الأربعاء، 30 مارس 2022

سرطان التطبيع نتاج طبيعي الاتفاقيات السلام الخيانية

جريدة الراية: سرطان التطبيع نتاج طبيعي
لاتفاقيات السلام الخيانية
 
 
يجري التطبيع في هذه الأيام بين الدول العربية وكيان يهود بخطوات سريعة وقفزات واسعة بلغت من الخيانة والوقاحة ما لم يكن يخطر على بال أي حاكم خائن من قبل، فهذا محمد بن سلمان يقول لوكالة الأنباء السعودية الرسمية: "إننا لا ننظر إلى (إسرائيل) كعدو، بل ننظر إليها كحليف محتمل في العديد من المصالح التي يمكن أن نسعى لتحقيقها"، وهذا وزير خارجيته يقول: "إنّ اندماج (إسرائيل) في المنطقة سيكون مفيداً"، وأمّا وزير خارجية البحرين عبد الله بن خليفة فقد بلغت به السفاهة أن يقول: "الموساد موجود في البحرين وحاضر في المنطقة لتوفير مزيد من الأمن والاستقرار والحفاظ على أرواح المدنيين الأبرياء"، ويقول الرئيس السوداني بإسفاف يصل حد التندر بأنّ: "العلاقات الأمنية مع كيان يهود قد ساهمت في كشف مجموعات إرهابية"، وأمّا تركيا التي نددت في البداية باتفاقيات التطبيع بين الدول العربية وكيان يهود فإنّها اليوم عادت وطبعت علاقاتها مع المطبعين ومع كيان يهود فزار رئيسها أردوغان الإمارات (أمّ المُطبّعين) لقاء دفع الإمارات لتركيا عشرة مليارات دولار، وقال بعد عودته بأنّ "المحادثات كانت مثمرة للغاية بين تركيا والإمارات، وأنها فتحت آفاقا جديدة وبزخمٍ قوي، وأننا مُصممون على مواصلة الجهود من أجل مصالحنا المشتركة"، فكلام الليل عند أردوغان يمسحه النهار.
وقامت الحكومة التركية بتحضيرات محمومة لاستقبال رئيس كيان يهود إسحاق هيرتسوغ، الذي زار تركيا مطلع هذا الشهر آذار/مارس ومن هذه التحضيرات:
1- إرسال إبراهيم كالين كبير مستشاري أردوغان وسادات أونال مساعد وزير الخارجية التركي لمدة يومين لكيان يهود تمهيداً للزيارة.
2- ضبط خلية إيرانية في تركيا كانت تستهدف مصالح وشخصيات لكيان يهود ومن بينها اغتيال رجل أعمال رداً على اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زاده.
3- تعاون الموساد مع السلطات التركية في إحباط 12 مخططا لشن هجمات ضد مصالح كيان يهود في تركيا.
4- تعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية بين الدولتين.
5- بلغت تركيا قادة حركة حماس بطرد عناصر الجناح المسلح للحركة من أراضيها بعد طلب قدمه لها كيان يهود.
6- أعلنت تركيا بأنها لن تقدم أية مساعدات عسكرية لحماس.
7 - أرسلت تركيا وفداً دبلوماسياً إلى الأراضي الفلسطينية مهمته بحث إمكانية إعادة بناء جسور الثقة بين محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ونفتالي بينت رئيس حكومة كيان يهود.
وبعد كل هذه الخطوات التركية التطبيعية المفضوحة يطلع علينا مولود جاويش أوغلو وزير خارجيتها زاعماً بأنّ: "تطبيع العلاقات التركية مع (إسرائيل) لن تكون على حساب الفلسطينيين، وأنّه قد يساهم في تعزيز دور تركيا في التوصل لحل الدولتين"!
والحقيقة أنّ هذا التقارب بين الدولتين سببه إدارة بايدن التي أسقطت اتفاقية الطاقة والغاز بين كيان يهود واليونان وقبرص المعروفة باسم (إيست ميد) والتي تمّ توقيعها أيام ترامب لمصالح شخصية، وألغاها بايدن بجرة قلم ووصفها بأنّها غير ذات جدوى.
وهدف أمريكا من إسقاط تلك الاتفاقية إدخال تركيا في نظرتها المستقبلية البديلة عنها، لذلك نجد أنّ كل هذه الأعمال التطبيعية بين الدولتين الهدف منها تعزيز العلاقات بينهما من أجل التوصل إلى اتفاقيات غاز جديدة لشرق المتوسط تكون تركيا مُشاركة فيها.
فهذا التطبيع السرطاني مع كيان يهود الذي تقوم به تركيا والدول الخليجية والمغرب والسودان في الواقع لا يزيد الأمة الإسلامية إلا ضعفاً، بل هو يُمزّق شملها، ويقتطع من أراضيها، ويقوي شوكة دولة يهود فيها، ويجعلها - وهي الجسم الغريب المنبوذ في المنطقة - جزءاً طبيعياً مقبولاً وقوياً بين ظهرانيها، بالإضافة إلى كونه يُضاعف المصالح الأمريكية والأوروبية في بلاد المسلمين، ويزيد من نفوذ الكفار بكل أشكاله الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية فيها.
وما كان هذا التطبيع السرطاني ليحدث لولا إبرام اتفاقيات (السلام الخيانية) التي جعلت الدول الموقعة عليها تعترف بكيان يهود، وبحقه بالوجود في فلسطين قلب المنطقة العربية والإسلامية.
فالاعتراف بكيان يهود والصلح معه هو أصل الداء وأس البلاء، ولولاه لما وجد التطبيع ولا المطبعون، فالتطبيع كحالة هو بالفعل نتاج طبيعي لتلك الاتفاقيات الخيانية.
وعلى الشعوب رفض اتفاقيات الصلح مع كيان يهود وليس فقط رفض التطبيع معه، لأنّ اتفاقيات الصلح هي الأصل الفاسد الذي انبنت عليه أعمال التطبيع السرطانية، وإذا أردنا استئصال تلك الأعمال فعلينا أن نستأصل أصلها أولاً.
ومن هنا كان لا فرق في النظر بين من طبّع وبين من اعترف فكلاهما خيانة، فالعرب في مؤتمر الخرطوم الذي انعقد عام 1967 سايروا شعوبهم نفاقاً وكذباً، ورفعوا الشعارات الثلاثة بوصفها ثوابت سياسية حقيقية في التعامل مع المغتصب، وهي اللاءات الثلاث المشهورة: لا للصلح لا للاعتراف لا للمفاوضات، ثمّ بعد امتصاص غضب الشعوب إثر هزيمة 1967 انقلبوا على هذه الثوابت، وتفاوضوا مع قادة دولة يهود، ووقعوا معها اتفاقيات صلح واعتراف خيانية أنتجت فيما بعد ما نراه من علاقات التطبيع المقيت.
لذلك فعلى الواعين سياسياً أن يُبينوا للناس أنّ جريمة التطبيع ما هي إلا نتاج طبيعي لاتفاقيات الصلح الخيانية، فلا يقبل من أحد رفضه للتطبيع وقبوله بالاعتراف بحجة أنّه قرار دولي، ولا يُقبل تبرير أي مُسوّغ لقبول الاعتراف بحجة رفض التطبيع، فلا فصل بين الاعتراف والتطبيع فكلاهما جريمة، فالرفض يكون للأصل والفرع وليس للفرع دون الأصل.

محمد بن زايد يقود المنطقة نحو الهاوية

محمد بن زايد يقود المنطقة نحو الهاوية

تسود منطقة الشرق الأوسط في هذه الأيام حالة غير طبيعية من الاستقطاب السياسي الحاد، تتقاطع فيها السياسات المتناقضة، وتتقارب فيها ما يسمّونها بتيارات اليسار واليمين، بحيث لم يعد المتابع المتخصص يستطيع تمييزها عن بعضها بعضا، فتظهر الصورة السياسية العامة للمنطقة بسبب ذلك التداخل والتشابك فيها الكثير من الضبابية والتشويش، وينتج عنها تحالفات سياسية غير منسجمة مع نفسها لا يجمعها أي رابط، ولا تضبطها أية قاعدة من قواعد الربط السياسية المعروفة سوى جعل زمام القيادة لشخص رويبضة يتحكم بالآخرين خدمة لمصالح الدول الاستعمارية.
والذي يقف خلف كل هذه التناقضات السياسية والمخرجات السياسية المشوهة والمشبوهة شخص واحد حاقد ومخبول، ألا وهو الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد ربيب بريطانيا وعميلها المخلص.
ينطلق محمد بن زايد هذا في نشاطه السياسي الهدّام من ثلاثة مرتكزات وهي:
1- كراهيته للإسلام، فلا يدع عدواً للمسلمين إلا ويتحالف معه، فهو حبيب الهندوس والبوذيين واليهود والصليبيين، وهو بيدق بيد الكفار، ومعول هدم يستخدمونه في تأسيس ما يُسمّى بالديانة الإبراهيمية الجامعة للأديان بهدف هدم الإسلام من خلالها.
2- كراهيته (للديمقراطية) والانتخابات، فلا يدع ديكتاتوراً في الشرق ولا في الغرب إلا ويدعمه بالمال والإعلام، من مثل سيسي مصر وخليفة حفتر في ليبيا وغيرهما، وهو يعادي الديمقراطية ليس لأنّها نظام كفر، بل لأنّه يخشى السقوط بسببها، وما يترتب عليها من تداول للسلطة.
3- ولاؤه لبريطانيا واسترضاؤه لأمريكا، فهو يسير وفقاً لمخططات أسياده البريطانيين وتعزيز نفوذهم في المنطقة، والتشويش على السياسات الأمريكية بقدر الإمكان، مع استمراره في محاولات استرضاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة وذلك بدفع الأثمان الثقيلة لأمريكا لضمان سكوتها عنه.
ولنأخذ حدثين سياسيين وقعا في أسبوع واحد كان محمد بن زايد عرّابهما وهما:
1- زيارة طاغية سوريا بشار الأسد للإمارات في 08/03/2022م واستقبال ابن زايد له استقبالاً مهيباً، أعيد بها تأهيله عربياً بعد أن طرد من الجامعة العربية بسبب جرائمه في سوريا وقتله وتشريده للملايين في العقد الأخير، فلم يجرؤ أي حاكم عربي على القيام بمثل هذه الخطوة الوقحة من دون إجماع عربي.
وغني عن القول إنّ بشار محسوب ظاهرياً على روسيا ومدعوم من إيران، وتؤيده تيارات اليسار لظنها أنّه معادٍ لأمريكا مع أنّه عميل أمريكي عريق، وجنّدت أمريكا إيران وجلبت روسيا لحمايته من السقوط، وتعمل على إفشال الثورة من أجله.

2- عقد قمّة ثلاثية جمعت محمد بن زايد مع كل من رئيس حكومة كيان يهود نفتالي بينيت والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ في 21/03/2022م.

فابن زايد يتآمر ضد إيران مع كيان يهود في الوقت الذي يستقبل فيه حليف إيران بشار، فقد علم أنّ كيان يهود مستاء جداً من قرب توقيع أمريكا اتفاقاً نووياً مع إيران ورفع العقوبات عنها، ومنح أمريكا إيران صلاحيات واسعة في المنطقة، فدعا إلى قمة شرم الشيخ لدعم كيان يهود ضد إيران، وجرّ معه السيسي الأبله في المؤتمر، وبعث إلى ابن سلمان رسالة مفادها أنّه لا بد للسعودية من التطبيع الفوري مع كيان يهود لأنّ الوقت لا يحتمل الانتظار، وأنّه لا بد من الوقوف ضد إيران وقفة جدية.

فهو يُشكّل مع كيان يهود نواة تشويش للسياسات الأمريكية، ويسعى لعزل إيران، وتأجيل توقيع الاتفاق النووي مستغلاً تورط روسيا في حرب أوكرانيا، والعقوبات المفروضة عليها، ومحاولا استمالة ابن سلمان لتكتله.

وبريطانيا هي التي تدفع ابن زايد للقيام بهذه المناورات السياسية، ومنها التأثير على محمد بن سلمان للابتعاد عن أمريكا التي تتصرف ببرود معه، خاصة وأنّ إدارة بايدن لا تتعامل رسمياً مع ابن سلمان بسبب حادثة خاشقجي، بينما يأتي رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون ويكسر الحظر الأمريكي المفروض على ابن سلمان فيزور السعودية، ويجتمع به علناً، بحجة البحث في توفير كميات نفط إضافية لتعويض النقص الناجم عن الإمدادات الروسية للنفط.

فالدعم البريطاني لتحركات ابن زايد واضحة من خلال تزامن زيارة جونسون للسعودية، ودفع ابن سلمان للابتعاد عن أمريكا، والتنسيق مع ابن زايد لتشكيل ثنائي سياسي فاعل بدعم من كيان يهود.

ولإضعاف الموقف الإيراني يصطف ابن زايد مع بشار ليضعف جبهة إيران سوريا الأمريكية، ويشوش على سياسات أمريكا في توقيت حساس تنشغل فيه أمريكا بقضايا أهم كالمسألة الأوكرانية وتحييد الصين.

وهكذا يبدو ابن زايد وكأنّه زعيم لا غنى عنه في المنطقة، ويؤثّر فيها تأثيراً بالغاً، فيشتري أردوغان بعشرة مليارات دولار، ويشتري السيسي بالمال وبعقد المؤتمر في شرم الشيخ المصرية، ويبعد بشار الأسد عن إيران بالقدر الذي يمكنه من إقامة تكتل مع كيان يهود ضد إيران للتشغيب على الخطط الأمريكية، وبذلك يخلط الأوراق السياسية من خلال قيامه بعملية تجميع المصالح المتباينة للتشويش على السياسات الأمريكية ولو قليلاً، والأهم من ذلك كله فرض نفسه كقائد لا غنى عنه في إدارة دفة السياسات الشرق أوسطية، فتضطر أمريكا للتعامل معه وعدم تجاهله.

لقد وصلنا إلى عهد من الانحطاط السياسي يكون فيه أمثال محمد بن زايد وتميم بن حمد آل ثاني وأضرابهما من الذين لا يحكمون سوى إمارات صغيرة لا يزيد تعداد سكانها عن عدد سكان حي شبرة في القاهرة، فيكونون فيه من أهم قادة الشرق الأوسط، فيصولون ويجولون ويتآمرون، بينما حكام الدول العربية الكبيرة كمصر والسودان والعراق والجزائر والمغرب الذين يحكمون عشرات الملايين من البشر باتوا لا وزن لهم ولا نكاد نسمع لهم همساً!

الاثنين، 7 مارس 2022

الغزو الروسي لاوكرانيا والموقف الأمريكي منه

الغزو الروسي لأوكرانيا وموقف أمريكا 

ترى القيادة الروسية أنّ الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا هو ضرورة جيوسياسية مُلحّة لم تستطع روسيا تحقيقها بالوسائل السلمية والدبلوماسية، لذلك اضطرت إلى اللجوء للخيار العسكري لتأمين احتياجاتها الأمنية التي تعرضّت للتخلخل من جهة أوكرانيا.

ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الوضع في أوكرانيا بأنّه بات يُشكّل تهديداً وجودياً على روسيا نفسها، وأنّه لا بُدّ من اتخاذ إجراء الحياة أو الموت للحفاظ على مصالح روسيا الحيوية في المنطقة، ووصفت وسائل الإعلام الروسية حكام أوكرانيا الحاليين بأنهم من الموالين لأمريكا والغرب، وبأنهم نازيون جدد يسعون لامتلاك الأسلحة النووية، ويُريدون نشر الصواريخ الأمريكية الباليستية في أوكرانيا، وتهديد الأراضي الروسية والمدن الروسية ومنها موسكو، واعتبر بوتين أن روسيا إن لم تَغزُ أوكرانيا الآن فإنها ستُدَمّر في المستقبل، وأنّ عبث أوكرانيا بأمن روسيا هو خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه.

إنّ أوكرانيا في الواقع هي لصيقة بروسيا جغرافياً وديموغرافياً، وهي حاجز فاصل بين روسيا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، وإنّ سقوط أوكرانيا بيد الحلف معناه سقوط آخر خط دفاع روسي ضد أمريكا والغرب، فأوكرانيا تختلف عن غيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة كجورجيا وأوزبيكستان مثلا، لأنّ الأخيرتين لا تقعان على خطوط التماس مع الغرب، فلا خطورة من قِبَلهما على روسيا كما هو الحال بالنسبة لأوكرانيا، لذلك اتخذت روسيا إجراءً حاسماً ورادعاً مع أوكرانيا مُختلفاً تماماً عمّا فعلته في مناطق أخرى، ولم تأبه روسيا للعقوبات الغربية، لأنّها تعتبر أنّ خسارتها لأوكرانيا أكبر بكثير من خسائرها نتيجة العقوبات.

أمّا أمريكا فتُدرك أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا، لذلك فهي تضغط على روسيا من خلال استخدام هذه الورقة الأوكرانية، وهي تحاول أخذها منها من خلال حكامها الموالين لها، ولا مانع لدى أمريكا لو تقاسمتها مع روسيا، فتأخذ روسيا المقاطعات الشرقية من أوكرانيا وتأخذ أمريكا الباقي.

أمّا الكلام عن أنّ روسيا تُريد تغيير موازين القوى العالمية وفرض نظام دولي جديد لصالحها، وإزاحة أمريكا عن زعامة العالم، وأنّ غزوها لأوكرانيا سيتسبّب باندلاع حرب عالمية ثالثة، وأنّ الصين ستدخل الحرب لاحتلال تايوان مستغلة الأزمة الأوكرانية، فكل ذلك تخمينات وأخاليط سياسية لا قيمة لها، ولا أساس لها من الصحة، فروسيا تُدرك حجمها وقوتها، ولا تُطالب بأكثر من تأمين مصالحها الحيوية في الدول الملاصقة لها، وهي تعلم أنّ أمريكا تغض الطرف عن غزوها لأوكرانيا، وما تقوله وسائل الإعلام الروسية والعربية المؤيدة لروسيا والتي تُضخّم من قوة روسيا فهو لا يزيد عن كونه تهويلاً إعلامياً وجعجعة كلامية.

وبالرغم من دخول القوات الروسية بزخم كبير للأراضي الأوكرانية لكنّها حتى الآن لم تحقّق نتائج تُذكر على الأرض، بل ومُنيت بخسائر فادحة، وأمّا ما تُشيعه وسائل الإعلام من كلام عن استسلام أوكرانيا وهزيمتها، ومنح أمريكا وبريطانيا حق اللجوء السياسي للرئيس الأوكراني فهذا يدخل ضمن باب خداع روسيا لتشجيعها في الدخول أكثر في المستنقع الأوكراني.

وأمّا العقوبات المالية والاقتصادية ضد روسيا فهي عقوبات خفيفة أو مُتوسّطة يمكن تحمّلها، وأمّا العقوبات الثقيلة التي تقصم الظهر فامتنعت أمريكا عن إيقاعها ضد روسيا، لأنّها لا تُريد إيذاءها كثيراً، لأنّ لأمريكا مصلحة في إبقاء روسيا لاعبا دوليا مُهمّا تستخدمها ضد أوروبا والصين، وتستخدمها في الشرق الأوسط وأفريقيا ضد خصومها من الأوروبيين والصينيين، فالعقوبات القاسية جدا مثل عقوبة طرد روسيا من نظام سويفت المالي العالمي فلا توقعها عليها، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن يوم الخميس 24/02/2022: "إن حظر روسيا من نظام سويفت ليس مطروحاً على الطاولة في الوقت الحالي وإنه يفضل عقوبات أخرى".

والذي يدعو لإيقاعها هي بريطانيا وليس أمريكا، فبريطانيا هي التي تدعو لوقف عمل نظام سويفت في روسيا، وتؤيدها فقط دول البلطيق الثلاث؛ إستونيا وليتوانيا ولاتفيا، أمّا ألمانيا فتعارض بشدة حظر روسيا من النظام، بينما تقول فرنسا وهولندا إن خيار حظر روسيا من سويفت سيتم اللجوء إليه فقط في حالة الضرورة القصوى.

ومعلوم أنّ نظام سويفت هو شريان مالي عالمي يسمح بانتقال سلس وسريع للمال عبر الحدود وهو جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، ويربط هذا النظام 11 ألف بنك ومؤسسة في أكثر من 200 دولة، ويرسل أكثر من 40 مليون رسالة يومية، ويتم عبره تداول تريليونات الدولارات بين الشركات والحكومات، ويساعد هذا النظام في جعل التجارة الدولية الآمنة ممكنة وسلسة لأعضائها.

وسيؤدي حظر روسيا من التعامل عبر نظام سويفت لو حصل إلى التأثير على شبكة البنوك الروسية وقدرة روسيا على الوصول للمال، وستفقد الشركات الروسية في حال حظرها إمكانية الدخول إلى المعاملات السلسة واللحظية التي يوفرها نظام سويفت، وستتأثر المدفوعات الخاصة بمنتجات روسيا المهمة في قطاع الطاقة والزراعة سلبيا بدرجة كبيرة للغاية، وهو ما من شأنه أنْ يضر أيضاً بالشركات الأوروبية التي تزود روسيا بالسلع وتشتري منها، ولا سيما الشركات الألمانية، فروسيا تُعتبر المزوّد الرئيسي للنفط والغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي، ولن يكون العثور على إمدادات بديلة أمراً سهلاً.

إنّ نوعية العقوبات التي تفرضها أمريكا على روسيا لا ترهقها، وتهدف أمريكا إلى جعل روسيا تغرق في أوحال أوكرانيا لكي تبقى محتاجة لها على الدوام، ولكي تستخدمها في إبقاء أوروبا جزءا من المظلة الأمنية الأمريكية.

أمّا ما هو المتوقع من هذه الحرب فإنّه تقسيم أوكرانيا لمنطقتين مُتعاديتين إحداهما في الشرق موالية لروسيا والثانية في الغرب موالية لأمريكا، ويكرّس هذا العداء الذي ينشب بين الطرفين نار الحقد والحسد والبغضاء بينهما أمدا بعيدا.

 احمد الخطواني

الثلاثاء، 14 أبريل 2020

أمريكا ما زالت تمارس هيمنتها على العالم بالرغم من جائزة كورونا

أمريكا ما زالت تُمارس سياسة الهيمنة بالرغم من مُتغيّرات جائحة كورونا

الخبر:

أعلن تحالف أوبك بلس عن التوصل إلى اتفاق لأكبر خفض في إنتاج النفط بمقدار 9.7 ملايين برميل نفط يومياً، وعلّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاتفاق بأنّه: "سينقذ مئات الآلاف من الوظائف في قطاع الطاقة داخل الولايات المتحدة"، وشكر كلاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان لسعيهما نحو إنجاز الاتفاق، وتحدّث معهما مباشرة عقب الاتفاق ضمن مكالمة تليفونية ثلاثية.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية: "إنّ صفقة خفض النفط جاءت بعد تدخل الرئيس ترامب الذي ضغط على السعودية من أجل تقديم تنازلات مع المكسيك التي كانت ترفض المقترحات السعودية لخفض الإنتاج".

التعليق:

من غير الوارد أنْ تُغيّر أمريكا طريقتها في فرض هيمنتها على العالم بعد تفشي جائحة كورونا، فأمريكا لم تأبه بالمُتغيرات الدولية، وهي ما زالت تمتلك مفاتيح القوة العالمية، فلا يهمها سوء أدائها في مواجهة كورونا، ولا نجاح الصين في إثبات قدراتها كدولة صاعدة، ولا استشعارها لحاجة العالم بضرورة العودة عن السياسات الأحادية القطبية، فكل هذه الاعتبارات لم تؤثر في تبديل سياساتها.
فهي لا تُفكّر إلا بمصالحها، ولا تحسب أي حساب لمصالح الآخرين، وإنّ قول ترامب تعقيباً على اتفاق دول أوبك بلس بأنّ هذا الاتفاق: "سينقذ مئات الآلاف من الوظائف في قطاع الطاقة داخل الولايات المتحدة" هو دليل على ذلك، كما أنّ الضغط الذي مارسته أمريكا على روسيا والسعودية قبل وأثناء الاتفاق للتوصل إلى تخفيض الإنتاج لهو دليل آخر على نهج الهيمنة الذي ما زالت أمريكا تنتهجه بالرغم من وجود حاجة ماسّة للتغيير لدى دول العالم.

وليس هذا النهج الأمريكي المتعجرف مقتصراً فقط على موضوع النفط والطاقة، فقد ظهر أيضاً في أفغانستان من خلال ضغطها الشديد على الحكومة الأفغانية وعلى طالبان لتنفيذ اتفاق الدوحة، وظهر كذلك في العراق من خلال مسألة فرض رجلها مصطفى الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء، فقال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر بعد سويعات من تسمية الكاظمي للمنصب: "إنّ الكاظمي أثبت في وظائفه السابقة أنّه وطني وكفؤ"، فأمريكا أصبحت تُزكي رجالها علانيةً، وتطلق عليهم صفات الوطنية والكفاءة، ومعلوم أنّ الكاظمي هذا هو رئيس جهاز المخابرات العراقية الذي يُنسّق كل أعماله مع الأمريكيين، والذي جاء إلى العراق على ظهر الدبابات الأمريكية مع غيره من العملاء المخلصين لأمريكا.

وهكذا نجد أنّ أمريكا غير مُستعدة لتغيير نهجها في استخدام فرض هيمنتها على العالم، وهذه أدلة حديثة تؤكد على استمرار هذه السياسة بالرغم من وجود مُتغيّرات دولية، ويبدو أنّ هذا النهج لن يتوقف إلا ببروز قوة مبدئية جديدة تتصدّر السياسة الدولية، وتتناقض في مبدئها مع المبدأ الرأسمالي، ولا يُتوقع ظهور أية قوة دولية جديدة تُصارع القوة الأمريكية الاستعمارية غير قوة السياسة الإسلامية المبدئية فهي الأهل لهذا التغيير.

الاثنين، 1 أبريل 2019

نظام سويفت المالي العالمي أداة تحكم وهيمنة في اقتصاد العالم




نظام سويفت المالي العالمي أداة تحكم وهيمنة في اقتصاد العالم



في ظل نظام رأسمالي استعماري دولي سائد في العالم، وفي ظل تشابك العلاقات التجارية والمالية العالمية، فإن وجود نظام مالي عالمي يتماهى معه، كان ضرورةً مُلحّة، واستجابةً ماسّة لتسهيل تلك العلاقات، فكان نظام سويفت هو النظام المالي العالمي المُوازي للنظام الرأسمالي العالمي، وهو المسمّى بجمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك الذي تأسّس في بلجيكا عام 1973 من 248 بنك في 19 دولة، ثمّ توسع فيما بعد ليضم أكثر من 12000مؤسسة ومنظمة مالية من أكثر من 210 دولة ، ويُعرف هذا النظام أيضاً بنظام مجموعة المعاملات والتحويلات البنكية الدولية بين البنوك، فهي شبكة اتصالات مصرفية عالمية تشترك فيها معظم البنوك في العالم، وتنخرط هذه البنوك في إطار منظمة تعاونية غير ربحية مملوكة لأعضائها، وتقوم بتقديم خدمات على مستوى عال من الكفاءة وبتكلفة قليلة، وظهرت الحاجة إلى سويفت في العالم  بعد ظهور نمو واضح في حجم التجارة الدولية، وباشرت عملها عام 1977، ويستخدم هذا النظام أحدث الوسائل العلمية في مجال ربط وتبادل الرسائل والمعلومات بين جميع أسواق المال من خلال البنوك المسؤولة عن تنفيذ ذلك في مختلف الدول، ويلعب نظام سويفت الدور الأبرز والأهم في الضبط والتحكم المالي العالمي، ويمر عبره سنوياً قرابة 4 مليارات صفقة مدفوعات، وبمبالغ يومية تقدر بتريليونات الدولارات من مدفوعات المعاملات المالية، التي تمر عبر البنوك والمؤسسات المشتركة فيه، سواء أكانت شركات أو بورصات أو مراكز ايداع أو سماسرة أموال ومُضاربون أو مصارف صغيرة او مراكز تجارية أو مكاتب تقديم خدمات مالية كإيصال الحوالات، أو أية أعمال مالية أخرى، ويقوم  نظام سويفت بمعالجة ونقل أكثر من 25 مليون رسالة يومياً، وتوفر شبكة سويفت لمستعمليها السرعة والأمان في إنجاز المعاملات، بالإضافة إلى كونها متاحة على مدار 24 ساعة، فعملية نقل المعلومات عبر الشبكة لا تتطلب إلا بضع ثوان، ولا تتم إلا بعد تشفير الرسائل بفضل تقنيات متطورة مُستخدمةً أحدث الوسائل العلمية في مجال ربط وتبادل الرسائل والمعلومات بين جميع أسواق المال، من خلال البنوك المسؤولة عن تنفيذ ذلك بمختلف الدول، وهو ما يُسهّل للمشترك من مقابلة احتياجات العملاء الأجانب والمحليين بسهولة ويسر، وبأقل كلفة، كما أن إجراءات التثبت من هوية المستعملين تُنفذ بصرامة بالغة، وهذا كله من أجل ضمان سلامة وحماية الرسائل المتبادلة من أي قرصنة، وتوفير أقصى درجات الأمان للمستخدِمين، وبذلك تتحكم سويفت  اليوم بمجمل المدفوعات العالمية، فهي تقوم عملياً بدور الوسيط الذي يربط بنوك العالم كافة.
 وأمّا الأعضاء المؤسّسون لنظام سويفت ما أطلق عليهم منظومة البنوك المركزية الست المسماة :G6 وهي البنك الفيدرالي الأمريكي، المركزي الأوروبي، بنك إنجلترا، البنك الياباني، البنك السويسري، والبنك الكندي.
وأمّا سائر العملات الأخرى فلا قيمة لها في هذه المنظومة، فالغرب بقيادة أمريكا استخدم سويفت كأداة هيمنة مالية عالمية مُحكمة منذ سبعينات القرن الفائت وحتى الآن، وفرض عملاته على العالم،  فأصبح 91.7%  من المدفوعات المالية في العالم تأتي من هذه العملات الست لا غير، وهي التي تُطبع في البنوك المركزية لهذه الدول.
 ورغم أن النظام يُدرج في تداولاته 20 عملة عالمية أخرى، إلاّ أنّ الدولار واليورو لهما النصيب الأكبر من مدفوعات نظام سويفت بنسبة 80.7% من تعاملات سويفت الدولية العابرة للحدود في عام 2017، بينما كانت نسبة اليوان الصيني 2.3 % في العام 2016 ، ثمّ انخفضت النسبة في عام 2017 إلى 1.6%، وهذه النسبة لا شك أنّها تُعتبر ضئيلة جداً قياساً مع الدور التجاري والتمويلي الصيني الكبير، خاصة بعد أن أدرج صندوق النقد الدولي في عام 2015 اليوان الصيني كواحدة من عملات سلة الاحتياطي العالمي، واحتل المرتبة الثالثة عالمياً بنسبة 10% بعد الدولار واليورو، مُتفوقاً على الجنيه الاسترليني والين الياباني اللذين حلا في المرتبتين الرابعة والخامسة داخل الصندوق.
وهكذا نجد أنّ نظام سويفت يرفض زيادة نسبة التعامل باليوان الصيني داخله، خاصةً بعد ظهور ميل لدى الصين للتعامل بعملتها مع شركائها التجاريين بشكل مباشر بعيداً عن هذه المنظومة، وتحكم سويفت اليوم بمجمل المدفوعات العالمية يجعل العملات الأخرى كالعملة الصينية والروسية والهندية والبرازيلية وعملات الدول الصاعدة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعملات الست يصل إلى درجة التبعية، فاعتماد الاقتصاد الصيني واليوان على عملات البنوك المركزية الست لا يزال كبيراً وضرورياً، وهو ما يُبقي الاقتصاد الصيني بالرغم من ضخامة حجمه واقعاً تحت خطر التحكم المالي لمنظومة سويفت، وخاضعاً لشتى أساليب التضييق والعقوبات على المستوى التجاري، وذلك لافتقارها إلى العملات الست وبالذات للدولار في أعمالها التجارية اليومية.
 ولقد شكّلت المبادلات بين اليوان والدولار في العام 2017 ما نسبته 97.8% من مجموع عمليات مبادلة العملة الصينية، بينما بين اليوان واليورو بنسبة 1.28%، وتدل هذه النسبة على أن التعاملات الصينية الدولية تتم بنسبتها الساحقة بالدولار الأمريكي.
وحتى التعاملات الصينية مع روسيا فإنّه وفقاً للبيانات الروسية فإنّ حصة الروبل الروسي فيها كان بنسبة 2.7% من الواردات، و9.4% من الصادرات، أي إنّ النسبة الأكبر من التعاملات التجارية بين البلدين تتم بعملات أخرى غير محلية ( غير اليوان والروبل ) أي تتم بالدولار.
وقد بلغت حصة الدولار من عائدات الصادرات الروسية إلى الصين في عام 2017 ما نسبته 78.8%،
وهو ما يعني أن التعاملات الصينية الروسية تخضع في معظمها للدولار، وبالتالي فهي تجري تلقائياً عبر منظومة سويفت، فلم تتمكّن لا الصين ولا روسيا من الخروج سويفت، لأنّهما إن فعلتا ذلك فإنّهما تُحرمان من التعامل مع أكثر من 12 ألف منظمة مالية عالمية مُنضوية في المنظومة، وهو ما يُجبر كل دولة أو مؤسسة إذا أرادت المُشاركة بالتجارة العالمية أنْ تقتني الدولار أو اليورو أو أي عملة أخرى من العملات الست لمُباشرة أعمالهما التجارية، وهذا الوضع يؤدي باستمرار إلى صعوبات كبرى في التمويل، وفي الدفع، وفي تنويع النشاط الاقتصادي بغير هذه العملات الست، وفي ذلك خطر استراتيجي وسياسي واقتصادي فظيع، خاصةً أنّ الصين وروسيا وغيرهما من الدول مضطرة للاحتفاظ  بالدولار الأمريكي أو هذه العملات الست.
وهكذا فسويفت يُعتبر سلاح مُهم وفتّاك بيد أمريكا وشركائها ضد أي دولة يتقدم اقتصادها كالصين، أو يتطلّع  للاستقلال عن التبعية الغربية كروسيا، وسائر الدول التي تتطلع للانفكاك من هيمنة الدولار.
ويبرز تحكم أمريكا في منظومة سويفت أيضاً من خلال العقوبات التي تفرضها أمريكا على الدول التي تُقرّر مُعاقبتها، وتضطر سويفت للرضوخ للإملاءات الأمريكية عليها كما حصل مع ايران، حيث عوقبت الدول الأوروبية التي استثمرت شركاتها أموالاً طائلة في ايران من قبل إدارة ترامب، بعد التوصل الى الاتفاق النووي زمن أوباما.
وبسبب سيطرة أمريكا على سويفت، فإنّ الشركات الأوروبية التي ضخّت أموالاً في ايران لم تتمكّن من العمل بحرية من أجل حماية مصالحها التجارية في ايران، فقد  اضطرت إلى الخروج منها خالية الوفاض كشركة توتال الفرنسية التي أجبرت على الانسحاب من مشروع كبير للغاز الإيراني، بعد أن ضغطت عليها أمريكا عبر منظومة سويفت.
ولم تجد ألمانيا التي خسرت شركاتها هي الأخرى استثمارات كبيرة في ايران بسبب العقوبات الأمريكية في مُواجهة أمريكا إلا إطلاق التصريحات غير المقترنة بالأفعال للتعبير عن غضبها إزاء تحكم أمريكا بسويفت، فقال وزير خارجيتها هايكو ماس:" إنه من الضروري أن يتم تعزيز الاستقلالية الأوروبية من خلال إنشاء قنوات دفع مستقلة عن الولايات المتحدة، وإنشاء صندوق نقد أوروبي، ونظام (سويفت) مستقل".
حاولت روسيا والصين بدورهما انشاء شبكة بديلة عن سويفت لكنهما لم تنجحا في ذلك، وكذلك حاولت بعض الجهات المالية الخاصة انشاء أنظمة مالية رقمية الكترونية بديلة عن نظام سويفت كشبكة الريبل لكنها هي الأخرى لم تنجح.
إنّ الإطاحة بنظام سويفت يعني الإطاحة بأمريكا من عليائها، ويعني أيضاً الإطاحة كذلك بشريكاتها  ومُنافساتها وحليفاتها، وهذا لا تملكه إلاّ دولة مبدئية يتناقض مبدؤها مع النظام الرأسمالي، ودولة الاسلام القادمة هي الوحيدة المؤهلة للقيام بهذا الدور المفصلي العظيم.

الثلاثاء، 24 يوليو 2018

الحرب التجارية عملية ابتزاز أمريكية




الحرب التجارية عملية ابتزاز أمريكية







مُنذ أنْ لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ حربٍ تجارية كبرى على شركاء أمريكا التجاريين الكبار كالصين والاتحاد الأوروبي، وتعهد بانتصار مؤكد لأمريكا فيها، تعاظمت المخاوف من خطرها على أعمال الشركات وأسواق المال، ولم تهدأ القوى الكبرى المُستهدفة عن وضع الخطط التي من شأنها حماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على سلامة أسواقها واستثماراتها، والدخول في معارك ومُناورات واتفاقات وصفقات مع الولايات المتحدة للتقليل قدر الإمكان من خسائرها.
وللصين فائض في المُبادلات التجارية مع أمريكا بلغ في العام 2017  ما قيمته 375 مليار دولار أمريكي، إذ أنّ صادراتها لأمريكا بلغت في هذا العام 492 مليار دولار، بينما صادرات أمريكا للصين بلغت 116.2 ، وأمّا استثمارات الصين في أمريكا لذلك العام بلغت 46 مليار دولار بينما استثمارات أمريكا في الصين بلغت 14 مليار فقط.
ويمتلك البنك المركزي الصيني سيولة نقدية بالعملة الأمريكية 2 تريليون دولار، وهذا يجعل من الصعب على أمريكا تحقيق انتصار حاسم في حروبها التجارية مع الصين، لذلك تلجأ للضغوط وفرض العقوبات المحدودة على الصين لحملها على تقديم التنازلات.
لذلك صعّدت أمريكا من ضغوطها على الصين، فقال ترامب:" إنّ واشنطن تجاهلت لسنوات المُمارسات التجارية الصينية"، وحمّل الإدارات السابقة مسؤولية الفشل في العلاقات التجارية مع الصين وهاجمها بشدة فقال:" إنّ أمريكا لا تخوض حرباً تجارية مع الصين لأنّها خسرت تلك الحرب منذ سنوات بسبب حمقى غير مؤهلين لتمثيل الولايات المتحدة، وإنّه بسبب هؤلاء أصبح لدينا عجز تجاري قيمته 500 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى خسائر قيمتها 300 مليار دولار"، وهاجم منظمة التجارة العالمية فقال:" إنّ الصين قوة اقتصادية كبيرة ولكنّ منظمة التجارة تُصنّفها ضمن البلدان النامية لذلك فهي تحصل على امتيازات هائلة وخصوصاً فيما يخص الولايات المتحدة"، وتساءل:" هل يعتقد أي شخص أنّ هذا أمر عادل؟"، وتابع :" إنّ مُنظمة التجارة العالمية غير عادلة مع الولايات المتحدة".
في شهر آذار من العام 2018 وقّع ترامب على مُذكرة تنفيذية لفرض رسوم جمركية على الصين بنسبة 25% على قائمة منتجات صينية بنحو 1300 منتج، وفرض رسوماً بقيمة 50 مليار دولار الصلب والحديد، وأنحى باللائمة على سياسات الملكية الفكرية التي تنتهجها الصين، وعلى إجبار الصين للشركات الأمريكية على مشاركة التكنولوجيا التي تستخدمها مع شركات صينية.
 وردّت الصين بفرض رسوم انتقامية ضد أمريكا بقيمة 3 مليار دولار على بعض الواردات الأمريكية منها لحوم الخنزير وأنابيب الصلب، ثمّ ردّ ترامب بالتلويح بفرض رسوم جمركية إضافية على المُنتجات الصينية بقيمة ما بين 100 مليار دولار إلى 150 مليار دولار إنْ لم ترتدع الصين.
وواكب هذا التصعيد من الجانبين تقديم شكاوى إلى مُنظمة التجارة العالمية، فتقدّمت كل من الصين والولايات المتحدة بشكاوى ضدّ بعضهما إلى المُنظمة.
وتُعتبر مشكلة العجز أكبر مُشكلة  تُحاول إدارة ترامب معالجتها مع الصين، فقال مكتب الموازنة بالكونغرس الأمريكي وهو هيئة مُستقلة غير حزبية:" إنّ العجز وهو الفرق بين ما تُنفقه الحكومة وما تتلقّاه من عائدات الضرائب من المُتوقّع أن يرتفع إلى 804 مليار دولار عام 2018 من 665 مليار في العام 2017 ، وهو ما يعني ارتفاع العجز التراكمي بوتيرة مُتتالية".
ومن الانتقادات الرئيسية التي دأبت أمريكا توجيهها للصين اتهامها بسرقة الملكية الفكرية، ووضعها لقيود على الدخول إلى السوق المالية الصينية في قطاعات عدة، وعدم السماح للشركات الأجنبية امتلاك أكثر من 25 % من رأسمال البنوك، ودعم الحكومة الصينية الواسع للشركات الصينية الخاصة.
وبعد كل هذا التصعيد بين الطرفين، وبشكلٍ غير مُتوقع يأتي الانفراج، فيتغيّر موقف الصين فجأة، ودون سابق إنذار، وتُقدّم الصين في مؤتمر واو تنازلات كبيرة غير مُبرّرة، وتُعلن عن حزمة جديدة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية المُلفتة، منها خفض رسوم الاستيراد، لا سيما على السيارات، ومنتجات أخرى، وتسمح بتمكين المُستثمرين الأجانب من شراء أسهم صينية بإتاحة امتلاك المؤسّسات الأجنبية بنسبة تصل إلى 51 % من الشركات الصينية العاملة في السندات وصناديق التمويل والأوراق المالية، وقالت هيئة تنظيم الاوراق المالية الصينية إنّه سيكون بمقدور المُستثمرين الأجانب شراء أسهم صينية اكثر من خلال برامج تربط بورصة هونغ كونغ بالبورصات الصينية، وأوضحت الهيئة أنّها ستبذل الجهود اللازمة لإقامة رابط مُشابه بين بورصتي شنغهاي ولندن، كما وتعهد الرئيس الصيني بمزيد من الانفتاح في المُستقبل.
وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعبير عن للصين على هذه الخطوات فقال:" أنا ممتن جدا لرئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ على كلماته الطيبة بشأن رسوم الاستيراد والقيود على السيارات، وأيضا لتفهمه لما يتعلق بالملكية الفكرية وقضية نقل التكنولوجيا، معا سنحقق تقدما كبيرا".
إنّ ثناء ترامب على الإجراءات الصينية، وهذا التغير المُفاجئ في الموقف الصيني لا يعني إلاّ رضوخ الصين للعقوبات الأمريكية، ومن ثمّ قام وفد امريكي رفيع المستوى بزيارة الصين، وضمّ الوفد وزير الخزانة ستيفن منوتشين ووزير التجارة ويلبور روس والمُمثّل التجاري روبرت لايتهابزر إلى جانب عدد من المسؤولين الأمريكيين، بينما قاد المحادثات من الجانب الصيني ليو هي نائب رئيس الوزراء، وقام الوفد بمفاوضات حاسمة نوقش خلالها مواضيع كثيرة منها الرسوم الجمركية والملكية الفكرية والاستثمارات، وتركّزت المُحادثات حول النزاع على ما يُزعم بقيام الصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية، كما تمّ مُناقشة استراتيجية ( صُنع في الصين عام 2025 ) والتي تهدف إلى تهدف إلى تعزيز الصناعات الناشئة مثل الروبوتات وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية، وطلب الوفد الأمريكي من الحكومة الصينية منع دعم تلك الصناعات، و خفض الفائض التجاري مع أمريكا بمقدار 100 مليار دولار على وجه السرعة، وهكذا تمّ تسوية الخلافات بين الدولتين وفقاً للمطالب الأمريكية، وتلاشت لهجة التصعيد.
وأخيراً تمّ تتويج هذه المفاوضات بين الطرفين بتوقيع اتفاق رسمي يوم السبت 19/5/2018  بينهما رضخت بموجبه الصين بوضوح لمطالب إدارة ترامب، وأعلن عن اتخاذ اجراءات فعّالة لإحداث خفض جوهري في العجز التجاري لدى أمريكا مع الصين في مجال السلع، وجاء في البيان المشترك:" ستزيد الصين بشكل كبير مُشترياتها من السلع والخدمات من الولايات المتحدة من أجل مواجهة  تزايد الاحتياجات الاستهلاكية للشعب الصيني"، وأكّد البيان أنّ الصين:" ستُدخل تعديلات  على قوانينها ولوائحها ذات الصلة من أجل السماح بمزيد من الواردات الأمريكية"، كما اتفق البلدان على وقف فرض الرسوم الجمركية على بعضهما البعض، واتفقا أيضاً على مواصلة التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والتمويل.
وهكذا تحوّلت الحرب التجارية بين الدولتين في هذه المرحلة إلى خنوع الصين وتقديمها تنازلات ضخمة لأمريكا، وقد أثّرت هذه التنازلات سلباً على الأوروبيين، فقد حذّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من أنّ الاتفاق الأمريكي الصيني كانت نتيجته:" أنّ أوروبا هي التي تدفع الثمن"، وهو ما يعني أنّ أمريكا قد نجحت في بالاستفراد بالصين، وعزل أوروبا.
لكن هذا التوافق الأمريكي الصيني وهذا الاتفاق بين الدولتين لم يدم طويلاً، فقد تمّ نسفه من جديد من قبل ترامب عندما استأنفت الإدارة الأمريكية إعلان فرض رسوم جمركية جديدة على الصين تبلغ نسبتها 25% على واردات صينية بقيمة خمسين مليار دولار، وهو ما قوّض تماماً التوافق الذي تم التوصل إليه بين البلدين.
وردّت الصين بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على 659 من المنتجات الأمريكية، وهدّد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة بنحو 10 % على منتجات صينية بقيمة 200 مليار دولار، وحذّر من أنه مستعد لفرض رسوم جمركية على جميع المنتجات الصينية الواردة إلى بلاده ان اقتضى الأمر.
وهكذا تستمر أمريكا بعملية ابتزاز الصين طالما تأتي هذه العملية بأكلها.
أما أوروبا فهي أيضاً في قلب المعركة إذ حذّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، من أن الحرب التجارية أضحت "أمرا واقعا"، واعتبر أنّ إقدام الولايات المتحدة على فرض رسوم جمركية أحادية الجانب يستند إلى "قانون الغاب".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وصف الاتحاد الأوروبي بـ"عدو تجاري"، وقال إ:"ن الاتحاد الأوروبي يستغل الولايات المتحدة"، في إشارة إلى غرامة قياسية فرضها الاتحاد الأوروبي مؤخراً بقيمة 5 مليارات دولار على شركة غوغل.
ودعم وزير المالية الأمريكي موقف ترامب هذا بشأن التجارة مع الاتحاد الأوروبي والصين، وقال:" إنه يتعين عليهما فتح أسواقهما".


الأحد، 1 يوليو 2018

الدويلات الخليجية والصراع الإنجلو أميركي


الدويلات الخليجية والصراع الإنجلو أميركي







أحمد الخطواني

ما زالت منطقة الخليج محلًا لصراع دائم لا يتوقف بين القوى الدولية الاستعمارية، وما زالت تُستخدم كأدوات رخيصة في ذلك الصراع، فلقد أقامت بريطانيا تلك الدويلات المـُصطنعة في الخليج بعد أن سيطرت عليها ما يزيد عن المائة عامٍ تحت مسميات ممالك وإمارات وسلطنات، ونصّبت عليها أسرًا مُتمرّدة على شعوبها، مُتعاونة مع أعداء أمّتها، مُعادية لدولة الخلافة العثمانية التي كانت تُمثّل حاضنتها ورمز إسلاميتها.

لقد أخلصت هذه الأسر العاقّة لأمتها أيّما إخلاص للبريطانيين الكفار المستعمرين الذين استعانوا بها في إسقاط الدولة الإسلامية، وفي محوها من الوجود، ثمّ تمّت مُكافأتها بتحويلها إلى أنظمة حكم وراثية استبدادية تسلطية تحت مسمّى محميات رسمية تابعة للتاج البريطاني لمدة طويلة من الزمن، وتمّ فرضها على شعوب المنطقة كأمرٍ واقع، وبذلك استقر النفوذ البريطاني في الخليج، وضرب جذوره في جميع دويلاته الزائفة.

وبعد انسحاب بريطانيا عسكريًا – بضغط أميركي – من الخليج في نهاية ستينات وأوائل سبعينات القرن الميلادي الماضي، بقيت مُحتفظة بقدر كبير من النفوذ فيها؛ حيث استمرت الصلات الوثيقة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية…

وبعد بروز أميركا كقوة أولى في العالم، اعتمدت بريطانيا على عملائها للحفاظ على نفوذها، وخاصةً بعد اقتحام أميركا للمنطقة بكل ثقلها، ومُحاولة الاستحواذ عليها لأهميتها الاستراتيجية، ولما فيها من ثروة نفطية هائلة، فاندلع صراع سياسي عنيف بين الدولتين في الخليج، وتشبثت بريطانيا بكل مناطق نفوذها أمام الهجمة الأميركية الشرسة عليها، واستعانت برجالها المـُدرّبين ممّن قامت بريطانيا من قبل بتربيتهم على طريقتها لصد تلك الهجمة الاستعمارية الأميركية الكبرى عليها.

إلاّ أنّ أميركا استمرت في هجمتها، واستخدمت قواها الاقتصادية والسياسية في حدودها القصوى، وركّزت على السعودية بشكلٍ خاص لما لها من ثقل ووزن كبيرين في المنطقة، ولما فيها من إمكانية للاختراق أكثر من غيرها من المشيخات والإمارات الصغيرة، فكان ذلك الاجتماع المشهور بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز في قناة السويس على متن الطراد الأميركي كوينسي بمثابة نقطة تحوّل واختراق، تمكّنت بعده أميركا من وضع رِجلٍ لها في المنطقة، واستطاعت بها خلخلة النفوذ الإنجليزي في السعودية، وكسر احتكاره، وأصبح نفوذها منذ ذلك الحين موازيًا للنفوذ الإنجليزي، ومن ثمّ تقاسمت الدولتان السيطرة على السعودية مناصفةً بشكلٍ تقريبي، فتارة تحكمها أميركا مع بقاء النفوذ البريطاني فيها، وتارة تحكمها بريطانيا مع بقاء النفوذ الأميركي فيها، فمثلًا تمكنت أميركا من أخذ السعودية من الإنجليز في عهدي الملكين سعود وفهد، إلاّ أنّها لم تستطع الاحتفاظ بها طويلًا، إذ تمّ إسقاط سعود على يد فيصل العميل الإنجليزي العريق، ومن ثمّ أعيد الحكم إلى عملاء بريطانيا، ثمّ بعد ذلك جاء فهد وهو عميل أميركي قوي للحكم، ولكن بعد موته عادت السعودية إلى حضن الإنجليز على يد عميلهم عبد الله، ثمّ عاد مؤخرًا عملاء أميركا إلى السلطة بعد موت عبد الله من خلال سلمان، ولكن هذه المرة يبدو أنّهم رفضوا فكرة المناصفة والمحاصصة وتبادل الأدوار من البريطانيين، وقرّروا الاستحواذ على السلطة كاملة، فقام سلمان بانقلاب كامل بكل معنى الكلمة على نفوذ الإنجليز، فأبعد جميع رجالهم من مراكز صنع القرار، واستفرد هو وابنه محمد بالسلطة بشكلٍ مُطلق، ولم يتركا أي مُنافس لهما حتى ولو كان عميلًا أميركيًا كمحمد بن نايف، وبذلك التنظيف الشامل للبلد من كل أتباع الإنجليز، ومن كل المنافسين المحتملين، تحوّلت السعودية إلى ما يُشبه القاعدة الأميركية في منطقة الخليج، فخافت بريطانيا منها على محمياتها الخليجية الأخرى، وراحت تبحث في كيفية تثبيت نفوذها فيها، وفي كيفية مواجهة النفوذ الأميركي المتعاظم في السعودية، وهكذا دخلت منطقة الخليج في دوّامة صراع جديد لم تعهده من قبل.

لقد استطاعت بريطانيا أنْ تُحافظ على جميع دُويلاتها في الخليج منذ تأسيسها وحتى الآن باستثناء السعودية، بالرغم ممّا تُقدّمه هذه الدويلات لأميركا من قواعد وتسهيلات مداراةً لها، وتفسير ذلك يتلخص في أنّ الحكام هم الذين يُحوّلون الدول من تبعية دولة لتبعية دولة أخرى، وليست القواعد ولا التسهيلات. وحكام هذه الدويلات لا يملكون قرارهم؛ فلا يستطيعون تبديلًا ولا تغييرًا. وكذلك شعوب تلك البلاد قد لا تملك القدرة على الثورات والتمرد لقلة عدد سكانها؛ لذلك كان من الصعب على أميركا اللعب بهذه الورقة.

صحيح أنّ أميركا تستفيد من إثارة القلاقل في البحرين مثلًا بسبب وجود أكثرية (شيعية)، وتستغل التدخل الإيراني المدعوم أميركيًا بشكلٍ غير مُباشر، والذي يعمد بطائفيته المصطنعة للدفاع عن المظلومين من الشيعة فيها لحمل الحكومة على الخضوع للإملاءات الأميركية، لكنّ النفوذ الأميركي بشكل عام لم ينجح في اختراق القاعدة السياسية للحكم التابع لبريطانيا، لا في البحرين، ولا في غيرها من هذه الدول الخليجية باستثناء السعودية، ففي قطر والكويت والإمارات وعُمان ما زال النفوذ البريطاني هو المهيمن بشكل شبه مطلق.

وتقوم بريطانيا حديثًا بتثبيت وتقوية نفوذها في هذه الدول بكل ما أوتيت من إمكانيات، فرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في زيارتها مؤخرًا للخليج قالت بصراحة: «أمن الخليج هو أمننا، وينبغي أن نستمر في مواجهة الدول التي يغذي نفوذها الاضطراب في الإقليم»، وأطلقت ما اعتبرته: «شراكة استراتيجية بين الجانبين؛ لتعزيز علاقات أوثق في كافة المجالات، بما في ذلك السياسية والدفاعية والأمنية والتجارية»، وفي كانون الأول/ديسمبر 2014م، أعلنت لندن والمنامة عن إقامة قاعدة عسكرية بريطانية جديدة في البحرين، وأقامت قاعدة عسكرية برية من خلال مجموعة معسكرات في سلطنة عُمان، وأجرت تدريبات عسكرية بين الإمارات وبريطانيا تحت اسم «خنجر البحر»، وتُجري باستمرار مُناورات جوية وبحرية وبرية مع قطر،فبريطانيا إذًا لم تغادر المنطقة عمليًا حتى بعد إعلان الاستقلال لهذه الدول، وبعد زوال الانتداب الرسمي لها، وإنّما غيّرت شكل استعمارها فقط.

وهي، أي بريطانيا، تستخدم قطر والكويت وعُمان والبحرين والإمارات استخدامًا مُناسبًا حسب الظروف، فبعد أنّ طُوّقت قطر من قبل السعودية، اتجهت نحو توظيف الإمارات كمخلب قط لها في اليمن، فتمدّد الدور الإماراتي مثلًا في اليمن خلال العامين الماضيين بسرعة خاطفة أوجد لها مليشيات وأتباعًا باتوا يُشكّلون أمرًا واقعًا لا يمكن تجاوزهم في أي حل مستقبلي، وتحوّلت لندن بفعل هذه القوة الجديدة التابعة للإمارات إلى عاصمة لطبخ المؤامرات واستقبال ممثلي القوى العاملة في اليمن، ومن ثمّ تم اختيار مبعوث أممي بريطاني لليمن.

وأمّا في المجال الاقتصادي، فإنّ الاستثمار الخليجي في بريطانيا يكشف عن أرقام فلكية، إذ إنّ إجمالي الاستثمارات الخليجية في بريطانيا تفوق المائة وثلاثين مليارًا، فيما يزيد حجم المبادلات عن الثلاثين مليارًا.

فمصالح بريطانيا إذًا في الخليج كبيرة، لذلك كان الصراع عليه مع أميركا أمرًا بديهيًا، وإنّ نجاح أميركا في السيطرة على السعودية جعل بريطانيا تستميت في الاحتفاظ بنفوذها المطلق في سائر دول الخليج، وجعلها تُوسّع نفوذها، وتزيد تمتينه، وتُعيد ما أسمته رئيسة الوزراء البريطانية بــ (الشراكة الاستراتيجية) مع دول الخليج خاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي؛ ليكون العنوان الأبرز للنفوذ البريطاني في أهم بقاع العالم، بينما يتآمر حكام الخليج ومعهم حكام المسلمين، ويغطون في سبات عميق، فلا يدركون أهمية الصراع الدولي على مناطقهم، ولا يعنيهم شيءٌ سوى تثبيت عروشهم.