنطقة لمواجهة التهديد الروسي الجديد قامت بخداع الدولة العثمانية، واستغلال ضعفها، ولانتزاع جزيرة قبرص منها طلبت من الدولة العثمانية أن يكون لها وجود عسكري مؤقت في قبرص للمشاركة في حمايتها وحماية تركيا من الغزو الروسي المزعوم، فوافق السلطان عبد الحميد الثاني على ذلك الطلب من موقع ضعف، ووقعت الدولة العثمانية اتفاقية مع بريطانيا في العام 1876م تنص على السماح للإنجليز بوجود عسكري مؤقت في جزيرة قبرص تحت السيادة العثمانية على أن يخرج الإنجليز من الجزيرة بعد انتهاء الخطر الروسي في المنطقة.
وقبل زوال الخطر الروسي سقط السلطان عبد الحميد، وأقحمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وتنصلت بريطانيا من شروط الاتفاقية، وأعلنت إلغاءها إيّاها تحت ذريعة تحالف الدولة العثمانية مع ألمانيا، ومن ثم تم إلحاق قبرص بالمستعمرات البريطانية.
وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت أمريكا بالضغط على بريطانيا للخروج من المستعمرات، فأشعلت في قبرص ثورة من خلال اليونانيين للضغط على بريطانيا للخروج وتسليم الجزيرة لليونان.
ولكن بريطانيا التي أقامت في الجزيرة أكبر قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط أدارت الثورة من خلال عميلها المطران مكاريوس الذي تزعم الثورة ضد الاحتلال البريطاني، فطالب بالاستقلال عن بريطانيا وحوَّل مطالب الثوار التي كانت تنادي بالانضمام إلى اليونان إلى المطالبة بالاستقلال التام.
واستغلت بريطانيا تركيا كونها ترفض بالطبع ضم قبرص لليونان، وكانت النتيجة أن أعلن عن استقلال قبرص وانضمامها إلى الكومونولث البريطاني في العام 1960م.
استمر الصراع بين المستعمر البريطاني والمستعمر الأمريكي الجديد على قبرص حيث تريد بريطانيا الاحتفاظ بقواعدها العسكرية في الجزيرة، وتريد أمريكا إخراجها منها، وتحولت القضية القبرصية بذلك إلى قضية من قضايا الصراع الدولي بدلاً من أن تكون قضية صراع بين المسلمين أصحاب الأرض وبين الاستعمار الغربي.
وفي العام 1974م أطاح انقلاب عسكري بمكاريوس وقفت وراءه أمريكا وكان الهدف منه واضحاً وهو إزالة القواعد العسكرية البريطانية، وازالة النفوذ الانجليزي من قبرص، فردت بريطانيا عليه بإنزال تركيا لجيشها في قبرص، واحتلال الجزء الشمالي الذي تقطنه أغلبية تركية، فأفشل هذا الإنزال الهدف من الانقلاب، وانقسمت جزيرة قبرص منذ ذلك التاريخ إلى شطرين: أحدهما بيد الأتراك والآخر بيد اليونانيين.
وكان هذا الانقسام بينهما ذريعة تساعد الإنجليز على الاحتفاظ بقواعدهم العسكرية، وعدم الخروج من قبرص، ويبدو أن تكريس الانقسام في الجزيرة هو أمر بات مقبولاً لدى الجميع بما فيها أمريكا لا سيما وأن كل محاولات إعادة توحيد شطري الجزيرة قد فشلت على مدى العقود الثلاثة الأخيرة.
وما يُعزز هذا الرأي ما جرى في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في جمهورية شمال قبرص التركية حيث فاز فيها درويش إيروغلو مرشح الحزب القومي القبرصي التركي الذي يدعو صراحة إلى انفصال الجمهورية القبرصية الشمالية عن قبرص اليونانية، وهو ما يضع عوائق جديدة حقيقية أمام الاتحاد، وقد أكد هذا المعنى الرئيس المنتهية ولايته محمد علي طلعت بقوله: "إنه من المستحيل مع إيروغلو مواصلة مفاوضات إعادة توحيد الجزيرة". فإيروغلو معروف عنه أنه يدافع بحرارة عن فكرة جزيرة بدولتين.
إن النظرة الإسلامية إلى جزيرة قبرص تقضي بأنها أرض إسلامية محتلة يجب إعادتها إلى حظيرة الإسلام، وكان ينبغي على حكام تركيا أن يعملوا بأكبر جهد ممكن لإعادتها إلى السيادة الإسلامية، وان يضموها الى تركيا ولكنهم بدلاً من ذلك تآمروا وتخاذلوا وأسلموها لقمة سائغة إلى الإنجليز بعد الحرب العالمية الأولى، ولم يفكروا البتة في تحريرها حتى الآن، وسلّموا بعدم إرجاعها الى وطنها الأم.
والشيء المؤسف والغريب في نفس الآن أن جميع حكام البلاد الإسلامية ما عدا تركيا قد اعترفت بسيادة الشطر اليوناني على الجزيرة، ولم تعترف بسيادة المسلمين الأتراك عليها.
إن قيام دولة الخلافة الإسلامية الآتية قريباً بإذنه تعالى سوف تعمل على قبرص بشطريها في ظل دار الإسلامن وهو عمل من أهم أولوياتها، لأن قبرص أرض إسلامية عريقة منذ فجر الإسلام، ولا يجوز التفريط أو التساهل في إعادتها إلى عقر دار المسلمين.
2