الاثنين، 1 أبريل 2019

نظام سويفت المالي العالمي أداة تحكم وهيمنة في اقتصاد العالم




نظام سويفت المالي العالمي أداة تحكم وهيمنة في اقتصاد العالم



في ظل نظام رأسمالي استعماري دولي سائد في العالم، وفي ظل تشابك العلاقات التجارية والمالية العالمية، فإن وجود نظام مالي عالمي يتماهى معه، كان ضرورةً مُلحّة، واستجابةً ماسّة لتسهيل تلك العلاقات، فكان نظام سويفت هو النظام المالي العالمي المُوازي للنظام الرأسمالي العالمي، وهو المسمّى بجمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك الذي تأسّس في بلجيكا عام 1973 من 248 بنك في 19 دولة، ثمّ توسع فيما بعد ليضم أكثر من 12000مؤسسة ومنظمة مالية من أكثر من 210 دولة ، ويُعرف هذا النظام أيضاً بنظام مجموعة المعاملات والتحويلات البنكية الدولية بين البنوك، فهي شبكة اتصالات مصرفية عالمية تشترك فيها معظم البنوك في العالم، وتنخرط هذه البنوك في إطار منظمة تعاونية غير ربحية مملوكة لأعضائها، وتقوم بتقديم خدمات على مستوى عال من الكفاءة وبتكلفة قليلة، وظهرت الحاجة إلى سويفت في العالم  بعد ظهور نمو واضح في حجم التجارة الدولية، وباشرت عملها عام 1977، ويستخدم هذا النظام أحدث الوسائل العلمية في مجال ربط وتبادل الرسائل والمعلومات بين جميع أسواق المال من خلال البنوك المسؤولة عن تنفيذ ذلك في مختلف الدول، ويلعب نظام سويفت الدور الأبرز والأهم في الضبط والتحكم المالي العالمي، ويمر عبره سنوياً قرابة 4 مليارات صفقة مدفوعات، وبمبالغ يومية تقدر بتريليونات الدولارات من مدفوعات المعاملات المالية، التي تمر عبر البنوك والمؤسسات المشتركة فيه، سواء أكانت شركات أو بورصات أو مراكز ايداع أو سماسرة أموال ومُضاربون أو مصارف صغيرة او مراكز تجارية أو مكاتب تقديم خدمات مالية كإيصال الحوالات، أو أية أعمال مالية أخرى، ويقوم  نظام سويفت بمعالجة ونقل أكثر من 25 مليون رسالة يومياً، وتوفر شبكة سويفت لمستعمليها السرعة والأمان في إنجاز المعاملات، بالإضافة إلى كونها متاحة على مدار 24 ساعة، فعملية نقل المعلومات عبر الشبكة لا تتطلب إلا بضع ثوان، ولا تتم إلا بعد تشفير الرسائل بفضل تقنيات متطورة مُستخدمةً أحدث الوسائل العلمية في مجال ربط وتبادل الرسائل والمعلومات بين جميع أسواق المال، من خلال البنوك المسؤولة عن تنفيذ ذلك بمختلف الدول، وهو ما يُسهّل للمشترك من مقابلة احتياجات العملاء الأجانب والمحليين بسهولة ويسر، وبأقل كلفة، كما أن إجراءات التثبت من هوية المستعملين تُنفذ بصرامة بالغة، وهذا كله من أجل ضمان سلامة وحماية الرسائل المتبادلة من أي قرصنة، وتوفير أقصى درجات الأمان للمستخدِمين، وبذلك تتحكم سويفت  اليوم بمجمل المدفوعات العالمية، فهي تقوم عملياً بدور الوسيط الذي يربط بنوك العالم كافة.
 وأمّا الأعضاء المؤسّسون لنظام سويفت ما أطلق عليهم منظومة البنوك المركزية الست المسماة :G6 وهي البنك الفيدرالي الأمريكي، المركزي الأوروبي، بنك إنجلترا، البنك الياباني، البنك السويسري، والبنك الكندي.
وأمّا سائر العملات الأخرى فلا قيمة لها في هذه المنظومة، فالغرب بقيادة أمريكا استخدم سويفت كأداة هيمنة مالية عالمية مُحكمة منذ سبعينات القرن الفائت وحتى الآن، وفرض عملاته على العالم،  فأصبح 91.7%  من المدفوعات المالية في العالم تأتي من هذه العملات الست لا غير، وهي التي تُطبع في البنوك المركزية لهذه الدول.
 ورغم أن النظام يُدرج في تداولاته 20 عملة عالمية أخرى، إلاّ أنّ الدولار واليورو لهما النصيب الأكبر من مدفوعات نظام سويفت بنسبة 80.7% من تعاملات سويفت الدولية العابرة للحدود في عام 2017، بينما كانت نسبة اليوان الصيني 2.3 % في العام 2016 ، ثمّ انخفضت النسبة في عام 2017 إلى 1.6%، وهذه النسبة لا شك أنّها تُعتبر ضئيلة جداً قياساً مع الدور التجاري والتمويلي الصيني الكبير، خاصة بعد أن أدرج صندوق النقد الدولي في عام 2015 اليوان الصيني كواحدة من عملات سلة الاحتياطي العالمي، واحتل المرتبة الثالثة عالمياً بنسبة 10% بعد الدولار واليورو، مُتفوقاً على الجنيه الاسترليني والين الياباني اللذين حلا في المرتبتين الرابعة والخامسة داخل الصندوق.
وهكذا نجد أنّ نظام سويفت يرفض زيادة نسبة التعامل باليوان الصيني داخله، خاصةً بعد ظهور ميل لدى الصين للتعامل بعملتها مع شركائها التجاريين بشكل مباشر بعيداً عن هذه المنظومة، وتحكم سويفت اليوم بمجمل المدفوعات العالمية يجعل العملات الأخرى كالعملة الصينية والروسية والهندية والبرازيلية وعملات الدول الصاعدة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعملات الست يصل إلى درجة التبعية، فاعتماد الاقتصاد الصيني واليوان على عملات البنوك المركزية الست لا يزال كبيراً وضرورياً، وهو ما يُبقي الاقتصاد الصيني بالرغم من ضخامة حجمه واقعاً تحت خطر التحكم المالي لمنظومة سويفت، وخاضعاً لشتى أساليب التضييق والعقوبات على المستوى التجاري، وذلك لافتقارها إلى العملات الست وبالذات للدولار في أعمالها التجارية اليومية.
 ولقد شكّلت المبادلات بين اليوان والدولار في العام 2017 ما نسبته 97.8% من مجموع عمليات مبادلة العملة الصينية، بينما بين اليوان واليورو بنسبة 1.28%، وتدل هذه النسبة على أن التعاملات الصينية الدولية تتم بنسبتها الساحقة بالدولار الأمريكي.
وحتى التعاملات الصينية مع روسيا فإنّه وفقاً للبيانات الروسية فإنّ حصة الروبل الروسي فيها كان بنسبة 2.7% من الواردات، و9.4% من الصادرات، أي إنّ النسبة الأكبر من التعاملات التجارية بين البلدين تتم بعملات أخرى غير محلية ( غير اليوان والروبل ) أي تتم بالدولار.
وقد بلغت حصة الدولار من عائدات الصادرات الروسية إلى الصين في عام 2017 ما نسبته 78.8%،
وهو ما يعني أن التعاملات الصينية الروسية تخضع في معظمها للدولار، وبالتالي فهي تجري تلقائياً عبر منظومة سويفت، فلم تتمكّن لا الصين ولا روسيا من الخروج سويفت، لأنّهما إن فعلتا ذلك فإنّهما تُحرمان من التعامل مع أكثر من 12 ألف منظمة مالية عالمية مُنضوية في المنظومة، وهو ما يُجبر كل دولة أو مؤسسة إذا أرادت المُشاركة بالتجارة العالمية أنْ تقتني الدولار أو اليورو أو أي عملة أخرى من العملات الست لمُباشرة أعمالهما التجارية، وهذا الوضع يؤدي باستمرار إلى صعوبات كبرى في التمويل، وفي الدفع، وفي تنويع النشاط الاقتصادي بغير هذه العملات الست، وفي ذلك خطر استراتيجي وسياسي واقتصادي فظيع، خاصةً أنّ الصين وروسيا وغيرهما من الدول مضطرة للاحتفاظ  بالدولار الأمريكي أو هذه العملات الست.
وهكذا فسويفت يُعتبر سلاح مُهم وفتّاك بيد أمريكا وشركائها ضد أي دولة يتقدم اقتصادها كالصين، أو يتطلّع  للاستقلال عن التبعية الغربية كروسيا، وسائر الدول التي تتطلع للانفكاك من هيمنة الدولار.
ويبرز تحكم أمريكا في منظومة سويفت أيضاً من خلال العقوبات التي تفرضها أمريكا على الدول التي تُقرّر مُعاقبتها، وتضطر سويفت للرضوخ للإملاءات الأمريكية عليها كما حصل مع ايران، حيث عوقبت الدول الأوروبية التي استثمرت شركاتها أموالاً طائلة في ايران من قبل إدارة ترامب، بعد التوصل الى الاتفاق النووي زمن أوباما.
وبسبب سيطرة أمريكا على سويفت، فإنّ الشركات الأوروبية التي ضخّت أموالاً في ايران لم تتمكّن من العمل بحرية من أجل حماية مصالحها التجارية في ايران، فقد  اضطرت إلى الخروج منها خالية الوفاض كشركة توتال الفرنسية التي أجبرت على الانسحاب من مشروع كبير للغاز الإيراني، بعد أن ضغطت عليها أمريكا عبر منظومة سويفت.
ولم تجد ألمانيا التي خسرت شركاتها هي الأخرى استثمارات كبيرة في ايران بسبب العقوبات الأمريكية في مُواجهة أمريكا إلا إطلاق التصريحات غير المقترنة بالأفعال للتعبير عن غضبها إزاء تحكم أمريكا بسويفت، فقال وزير خارجيتها هايكو ماس:" إنه من الضروري أن يتم تعزيز الاستقلالية الأوروبية من خلال إنشاء قنوات دفع مستقلة عن الولايات المتحدة، وإنشاء صندوق نقد أوروبي، ونظام (سويفت) مستقل".
حاولت روسيا والصين بدورهما انشاء شبكة بديلة عن سويفت لكنهما لم تنجحا في ذلك، وكذلك حاولت بعض الجهات المالية الخاصة انشاء أنظمة مالية رقمية الكترونية بديلة عن نظام سويفت كشبكة الريبل لكنها هي الأخرى لم تنجح.
إنّ الإطاحة بنظام سويفت يعني الإطاحة بأمريكا من عليائها، ويعني أيضاً الإطاحة كذلك بشريكاتها  ومُنافساتها وحليفاتها، وهذا لا تملكه إلاّ دولة مبدئية يتناقض مبدؤها مع النظام الرأسمالي، ودولة الاسلام القادمة هي الوحيدة المؤهلة للقيام بهذا الدور المفصلي العظيم.

الثلاثاء، 24 يوليو 2018

الحرب التجارية عملية ابتزاز أمريكية




الحرب التجارية عملية ابتزاز أمريكية







مُنذ أنْ لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ حربٍ تجارية كبرى على شركاء أمريكا التجاريين الكبار كالصين والاتحاد الأوروبي، وتعهد بانتصار مؤكد لأمريكا فيها، تعاظمت المخاوف من خطرها على أعمال الشركات وأسواق المال، ولم تهدأ القوى الكبرى المُستهدفة عن وضع الخطط التي من شأنها حماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على سلامة أسواقها واستثماراتها، والدخول في معارك ومُناورات واتفاقات وصفقات مع الولايات المتحدة للتقليل قدر الإمكان من خسائرها.
وللصين فائض في المُبادلات التجارية مع أمريكا بلغ في العام 2017  ما قيمته 375 مليار دولار أمريكي، إذ أنّ صادراتها لأمريكا بلغت في هذا العام 492 مليار دولار، بينما صادرات أمريكا للصين بلغت 116.2 ، وأمّا استثمارات الصين في أمريكا لذلك العام بلغت 46 مليار دولار بينما استثمارات أمريكا في الصين بلغت 14 مليار فقط.
ويمتلك البنك المركزي الصيني سيولة نقدية بالعملة الأمريكية 2 تريليون دولار، وهذا يجعل من الصعب على أمريكا تحقيق انتصار حاسم في حروبها التجارية مع الصين، لذلك تلجأ للضغوط وفرض العقوبات المحدودة على الصين لحملها على تقديم التنازلات.
لذلك صعّدت أمريكا من ضغوطها على الصين، فقال ترامب:" إنّ واشنطن تجاهلت لسنوات المُمارسات التجارية الصينية"، وحمّل الإدارات السابقة مسؤولية الفشل في العلاقات التجارية مع الصين وهاجمها بشدة فقال:" إنّ أمريكا لا تخوض حرباً تجارية مع الصين لأنّها خسرت تلك الحرب منذ سنوات بسبب حمقى غير مؤهلين لتمثيل الولايات المتحدة، وإنّه بسبب هؤلاء أصبح لدينا عجز تجاري قيمته 500 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى خسائر قيمتها 300 مليار دولار"، وهاجم منظمة التجارة العالمية فقال:" إنّ الصين قوة اقتصادية كبيرة ولكنّ منظمة التجارة تُصنّفها ضمن البلدان النامية لذلك فهي تحصل على امتيازات هائلة وخصوصاً فيما يخص الولايات المتحدة"، وتساءل:" هل يعتقد أي شخص أنّ هذا أمر عادل؟"، وتابع :" إنّ مُنظمة التجارة العالمية غير عادلة مع الولايات المتحدة".
في شهر آذار من العام 2018 وقّع ترامب على مُذكرة تنفيذية لفرض رسوم جمركية على الصين بنسبة 25% على قائمة منتجات صينية بنحو 1300 منتج، وفرض رسوماً بقيمة 50 مليار دولار الصلب والحديد، وأنحى باللائمة على سياسات الملكية الفكرية التي تنتهجها الصين، وعلى إجبار الصين للشركات الأمريكية على مشاركة التكنولوجيا التي تستخدمها مع شركات صينية.
 وردّت الصين بفرض رسوم انتقامية ضد أمريكا بقيمة 3 مليار دولار على بعض الواردات الأمريكية منها لحوم الخنزير وأنابيب الصلب، ثمّ ردّ ترامب بالتلويح بفرض رسوم جمركية إضافية على المُنتجات الصينية بقيمة ما بين 100 مليار دولار إلى 150 مليار دولار إنْ لم ترتدع الصين.
وواكب هذا التصعيد من الجانبين تقديم شكاوى إلى مُنظمة التجارة العالمية، فتقدّمت كل من الصين والولايات المتحدة بشكاوى ضدّ بعضهما إلى المُنظمة.
وتُعتبر مشكلة العجز أكبر مُشكلة  تُحاول إدارة ترامب معالجتها مع الصين، فقال مكتب الموازنة بالكونغرس الأمريكي وهو هيئة مُستقلة غير حزبية:" إنّ العجز وهو الفرق بين ما تُنفقه الحكومة وما تتلقّاه من عائدات الضرائب من المُتوقّع أن يرتفع إلى 804 مليار دولار عام 2018 من 665 مليار في العام 2017 ، وهو ما يعني ارتفاع العجز التراكمي بوتيرة مُتتالية".
ومن الانتقادات الرئيسية التي دأبت أمريكا توجيهها للصين اتهامها بسرقة الملكية الفكرية، ووضعها لقيود على الدخول إلى السوق المالية الصينية في قطاعات عدة، وعدم السماح للشركات الأجنبية امتلاك أكثر من 25 % من رأسمال البنوك، ودعم الحكومة الصينية الواسع للشركات الصينية الخاصة.
وبعد كل هذا التصعيد بين الطرفين، وبشكلٍ غير مُتوقع يأتي الانفراج، فيتغيّر موقف الصين فجأة، ودون سابق إنذار، وتُقدّم الصين في مؤتمر واو تنازلات كبيرة غير مُبرّرة، وتُعلن عن حزمة جديدة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية المُلفتة، منها خفض رسوم الاستيراد، لا سيما على السيارات، ومنتجات أخرى، وتسمح بتمكين المُستثمرين الأجانب من شراء أسهم صينية بإتاحة امتلاك المؤسّسات الأجنبية بنسبة تصل إلى 51 % من الشركات الصينية العاملة في السندات وصناديق التمويل والأوراق المالية، وقالت هيئة تنظيم الاوراق المالية الصينية إنّه سيكون بمقدور المُستثمرين الأجانب شراء أسهم صينية اكثر من خلال برامج تربط بورصة هونغ كونغ بالبورصات الصينية، وأوضحت الهيئة أنّها ستبذل الجهود اللازمة لإقامة رابط مُشابه بين بورصتي شنغهاي ولندن، كما وتعهد الرئيس الصيني بمزيد من الانفتاح في المُستقبل.
وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعبير عن للصين على هذه الخطوات فقال:" أنا ممتن جدا لرئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ على كلماته الطيبة بشأن رسوم الاستيراد والقيود على السيارات، وأيضا لتفهمه لما يتعلق بالملكية الفكرية وقضية نقل التكنولوجيا، معا سنحقق تقدما كبيرا".
إنّ ثناء ترامب على الإجراءات الصينية، وهذا التغير المُفاجئ في الموقف الصيني لا يعني إلاّ رضوخ الصين للعقوبات الأمريكية، ومن ثمّ قام وفد امريكي رفيع المستوى بزيارة الصين، وضمّ الوفد وزير الخزانة ستيفن منوتشين ووزير التجارة ويلبور روس والمُمثّل التجاري روبرت لايتهابزر إلى جانب عدد من المسؤولين الأمريكيين، بينما قاد المحادثات من الجانب الصيني ليو هي نائب رئيس الوزراء، وقام الوفد بمفاوضات حاسمة نوقش خلالها مواضيع كثيرة منها الرسوم الجمركية والملكية الفكرية والاستثمارات، وتركّزت المُحادثات حول النزاع على ما يُزعم بقيام الصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية، كما تمّ مُناقشة استراتيجية ( صُنع في الصين عام 2025 ) والتي تهدف إلى تهدف إلى تعزيز الصناعات الناشئة مثل الروبوتات وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية، وطلب الوفد الأمريكي من الحكومة الصينية منع دعم تلك الصناعات، و خفض الفائض التجاري مع أمريكا بمقدار 100 مليار دولار على وجه السرعة، وهكذا تمّ تسوية الخلافات بين الدولتين وفقاً للمطالب الأمريكية، وتلاشت لهجة التصعيد.
وأخيراً تمّ تتويج هذه المفاوضات بين الطرفين بتوقيع اتفاق رسمي يوم السبت 19/5/2018  بينهما رضخت بموجبه الصين بوضوح لمطالب إدارة ترامب، وأعلن عن اتخاذ اجراءات فعّالة لإحداث خفض جوهري في العجز التجاري لدى أمريكا مع الصين في مجال السلع، وجاء في البيان المشترك:" ستزيد الصين بشكل كبير مُشترياتها من السلع والخدمات من الولايات المتحدة من أجل مواجهة  تزايد الاحتياجات الاستهلاكية للشعب الصيني"، وأكّد البيان أنّ الصين:" ستُدخل تعديلات  على قوانينها ولوائحها ذات الصلة من أجل السماح بمزيد من الواردات الأمريكية"، كما اتفق البلدان على وقف فرض الرسوم الجمركية على بعضهما البعض، واتفقا أيضاً على مواصلة التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والتمويل.
وهكذا تحوّلت الحرب التجارية بين الدولتين في هذه المرحلة إلى خنوع الصين وتقديمها تنازلات ضخمة لأمريكا، وقد أثّرت هذه التنازلات سلباً على الأوروبيين، فقد حذّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من أنّ الاتفاق الأمريكي الصيني كانت نتيجته:" أنّ أوروبا هي التي تدفع الثمن"، وهو ما يعني أنّ أمريكا قد نجحت في بالاستفراد بالصين، وعزل أوروبا.
لكن هذا التوافق الأمريكي الصيني وهذا الاتفاق بين الدولتين لم يدم طويلاً، فقد تمّ نسفه من جديد من قبل ترامب عندما استأنفت الإدارة الأمريكية إعلان فرض رسوم جمركية جديدة على الصين تبلغ نسبتها 25% على واردات صينية بقيمة خمسين مليار دولار، وهو ما قوّض تماماً التوافق الذي تم التوصل إليه بين البلدين.
وردّت الصين بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على 659 من المنتجات الأمريكية، وهدّد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة بنحو 10 % على منتجات صينية بقيمة 200 مليار دولار، وحذّر من أنه مستعد لفرض رسوم جمركية على جميع المنتجات الصينية الواردة إلى بلاده ان اقتضى الأمر.
وهكذا تستمر أمريكا بعملية ابتزاز الصين طالما تأتي هذه العملية بأكلها.
أما أوروبا فهي أيضاً في قلب المعركة إذ حذّر وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، من أن الحرب التجارية أضحت "أمرا واقعا"، واعتبر أنّ إقدام الولايات المتحدة على فرض رسوم جمركية أحادية الجانب يستند إلى "قانون الغاب".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وصف الاتحاد الأوروبي بـ"عدو تجاري"، وقال إ:"ن الاتحاد الأوروبي يستغل الولايات المتحدة"، في إشارة إلى غرامة قياسية فرضها الاتحاد الأوروبي مؤخراً بقيمة 5 مليارات دولار على شركة غوغل.
ودعم وزير المالية الأمريكي موقف ترامب هذا بشأن التجارة مع الاتحاد الأوروبي والصين، وقال:" إنه يتعين عليهما فتح أسواقهما".


الأحد، 1 يوليو 2018

الدويلات الخليجية والصراع الإنجلو أميركي


الدويلات الخليجية والصراع الإنجلو أميركي







أحمد الخطواني

ما زالت منطقة الخليج محلًا لصراع دائم لا يتوقف بين القوى الدولية الاستعمارية، وما زالت تُستخدم كأدوات رخيصة في ذلك الصراع، فلقد أقامت بريطانيا تلك الدويلات المـُصطنعة في الخليج بعد أن سيطرت عليها ما يزيد عن المائة عامٍ تحت مسميات ممالك وإمارات وسلطنات، ونصّبت عليها أسرًا مُتمرّدة على شعوبها، مُتعاونة مع أعداء أمّتها، مُعادية لدولة الخلافة العثمانية التي كانت تُمثّل حاضنتها ورمز إسلاميتها.

لقد أخلصت هذه الأسر العاقّة لأمتها أيّما إخلاص للبريطانيين الكفار المستعمرين الذين استعانوا بها في إسقاط الدولة الإسلامية، وفي محوها من الوجود، ثمّ تمّت مُكافأتها بتحويلها إلى أنظمة حكم وراثية استبدادية تسلطية تحت مسمّى محميات رسمية تابعة للتاج البريطاني لمدة طويلة من الزمن، وتمّ فرضها على شعوب المنطقة كأمرٍ واقع، وبذلك استقر النفوذ البريطاني في الخليج، وضرب جذوره في جميع دويلاته الزائفة.

وبعد انسحاب بريطانيا عسكريًا – بضغط أميركي – من الخليج في نهاية ستينات وأوائل سبعينات القرن الميلادي الماضي، بقيت مُحتفظة بقدر كبير من النفوذ فيها؛ حيث استمرت الصلات الوثيقة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية…

وبعد بروز أميركا كقوة أولى في العالم، اعتمدت بريطانيا على عملائها للحفاظ على نفوذها، وخاصةً بعد اقتحام أميركا للمنطقة بكل ثقلها، ومُحاولة الاستحواذ عليها لأهميتها الاستراتيجية، ولما فيها من ثروة نفطية هائلة، فاندلع صراع سياسي عنيف بين الدولتين في الخليج، وتشبثت بريطانيا بكل مناطق نفوذها أمام الهجمة الأميركية الشرسة عليها، واستعانت برجالها المـُدرّبين ممّن قامت بريطانيا من قبل بتربيتهم على طريقتها لصد تلك الهجمة الاستعمارية الأميركية الكبرى عليها.

إلاّ أنّ أميركا استمرت في هجمتها، واستخدمت قواها الاقتصادية والسياسية في حدودها القصوى، وركّزت على السعودية بشكلٍ خاص لما لها من ثقل ووزن كبيرين في المنطقة، ولما فيها من إمكانية للاختراق أكثر من غيرها من المشيخات والإمارات الصغيرة، فكان ذلك الاجتماع المشهور بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز في قناة السويس على متن الطراد الأميركي كوينسي بمثابة نقطة تحوّل واختراق، تمكّنت بعده أميركا من وضع رِجلٍ لها في المنطقة، واستطاعت بها خلخلة النفوذ الإنجليزي في السعودية، وكسر احتكاره، وأصبح نفوذها منذ ذلك الحين موازيًا للنفوذ الإنجليزي، ومن ثمّ تقاسمت الدولتان السيطرة على السعودية مناصفةً بشكلٍ تقريبي، فتارة تحكمها أميركا مع بقاء النفوذ البريطاني فيها، وتارة تحكمها بريطانيا مع بقاء النفوذ الأميركي فيها، فمثلًا تمكنت أميركا من أخذ السعودية من الإنجليز في عهدي الملكين سعود وفهد، إلاّ أنّها لم تستطع الاحتفاظ بها طويلًا، إذ تمّ إسقاط سعود على يد فيصل العميل الإنجليزي العريق، ومن ثمّ أعيد الحكم إلى عملاء بريطانيا، ثمّ بعد ذلك جاء فهد وهو عميل أميركي قوي للحكم، ولكن بعد موته عادت السعودية إلى حضن الإنجليز على يد عميلهم عبد الله، ثمّ عاد مؤخرًا عملاء أميركا إلى السلطة بعد موت عبد الله من خلال سلمان، ولكن هذه المرة يبدو أنّهم رفضوا فكرة المناصفة والمحاصصة وتبادل الأدوار من البريطانيين، وقرّروا الاستحواذ على السلطة كاملة، فقام سلمان بانقلاب كامل بكل معنى الكلمة على نفوذ الإنجليز، فأبعد جميع رجالهم من مراكز صنع القرار، واستفرد هو وابنه محمد بالسلطة بشكلٍ مُطلق، ولم يتركا أي مُنافس لهما حتى ولو كان عميلًا أميركيًا كمحمد بن نايف، وبذلك التنظيف الشامل للبلد من كل أتباع الإنجليز، ومن كل المنافسين المحتملين، تحوّلت السعودية إلى ما يُشبه القاعدة الأميركية في منطقة الخليج، فخافت بريطانيا منها على محمياتها الخليجية الأخرى، وراحت تبحث في كيفية تثبيت نفوذها فيها، وفي كيفية مواجهة النفوذ الأميركي المتعاظم في السعودية، وهكذا دخلت منطقة الخليج في دوّامة صراع جديد لم تعهده من قبل.

لقد استطاعت بريطانيا أنْ تُحافظ على جميع دُويلاتها في الخليج منذ تأسيسها وحتى الآن باستثناء السعودية، بالرغم ممّا تُقدّمه هذه الدويلات لأميركا من قواعد وتسهيلات مداراةً لها، وتفسير ذلك يتلخص في أنّ الحكام هم الذين يُحوّلون الدول من تبعية دولة لتبعية دولة أخرى، وليست القواعد ولا التسهيلات. وحكام هذه الدويلات لا يملكون قرارهم؛ فلا يستطيعون تبديلًا ولا تغييرًا. وكذلك شعوب تلك البلاد قد لا تملك القدرة على الثورات والتمرد لقلة عدد سكانها؛ لذلك كان من الصعب على أميركا اللعب بهذه الورقة.

صحيح أنّ أميركا تستفيد من إثارة القلاقل في البحرين مثلًا بسبب وجود أكثرية (شيعية)، وتستغل التدخل الإيراني المدعوم أميركيًا بشكلٍ غير مُباشر، والذي يعمد بطائفيته المصطنعة للدفاع عن المظلومين من الشيعة فيها لحمل الحكومة على الخضوع للإملاءات الأميركية، لكنّ النفوذ الأميركي بشكل عام لم ينجح في اختراق القاعدة السياسية للحكم التابع لبريطانيا، لا في البحرين، ولا في غيرها من هذه الدول الخليجية باستثناء السعودية، ففي قطر والكويت والإمارات وعُمان ما زال النفوذ البريطاني هو المهيمن بشكل شبه مطلق.

وتقوم بريطانيا حديثًا بتثبيت وتقوية نفوذها في هذه الدول بكل ما أوتيت من إمكانيات، فرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في زيارتها مؤخرًا للخليج قالت بصراحة: «أمن الخليج هو أمننا، وينبغي أن نستمر في مواجهة الدول التي يغذي نفوذها الاضطراب في الإقليم»، وأطلقت ما اعتبرته: «شراكة استراتيجية بين الجانبين؛ لتعزيز علاقات أوثق في كافة المجالات، بما في ذلك السياسية والدفاعية والأمنية والتجارية»، وفي كانون الأول/ديسمبر 2014م، أعلنت لندن والمنامة عن إقامة قاعدة عسكرية بريطانية جديدة في البحرين، وأقامت قاعدة عسكرية برية من خلال مجموعة معسكرات في سلطنة عُمان، وأجرت تدريبات عسكرية بين الإمارات وبريطانيا تحت اسم «خنجر البحر»، وتُجري باستمرار مُناورات جوية وبحرية وبرية مع قطر،فبريطانيا إذًا لم تغادر المنطقة عمليًا حتى بعد إعلان الاستقلال لهذه الدول، وبعد زوال الانتداب الرسمي لها، وإنّما غيّرت شكل استعمارها فقط.

وهي، أي بريطانيا، تستخدم قطر والكويت وعُمان والبحرين والإمارات استخدامًا مُناسبًا حسب الظروف، فبعد أنّ طُوّقت قطر من قبل السعودية، اتجهت نحو توظيف الإمارات كمخلب قط لها في اليمن، فتمدّد الدور الإماراتي مثلًا في اليمن خلال العامين الماضيين بسرعة خاطفة أوجد لها مليشيات وأتباعًا باتوا يُشكّلون أمرًا واقعًا لا يمكن تجاوزهم في أي حل مستقبلي، وتحوّلت لندن بفعل هذه القوة الجديدة التابعة للإمارات إلى عاصمة لطبخ المؤامرات واستقبال ممثلي القوى العاملة في اليمن، ومن ثمّ تم اختيار مبعوث أممي بريطاني لليمن.

وأمّا في المجال الاقتصادي، فإنّ الاستثمار الخليجي في بريطانيا يكشف عن أرقام فلكية، إذ إنّ إجمالي الاستثمارات الخليجية في بريطانيا تفوق المائة وثلاثين مليارًا، فيما يزيد حجم المبادلات عن الثلاثين مليارًا.

فمصالح بريطانيا إذًا في الخليج كبيرة، لذلك كان الصراع عليه مع أميركا أمرًا بديهيًا، وإنّ نجاح أميركا في السيطرة على السعودية جعل بريطانيا تستميت في الاحتفاظ بنفوذها المطلق في سائر دول الخليج، وجعلها تُوسّع نفوذها، وتزيد تمتينه، وتُعيد ما أسمته رئيسة الوزراء البريطانية بــ (الشراكة الاستراتيجية) مع دول الخليج خاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي؛ ليكون العنوان الأبرز للنفوذ البريطاني في أهم بقاع العالم، بينما يتآمر حكام الخليج ومعهم حكام المسلمين، ويغطون في سبات عميق، فلا يدركون أهمية الصراع الدولي على مناطقهم، ولا يعنيهم شيءٌ سوى تثبيت عروشهم.

الأحد، 24 يونيو 2018

الحرب التجارية بين أمريكا والصين عملية ابتزاز أمريكية لحمل الصين على تقديم المزيد من التنازلات


الحرب التجارية بين أمريكا والصين عملية ابتزاز أمريكية لحمل الصين على تقديم المزيد من التنازلات






الحرب التجارية بين أمريكا والصين عملية ابتزاز أمريكية لحمل الصين على تقديم المزيد من التنازلات  

مُنذ أنْ لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ حربٍ تجارية كبرى على شركاء أمريكا التجاريين الكبار كالصين والاتحاد الأوروبي، وتعهد بانتصار مؤكد لأمريكا فيها، تعاظمت المخاوف من خطرها على أعمال الشركات وأسواق المال، ولم تهدأ القوى الكبرى المُستهدفة عن وضع الخطط التي من شأنها حماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على سلامة أسواقها واستثماراتها، والدخول في مُناورات واتفاقات وصفقات تجارية مُتعددة مع الولايات المتحدة للتقليل قدر الإمكان من الخسائر والمضار التي قد تلحق بها.
كان ترامب قد تعهد في حملته الانتخابية باتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة الوظائف الأمريكية المفقودة بسبب ما أسماه التغلغل الاقتصادي الصيني، ووعد بفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية.
وللصين فائض في المُبادلات التجارية مع أمريكا بلغ في العام 2017  ما قيمته 375 مليار دولار أمريكي، إذ أنّ صادراتها لأمريكا بلغت في هذا العام 492 مليار دولار، بينما صادرات أمريكا للصين بلغت 116.2 ، وأمّا استثمارات الصين في أمريكا لذلك العام بلغت 46 مليار دولار بينما استثمارات أمريكا في الصين بلغت 14 مليار فقط.
ويمتلك البنك المركزي الصيني سيولة نقدية بالعملة الأمريكية 2 تريليون دولار، وهذا يجعل من الصعب على أمريكا تحقيق انتصار حاسم في حروبها التجارية مع الصين، لذلك تلجأ للضغوط وفرض العقوبات المحدودة على الصين لحملها على تقديم التنازلات.
لذلك صعّدت أمريكا من ضغوطها على الصين، فقال ترامب:" إنّ واشنطن تجاهلت لسنوات المُمارسات التجارية الصينية"، وحمّل الإدارات السابقة مسؤولية الفشل في العلاقات التجارية مع الصين وهاجمها بشدة فقال:" إنّ أمريكا لا تخوض حرباً تجارية مع الصين لأنّها خسرت تلك الحرب منذ سنوات بسبب حمقى غير مؤهلين لتمثيل الولايات المتحدة، وإنّه بسبب هؤلاء أصبح لدينا عجز تجاري قيمته 500 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى خسائر قيمتها 300 مليار دولار"، وهاجم منظمة التجارة العالمية فقال:" إنّ الصين قوة اقتصادية كبيرة ولكنّ منظمة التجارة تُصنّفها ضمن البلدان النامية لذلك فهي تحصل على امتيازات هائلة وخصوصاً فيما يخص الولايات المتحدة"، وتساءل:" هل يعتقد أي شخص أنّ هذا أمر عادل؟"، وتابع :" إنّ مُنظمة التجارة العالمية غير عادلة مع الولايات المتحدة".
ثمّ في شهر آذار من هذا العام 2018 وقّع ترامب على مُذكرة تنفيذية لفرض رسوم جمركية على الصين بنسبة 25% على قائمة منتجات صينية بنحو 1300 منتج، وفرض رسوماً بقيمة 50 مليار دولار الصلب والحديد، وأنحى باللائمة على سياسات الملكية الفكرية التي تنتهجها الصين، وعلى إجبار الصين للشركات الأمريكية على مشاركة التكنولوجيا التي تستخدمها مع شركات صينية.
 وردّت الصين في اليوم التالي بفرض رسوم انتقامية ضد أمريكا بقيمة 3 مليار دولار على بعض الواردات الأمريكية منها لحوم الخنزير وأنابيب الصلب، ثمّ ما لبثت أنْ فرضت رسوماً جمركية بنسبة 15% على 128 مُنتجاً أمريكياً كرد سريع على الرسوم الأمريكية على واردات الألمنيوم والصلب الصينية بشكلٍ خاص، وهدّدت بفرض رسوم أخرى بنسبة 25% على 106 مُنتجات أمريكية أخرى من بينها فول الصويا والسيارات والكيماويات ومنتجات زراعية أخرى.
ورد ترامب بالتلويح بفرض رسوم جمركية إضافية على المُنتجات الصينية بقيمة ما بين 100 مليار دولار إلى 150 مليار دولار إنْ لم ترتدع الصين.
وواكب هذا التصعيد من الجانبين تقديم شكاوى إلى مُنظمة التجارة العالمية، فتقدّمت كل من الصين والولايات المتحدة بشكاوى ضدّ بعضهما إلى المُنظمة.
وتُعتبر مشكلة العجز أكبر مُشكلة  تُحاول إدارة ترامب معالجتها مع الصين، فقال مكتب الموازنة بالكونغرس الأمريكي وهو هيئة مُستقلة غير حزبية:" إنّ العجز وهو الفرق بين ما تُنفقه الحكومة وما تتلقّاه من عائدات الضرائب من المُتوقّع أن يرتفع إلى 804 مليار دولار عام 2018 من 665 مليار في العام 2017 ، وهو ما يعني ارتفاع العجز التراكمي بوتيرة مُتتالية".
وكلما تزداد المشاكل الاقتصادية في أمريكا يزداد معها تحميل الصين المسؤولية، ومن الانتقادات الرئيسية التي دأبت أمريكا توجيهها للصين وضعها لقيود على الدخول إلى السوق المالية الصينية في قطاعات عدة، وعدم السماح للشركات الأجنبية امتلاك أكثر من 25 % من رأسمال البنوك، ولهذا السبب فإنّ منظمة التجارة العالمية لا تعترف بالصين حتى الآن كاقتصاد سوق، وذلك لمشاركة الحكومة الصينية الواسعة في الصناعة، وبسبب اتهامها بسرقة الملكية الفكرية.
وبعد كل هذا التصعيد بين الطرفين، وبشكلٍ غير مُتوقع يأتي الانفراج، فيتغيّر موقف الصين فجأة، ودون سابق إنذار، وتُقدّم الصين في مؤتمر واو تنازلات كبيرة غير مُبرّرة، وتُعلن عن حزمة جديدة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية المُلفتة، منها خفض رسوم الاستيراد، لا سيما على السيارات، ومنتجات أخرى، وتسمح بتمكين المُستثمرين الأجانب من شراء أسهم صينية بإتاحة امتلاك المؤسّسات الأجنبية بنسبة تصل إلى 51 % من الشركات الصينية العاملة في السندات وصناديق التمويل والأوراق المالية، وقالت هيئة تنظيم الاوراق المالية الصينية إنّه سيكون بمقدور المُستثمرين الأجانب شراء أسهم صينية اكثر من خلال برامج تربط بورصة هونغ كونغ بالبورصات الصينية، وأوضحت الهيئة أنّها ستبذل الجهود اللازمة لإقامة رابط مُشابه بين بورصتي شنغهاي ولندن، كما وتعهد الرئيس الصيني بمزيد من الانفتاح في المُستقبل.
وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعبير عن امتنانه للرئيس الصيني شي جين بينغ على الخطوات التي اتخذتها بلاده في المجال التجاري، وقال:" أنا ممتن جدا لرئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ على كلماته الطيبة بشأن رسوم الاستيراد والقيود على السيارات، وأيضا لتفهمه لما يتعلق بالملكية الفكرية وقضية نقل التكنولوجيا، معا سنحقق تقدما كبيرا".
إنّ ثناء ترامب على الإجراءات الصينية، وهذا التغير المُفاجئ في الموقف الصيني لا يعني إلاّ رضوخ الصين للعقوبات الأمريكية، ومن ثمّ قام وفد امريكي رفيع المستوى بزيارة الصين، وضمّ الوفد وزير الخزانة ستيفن منوتشين ووزير التجارة ويلبور روس والمُمثّل التجاري روبرت لايتهابزر إلى جانب عدد من المسؤولين بينما قاد المحادثات من الجانب الصيني ليو هي نائب رئيس الوزراء، وقام الوفد بمفاوضات حاسمة نوقش خلالها مواضيع كثيرة منها الرسوم الجمركية والملكية الفكرية والاستثمارات، وتركّزت المُحادثات حول النزاع على ما يُزعم بقيام الصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية، كما تمّ مُناقشة استراتيجية ( صُنع في الصين عام 2025 ) والتي تهدف إلى تهدف إلى تعزيز الصناعات الناشئة مثل الروبوتات وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية، وطلب الوفد الأمريكي من الحكومة الصينية منع دعم تلك الصناعات، و خفض الفائض التجاري مع أمريكا بمقدار 100 مليار دولار على وجه السرعة، وهكذا تمّ تسوية الخلافات بين الدولتين وفقاً للمطالب الأمريكية، وتلاشت لهجة التصعيد.
وقد أثارت الاجراءات الصينية الشكوك لدى المُراقبين بأنّ الصين قد خضعت لإملاءات وشروط ادارة ترامب، وأنّها لبّت المطالب الأمريكية، وهو ما دعا الحكومة الصينية لتبرير موقفها من هذه الاجراءات المُستهجنة، فخرج المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية غاو فينغ مُصرّحاً:" إنّ من التضليل القول بأنّ تعهد الرئيس الصيني في مُنتدى بواو الاقتصادي الآسيوي كان تنازلاً للولايات المتحدة"، وأضاف:" إنّ الرئيس شي كان يُوضّح فقط الخطوط العريضة لاستراتيجية الصين بشأن مزيد من الانفتاح وهو ما لا علاقة له بالخلاف التجاري مع الولايات المتحدة".
وأخيراً تمّ تتويج المفاوضات بين الطرفين بتوقيع اتفاق رسمي يوم السبت 19/5/2018  بين أمريكا والصين في ختام محادثات مُعمقة بين الدولتين شارك فيها عدد من الوزراء الأمريكيين مع نائب رئيس الوزراء الصينين رضخت بموجبه الصين بوضوح لمطالب إدارة ترامب، وأعلن عن اتخاذ اجراءات فعّالة لإحداث خفض جوهري في العجز التجاري لدى أمريكا مع الصين في مجال السلع، وجاء في البيان المشترك:" ستزيد الصين بشكل كبير مُشترياتها من السلع والخدمات من الولايات المتحدة من أجل مواجهة  تزايد الاحتياجات الاستهلاكية للشعب الصيني"، وأكّد البيان أنّ الصين:" ستُدخل تعديلات  على قوانينها ولوائحها ذات الصلة من أجل السماح بمزيد من الواردات الأمريكية"، كما اتفق البلدان على وقف فرض الرسوم الجمركية على بعضهما البعض، واتفقا أيضاً على مواصلة التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والتمويل.
وهكذا تحوّلت الحرب التجارية المزعومة بين الدولتين إلى خنوع الصين وتقديمها تنازلات ضخمة لأمريكا، والتوصل إلى تفاهمات جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم، وقد أثّرت هذه التفاهمات سلباً على الأوروبيين، فقد حذّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من أنّ الاتفاق الأمريكي الصيني كانت نتيجته:" أنّ أوروبا هي التي تدفع الثمن"، وهو ما يعني أنّ أمريكا قد نجحت في بالاستفراد بالصين، وعزل أوروبا.
لكن هذا التوافق الأمريكي الصيني وهذا الاتفاق بين الدولتين الذي لم يمض عليه أكثر من شهر قد تمّ نسفه من جديد من قبل ترامب عندما استأنفت الإدارة الأمريكية إعلان فرض رسوم جمركية على الصين تبلغ نسبتها 25% على واردات صينية بقيمة خمسين مليار دولار، وهو ما يقوض تماماً التوافق الذي تم التوصل إليه قبل أقل من شهر بين البلدين، والذي وقّعه وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين بعد جهود مُضنية بذلها في الفاوض مع المسؤولين الصينيين.
وردّت الصين بأنّها تنوي فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على 659 من المنتجات الأمريكية ابتداء من تاريخ 6/7/2018 ، وهدّد ترامب بأنّه في حال نفذت الصين قرارها فإنّه سيفرض رسوم جمركية جديدة بنحو 10 % على منتجات صينية بقيمة 200 مليار دولار.
وهكذا تستمر أمريكا بعملية ابتزاز الصين طالما تأتي هذه العملية بأكلها.
احمد الخطواني


الثلاثاء، 12 يونيو 2018

الحرب التجارية بين أمريكا والصين تحولّت إلى تنازلات وتفاهمات




الحرب التجارية بين أمريكا والصين تحولّت إلى تنازلات وتفاهمات




مُنذ أنْ لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ حربٍ تجارية كبرى على شركاء أمريكا التجاريين الكبار كالصين والاتحاد الأوروبي، وتعهد بانتصار مؤكد لأمريكا فيها، تعاظمت المخاوف من خطرها على أعمال الشركات وأسواق المال، ولم تهدأ القوى الكبرى المُستهدفة عن وضع الخطط التي من شأنها حماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على سلامة أسواقها واستثماراتها، والدخول في مُناورات واتفاقات وصفقات تجارية مُتعددة مع الولايات المتحدة للتقليل قدر الإمكان من الخسائر والمضار التي قد تلحق بها.
كان ترامب قد تعهد في حملته الانتخابية باتخاذ التدابير اللازمة لاستعادة الوظائف الأمريكية المفقودة بسبب ما أسماه التغلغل الاقتصادي الصيني، ووعد بفرض رسوم جمركية على المنتجات الصينية.
وللصين فائض في المُبادلات التجارية مع أمريكا بلغ في العام 2017  ما قيمته 375 مليار دولار أمريكي، إذ أنّ صادراتها لأمريكا بلغت في هذا العام 492 مليار دولار، بينما صادرات أمريكا للصين بلغت 116.2 ، وأمّا استثمارات الصين في أمريكا لذلك العام بلغت 46 مليار دولار بينما استثمارات أمريكا في الصين بلغت 14 مليار فقط.
ويمتلك البنك المركزي الصيني سيولة نقدية بالعملة الأمريكية 2 تريليون دولار، وهذا يجعل من الصعب على أمريكا تحقيق انتصار حاسم في حروبها التجارية مع الصين، لذلك تلجأ للضغوط وفرض العقوبات المحدودة على الصين لحملها على تقديم التنازلات.
لذلك صعّدت أمريكا من ضغوطها على الصين، فقال ترامب:" إنّ واشنطن تجاهلت لسنوات المُمارسات التجارية الصينية"، وحمّل الإدارات السابقة مسؤولية الفشل في العلاقات التجارية مع الصين وهاجمها بشدة فقال:" إنّ أمريكا لا تخوض حرباً تجارية مع الصين لأنّها خسرت تلك الحرب منذ سنوات بسبب حمقى غير مؤهلين لتمثيل الولايات المتحدة، وإنّه بسبب هؤلاء أصبح لدينا عجز تجاري قيمته 500 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى خسائر قيمتها 300 مليار دولار"، وهاجم منظمة التجارة العالمية فقال:" إنّ الصين قوة اقتصادية كبيرة ولكنّ منظمة التجارة تُصنّفها ضمن البلدان النامية لذلك فهي تحصل على امتيازات هائلة وخصوصاً فيما يخص الولايات المتحدة"، وتساءل:" هل يعتقد أي شخص أنّ هذا أمر عادل؟"، وتابع :" إنّ مُنظمة التجارة العالمية غير عادلة مع الولايات المتحدة".
ثمّ في شهر آذار من هذا العام 2018 وقّع ترامب على مُذكرة تنفيذية لفرض رسوم جمركية على الصين بنسبة 25% على قائمة منتجات صينية بنحو 1300 منتج، وفرض رسوماً بقيمة 50 مليار دولار الصلب والحديد، وأنحى باللائمة على سياسات الملكية الفكرية التي تنتهجها الصين، وعلى إجبار الصين للشركات الأمريكية على مشاركة التكنولوجيا التي تستخدمها مع شركات صينية.
 وردّت الصين في اليوم التالي بفرض رسوم انتقامية ضد أمريكا بقيمة 3 مليار دولار على بعض الواردات الأمريكية منها لحوم الخنزير وأنابيب الصلب، ثمّ ما لبثت أنْ فرضت رسوماً جمركية بنسبة 15% على 128 مُنتجاً أمريكياً كرد سريع على الرسوم الأمريكية على واردات الألمنيوم والصلب الصينية بشكلٍ خاص، وهدّدت بفرض رسوم أخرى بنسبة 25% على 106 مُنتجات أمريكية أخرى من بينها فول الصويا والسيارات والكيماويات ومنتجات زراعية أخرى.
ورد ترامب بالتلويح بفرض رسوم جمركية إضافية على المُنتجات الصينية بقيمة ما بين 100 مليار دولار إلى 150 مليار دولار إنْ لم ترتدع الصين.
وواكب هذا التصعيد من الجانبين تقديم شكاوى إلى مُنظمة التجارة العالمية، فتقدّمت كل من الصين والولايات المتحدة بشكاوى ضدّ بعضهما إلى المُنظمة.
وتُعتبر مشكلة العجز أكبر مُشكلة  تُحاول إدارة ترامب معالجتها مع الصين، فقال مكتب الموازنة بالكونغرس الأمريكي وهو هيئة مُستقلة غير حزبية:" إنّ العجز وهو الفرق بين ما تُنفقه الحكومة وما تتلقّاه من عائدات الضرائب من المُتوقّع أن يرتفع إلى 804 مليار دولار عام 2018 من 665 مليار في العام 2017 ، وهو ما يعني ارتفاع العجز التراكمي بوتيرة مُتتالية".
وكلما تزداد المشاكل الاقتصادية في أمريكا يزداد معها تحميل الصين المسؤولية، ومن الانتقادات الرئيسية التي دأبت أمريكا توجيهها للصين وضعها لقيود على الدخول إلى السوق المالية الصينية في قطاعات عدة، وعدم السماح للشركات الأجنبية امتلاك أكثر من 25 % من رأسمال البنوك، ولهذا السبب فإنّ منظمة التجارة العالمية لا تعترف بالصين حتى الآن كاقتصاد سوق، وذلك لمشاركة الحكومة الصينية الواسعة في الصناعة، وبسبب اتهامها بسرقة الملكية الفكرية.
وبعد كل هذا التصعيد بين الطرفين، وبشكلٍ غير مُتوقع يأتي الانفراج، فيتغيّر موقف الصين فجأة، ودون سابق إنذار، وتُقدّم الصين في مؤتمر واو تنازلات كبيرة غير مُبرّرة، وتُعلن عن حزمة جديدة من الإجراءات الاقتصادية والتجارية المُلفتة، منها خفض رسوم الاستيراد، لا سيما على السيارات، ومنتجات أخرى، وتسمح بتمكين المُستثمرين الأجانب من شراء أسهم صينية بإتاحة امتلاك المؤسّسات الأجنبية بنسبة تصل إلى 51 % من الشركات الصينية العاملة في السندات وصناديق التمويل والأوراق المالية، وقالت هيئة تنظيم الاوراق المالية الصينية إنّه سيكون بمقدور المُستثمرين الأجانب شراء أسهم صينية اكثر من خلال برامج تربط بورصة هونغ كونغ بالبورصات الصينية، وأوضحت الهيئة أنّها ستبذل الجهود اللازمة لإقامة رابط مُشابه بين بورصتي شنغهاي ولندن، كما وتعهد الرئيس الصيني بمزيد من الانفتاح في المُستقبل.
وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التعبير عن امتنانه للرئيس الصيني شي جين بينغ على الخطوات التي اتخذتها بلاده في المجال التجاري، وقال:" أنا ممتن جدا لرئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ على كلماته الطيبة بشأن رسوم الاستيراد والقيود على السيارات، وأيضا لتفهمه لما يتعلق بالملكية الفكرية وقضية نقل التكنولوجيا، معا سنحقق تقدما كبيرا".
إنّ ثناء ترامب على الإجراءات الصينية، وهذا التغير المُفاجئ في الموقف الصيني لا يعني إلاّ رضوخ الصين للعقوبات الأمريكية، ومن ثمّ قام وفد امريكي رفيع المستوى بزيارة الصين، وضمّ الوفد وزير الخزانة ستيفن منوتشين ووزير التجارة ويلبور روس والمُمثّل التجاري روبرت لايتهابزر إلى جانب عدد من المسؤولين بينما قاد المحادثات من الجانب الصيني ليو هي نائب رئيس الوزراء، وقام الوفد بمفاوضات حاسمة نوقش خلالها مواضيع كثيرة منها الرسوم الجمركية والملكية الفكرية والاستثمارات، وتركّزت المُحادثات حول النزاع على ما يُزعم بقيام الصين بسرقة حقوق الملكية الفكرية، كما تمّ مُناقشة استراتيجية ( صُنع في الصين عام 2025 ) والتي تهدف إلى تهدف إلى تعزيز الصناعات الناشئة مثل الروبوتات وأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية، وطلب الوفد الأمريكي من الحكومة الصينية منع دعم تلك الصناعات، و خفض الفائض التجاري مع أمريكا بمقدار 100 مليار دولار على وجه السرعة، وهكذا تمّ تسوية الخلافات بين الدولتين وفقاً للمطالب الأمريكية، وتلاشت لهجة التصعيد.
وقد أثارت الاجراءات الصينية الشكوك لدى المُراقبين بأنّ الصين قد خضعت لإملاءات وشروط ادارة ترامب، وأنّها لبّت المطالب الأمريكية، وهو ما دعا الحكومة الصينية لتبرير موقفها من هذه الاجراءات المُستهجنة، فخرج المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية غاو فينغ مُصرّحاً:" إنّ من التضليل القول بأنّ تعهد الرئيس الصيني في مُنتدى بواو الاقتصادي الآسيوي كان تنازلاً للولايات المتحدة"، وأضاف:" إنّ الرئيس شي كان يُوضّح فقط الخطوط العريضة لاستراتيجية الصين بشأن مزيد من الانفتاح وهو ما لا علاقة له بالخلاف التجاري مع الولايات المتحدة".
وأخيراً تمّ تتويج المفاوضات بين الطرفين بتوقيع اتفاق رسمي يوم السبت 19/5/2018  بين أمريكا والصين في ختام محادثات مُعمقة بين الدولتين شارك فيها عدد من الوزراء الأمريكيين مع نائب رئيس الوزراء الصينين رضخت بموجبه الصين بوضوح لمطالب إدارة ترامب، وأعلن عن اتخاذ اجراءات فعّالة لإحداث خفض جوهري في العجز التجاري لدى أمريكا مع الصين في مجال السلع، وجاء في البيان المشترك:" ستزيد الصين بشكل كبير مُشترياتها من السلع والخدمات من الولايات المتحدة من أجل مواجهة  تزايد الاحتياجات الاستهلاكية للشعب الصيني"، وأكّد البيان أنّ الصين:" ستُدخل تعديلات  على قوانينها ولوائحها ذات الصلة من أجل السماح بمزيد من الواردات الأمريكية"، كما اتفق البلدان على وقف فرض الرسوم الجمركية على بعضهما البعض، واتفقا أيضاً على مواصلة التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والتمويل.
وهكذا تحوّلت الحرب التجارية المزعومة بين الدولتين إلى خنوع الصين وتقديمها تنازلات ضخمة لأمريكا، والتوصل إلى تفاهمات جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم، وقد أثّرت هذه التفاهمات سلباً على الأوروبيين، فقد حذّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير من أنّ الاتفاق الأمريكي الصيني كانت نتيجته:" أنّ أوروبا هي التي تدفع الثمن"، وهو ما يعني أنّ أمريكا قد نجحت في بالاستفراد بالصين، وعزل أوروبا.
احمد الخطواني         24 /5 / 2015




السبت، 1 أكتوبر 2016

كيف ستعمل دولة الخلافة بعد إعلانها ؟


كيف ستعمل دولة الخلافة بعد إعلانها ؟

إنّ الحديث عن دولة الخلافة وأجهزتها، وعن رعايتها لشؤون الناس، وعن علاقاتها الخارجية، إنّ الحديث عن ذلك من ناحية نظرية شيئ، ومُباشرتها الحقيقية لأعمال الرعاية اليومية، واتصالاتها الفعلية بالكيانات الخارجية شيئ آخر، فبالرغم من أهميّة الحديث عن طبيعة الدولة، وشرح المفاهيم والمقاييس المتعلّقة بنظام الحكم في الإسلام، وتحميل الناس تلك الأفكار، وإيجاد رأي عام عنها بين الناس، بالرغم من أهمية ذلك كلّه، إلاّ أنّ ما هو أهمّ وأصعب منه هو ترجمة تلك الأفكار إلى واقعٍ حيٍ وعملي.
فحمل الدعوة للإسلام، وإن كان من أعظم الواجبات المطلوب القيام بها من قبل جميع المكلّفين، إلاّ أنّ تجسيد هذا الواجب من حيث التطبيق والتنفيذ، يحتاج إلى قُدُرات خاصّة لا تتوفر إلا لدى أناسٍ مخصوصين، يملكون المؤهلات التي تُمكّنهم من القيام بهذه الأعمال السياسية التنفيذية اليومية لدولة الخلافة.
وهؤلاء الرجال الذين تُلقى على عواتقهم مسؤولية تشغيل أجهزة الدولة، وإدارة أعمالها بُعَيْد الإعلان عن قيامها هم رجال الدولة الحقيقيون الذين يمتازون بقُدرات فائقة، ومهارات عالية.
فبعد تنصيب الخليفة، وإلقائه الخطاب الأول الذي يُعلن فيه قيام دولة الخلافة، وبعد أنْ يُحدّد نهجها، ويشرح واقعها، ويرسم معالمها، بعد ذلك يشْرع بتشكيل الأجهزة، وتوزيع الصلاحيات، وتقسيم المهام، وإنشاء الإدارات والدوائر، واختيار المُعاونين، ووضعهم على رأس المؤسّسات، وتكليفهم بإدارة مصالح الدولة، طبْقاً للدستور، ووفقاً للأحكام الشرعية المُتبنّاة، بحسب رأيه واجتهاده، وعندها تبدأ المحرّكات بالعمل، وتشرع الأجهزة بالتّحرّك، وتدبّ فيها الحياة.
* يقوم بيت المال بوضع يده على جميع الأموال الموجودة في البنوك وفي مؤسّسات الدولة السابقة، ويوقف كل الأعمال الربوية في الحال، ويُجمّد جميع المعاملات البنكية الداخلية والخارجية، ويحفظ للأفراد حقوقهم المالية، ويحصُر أموال الملكية العامّة ومُلْكية الدولة، ثمّ يبدأ باستخدام المال الموجود في الخزينة لتمويل أعمال ونفقات الدولة، خاصةً المتعلّقة بدفع رواتب الموظفين والجنود، وفي نفس الوقت يشرع بالتحضير لإخراج عُملة الدولة الإسلاميّة المُغطّاة بالذهب والفضّة، وإعداد فئات النقد الإسلامي المصكوكة والنائبة، في الوقت الذي يستمر فيه العمل باستعمال العملات الورقية الموجودة ريثما ينتهي بيت المال من إصدار النقد الجديد.
* تتولّى مصلحة الإعلام بث الأخبار وتوجيه الخطاب الإعلامي للأمّة من مُنطلق إظهار عظمة الإسلام، وإبرازهيبة دولة الخلافة، وتجييش أبناء المسلمين، وتشجيعهم على الالتحاق بالأعمال الجهادية التي تُحيي فيهم ذكريات انتصارات الإسلام في بدر والقادسية وتستر واليرموك وغيرها، بِهدف تحضير نفسيات المسلمين المُتعطّشة للغزو والجهاد والاستشهاد، ومن أجل تحرير بلاد المسلمين المُغتصبة كفلسطين والشيشان وكشمير وغيرها، فضلاً عن فتح سائر البلاد، ونشر الإسلام في ربوع المعمورة.
* وأمّا على مستوى القضاء فيقوم قاضي القضاة بإعادة هيكلة المحاكم بعد إلغاء المحاكم النظامية والمدنية القائمة، وحصرها في محاكم الخصومات والمظالم والحسبة، ويقوم بتوجيه وتدريب القضاة لتسريع عملهم، وحفظ حقوقهم، وردع الجُناة، وإيجاد الطمأنينة والعدل بين الناس.
* فيما تقوم دائرة الأمن الداخلي بتوفير القوى الشرطية اللازمة للحُكّام والقضاة لضمان تطبيق الأحكام الناجزة، وتنفيذ القرارات الصادرة، والسهر على حماية الأمن العام.
* أمّا مصلحة التعليم فتقوم فور تشكّلها بإيقاف العملية التعليمية التي كانت قائمة في الدولة البائدة، وتتولّى إعداد النظام التعليمي الإسلامي المُعدّ مسبقاً، وتشرع من فورها  في طباعة الكتب المدرسية، وفي إعداد الكرّاسات الجامعيّة، وفي تدريب وتوجيه المُعلّمين، واستئناف عملية التعليم وفقاً لمنهاج دولة الخلافة في أسرع وقت ممكن.
تلكم هي أهم الأعمال الداخلية التي تقوم بها دولة الخلافة بُعيْد قيامها، أمّا الأعمال الخارجيّة فأهمّها أعمال دائرة الحربية التي يتولّاها أمير الجهاد، وأعمال دائرة الشؤون الخارجيّة، وأعمال دائرة الصناعة.
* يقوم أميرالجهاد بترتيب قيادات الجيش، وتقسيمه إلى ألوية وفرق وكتائب، وتعيين الأمراء والقادة المناسبين، وإعادة تثقيفهم بالثقافة الإسلامية المُركّزة، وتوفيرالحماية المُطلقة لجميع أصقاع الدولة، وحفظ الحدود، والتحضير لخوض المعارك، وتحديد أولويات فتح الجبهات، ووضع الخطط والاستراتيجيات، واستيعاب أعداد كبيرة من الجنود والمُتطوّعين، وإدخال أحدث الأسلحة والتقنيات،واستخدام أفضل وسائل التدريب للمُقاتلين.
* أمّا دائرة الشؤون الخارجيّة فتتولّى تدبير الشؤون الخارجية للدولة، فتقوم بتصنيف مراتب الدول بحسب عدائها للدولة الاسلامية، ودرجة خطورتها عليها، فتضع مسودات متنوعة للاتفاقيات المقترحة، ولشكل العلاقات مع تلك الدول، وتقوم بتدريب الدبلوماسيين، واختيار السفراء المراد تعيينهم، وتجمع المعلومات عن سفراء الدول غير الإسلامية قبل اعتمادهم عندنا، وتُقدّم الخطط المُقترحة للتعامل مع الدول المعادية والمعاهدة، وتجمع المعلومات الاستخبارية – بما تملك من إمكانات - عن تلك الدول، وتضعها بين يدي الخليفة ليستعين بها في اتخاذه للقرارات اللازمة.
* أمّا دائرة الصناعة فتقوم بإرساء أسس جديدة للتصنيع الحربي بحيث يعتمد على الصناعة المُتطوّرة تكنولوجياً، وعلى الصناعة الثقيلة، فتحشد لها كبار الخبراء والمُتخصّصين، ويتم تخصيص ميزانية كافية لها لتتمكّن من جعل دولة الخلافة تعتمد على نفسها في صناعة السلاح الفتّاك، وفي إعداد القوّة العسكرية الضاربة التي من شأنها أنْ تُرهب الأعداء، وتبُثّ الرعب في قلوبهم.
وهكذا تعمل أجهزة دولة الخلافة المُتعدّدة كخليّة نحل نشطة ومُتكاملة، لتحقيق أهدافها المرسومة، وأهمّها تطبيق أحكام الشرع الإسلامي في كل مناحي الحياة، ونشر الدعوة، ورد العدوان، وإبراز قوة دولة الخلافة، وتثبيت أواصر وحدتها، وإظهارهيبتها، والتفاف الجماهير حولها، وجعل عظمة الإسلام أساساً لعنفوانها وتساميها، وإعادة الفتوحات، وإحياء أمجادها.
 تقوم الدولة بكل أعمالها تلك بدعمٍ وإسنادٍ كاملين من التكتل الحزبي المبدئي الذي يُشكّل أعضاؤه بمجموعهم وسطاً سياسيّاً فاعلاً ومميّزاً ومُهيمناً على الخطاب السياسي في الدولة، فلا يبقى بجانبه أي وسط آخر، وخصوصاً في بداية قيام الدولة، فيكون بمثابة الرافعة السياسية الحقيقية للدولة، ويعمل كرديف حقيقي لها يُعينها في شق طريقها للتوسع والتجذّر، وللإرتقاء والتقدم.
أحمد الخطواني       5 / 9 /  2016